هكذا تكلم الشيخ زايد رحمه الله عن التسامح والتآخي

   أرسى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أسس القيم الإنسانية المشتركة؛ كالحوار والتعايش والتآخي والاحترام وقبول الآخر المختلف والتعاون والتضامن، مؤسساً دعائم بنياناً صلباً، أقيمت قواعده على المحبة والمودة والتآزر والوحدة، ونبذ كافة أشكال الإرهاب والعنف والتطرف.

   يجمع الباحثون أن الحياة من دون تسامح وتعايش؛ تصبح فصولاً متتالية من الكوارث والمهالك والشرور، التي تلفح البشرية بنيرانها في كل مجتمع من المجتمعات، لاسيما بعد أن بات العالم قرية كونية واحدة، يطال أقصاها ما قد يعتري أدناها؛ بتأثير العولمة في انهيار الحدود وانسياب الثقافات والأفراد وأساليب العيش، وتداخل المصالح والحاجات والسياسات فيما بين الدول والشعوب. وفي هذا الجو علت أصوات، تصدح بضرورة بعث قيم الحق والخير والعدل والأمن والسلام من جديد. مؤكدة أنه لا بديل ولا مناص من نشر وتعميم ثقافة وقيم التسامح والتآخي بين الأمم والشعوب؛ أينما وجدوا ومهما بلغ التنوع والاختلاف بينه.

   وهذا كان دأب مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه)، الذي كان حريصا على تطبيق هذه السياسة والدعوة إليها، حتّى وصفه وزير الثقافة الفرنسي السابق فريدريك ميتران بقوله، "إن الشيخ زايد رحمه الله كان مثالاً عالمياً لرجل السلام الذي يمتلك رؤية واقعية قائمة على أساس تعزيز روح التعايش السلمي، من خلال ترقية المصالحة ونبذ الخلاف والنزاع، وكذلك بتعزيز موقف دولة الإمارات العربية المتحدة في العالم، ما جعل بلاده تحقق نجاحاً باهراً على صعيد الدبلوماسية الدولية".

  هذا المقال هو قراة في رحاب نصوص وأقوال للشيخ زايد، التي تعكس موقفه ورؤيته السديدة لمفهوم التسامح والتآخي والتعاون.

المحبة والتسامح

  كان الشيخ زايد رحمه الله حريصا على أن تكون علاقات دولة الإمارات المتحدة مع الدول الأخرى قوية متينة تقوم على الاحترام والمحبة والتسامح، وفي هذا الصدد نستحضر مقولته عندما زار باكستان في 28 مايو 1972 حيث قال: أما الخط الآخر لسياستنا مع الدّول غير الإسلامية، فهو خط إنساني بحت يقوم على المحبة والتّسامح، فعلينا واجب نحو البشرية، نتعاون معها، ونتعامل معها كبشر، نحترمهم كبشر، ونكنّ لهم بقدر ما يكنّون لنا من صداقة ومودّة.

الأخوة أمن واستقرار

   ببصيرته النافذة كان الشيخ زايد رحمه الله يؤكد على أن العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى، يجب أن تقوم على شعار الأخوة والتسامح؛ حتى يشيع الأمن والاستقرار، وهذا ما نستشفه من رسم سياسته الخارجية الواعية العقلانية؛ خلال خطابه في اليوم الوطني عام 1972، حيث يقول: لا توجد دولة تستطيع الحياة في عزلة عن المجتمع الدّولي، ولا يستطيع شعب أن يتقدّم دون أن يرقب عن كثب خطوات الشعوب الأخرى التي سبقته على طريق التّقدم، ويحاول أن يستفيد من التجارب التي تلائم ظروفه، والعالم بما فيه من الدول ما هو إلا مجموعة من الأسر المتجاورة، وإذا حسنت العلاقة بين الجار والجار وكان شعارها الأخوة والتسامح شاع الأمن والاستقرار.

رفض التمييز

 وقف الشيخ زايد رحمه الله في وجه التمييز العنصري بكل أشكاله وألوانه، وبلورذلك في خطابه إلى مؤتمر القمة الرابع للدول غير المنحازة في الجزائر بتاريخ 8 سبتمبر 1973 حيث قال: إننا ندين التمييز العنصري بكافة أنواعه وأشكاله، ونساند حركات التحرر في العالم مساندة كاملة وعلى الأخص في أفريقيا، ونحن على استعداد لبذل كل ما نستطيعه من مساعدة من أجل انتصار هذه الحركات، وتحقيق العدالة وحقوق الإنسان.

الإسلام رحمة وتسامح

  إن المتتبع والدارس لحياة الشيخ زايد، لا يمكنه أن يتجاهل أن هذا القائد كان دائم الاعتزاز بالدين الإسلامي وبخصائصه ومقوماته، والتي يأتي في مقدمتها التسامح والتعايش والمحبة، وللتأكيد على هذا القول نورد قوله رحمه الله في العام 1993، وذلك خلال لقائه بالأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا في أبو ظبي، حيث يقول: إن الإسلام دين رحمة وتسامح ومحبة وغفران وتفاهم وخطاب عقلاني وتقارب بين البشر، ومعاملة بالتي هي أحسن، ولا يعرف العنف الذي يمارسه الإرهابيون الذين يدّعون الإسلام زوراً، وباسمه يذبحون إخوانهم وأهلهم للوصول إلى أهدافهم المغرضة تحت شعار الدّين، في سلوك مشين، والإسلام منهم براء.

وفي هذا الصدد يقول أيضا رحمه الله: نحن مسلمون ولا نتسامح؟ هذا أمر غريب، إن المؤمن يجب أن يكون رحيما ومتسامحا.

 

مواجهة الإرهاب والتطرف

  من حكمة الشيخ زايد رحمه الله أنه كان دائم الدعوة إلى محاربة الإرهاب والتعصب، ليس باستعمال القوة وإنما ببيان خصال الدين الإسلامي وسماحته؛ يقول طيب الله ثراه: الواجب يحتم على أهل العلم أن يبينوا للناس جوهر الإسلام ورسالته العظيمة بأسلوب يليق بسماحة الدين الحنيف، الذي يحث على الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يستجيب الناس ويواجهوا الإرهاب باسم الدين والقتل باسم الدين.

 شيم العظماء

   يرى الشيخ زايد أن خلق التسامح لا يمكن أن ينتقص من قيمة الإنسان، بل على العكس من ذلك، فهو يزيده قوة وعظمة، وفي هذا نستحضر مقولته رحمه الله وهو يوجه نصيحته إلى أبنائه: أهم نصيحة أوجهها لأبنائي هي البعد عن التكبّر، وإيماني بأن الكبير والعظيم لا يصغّره ولا يضعفه أن يتواضع ويتسامح مع الناس، لأنّ التسامح بين البشر يؤدي إلى التراحم، فالإنسان يجب أن يكون رحيمًا ومسالمًا مع أخيه الإنسان.

التسامح واجب وميزة

  بحكمته المعهودة كان الشيخ زايد يرى أن التسامح جبلة فطر الله الناس عليها، والإنسان لا يسمى إنسانا إلا بتسامحه وتعايشه مع الآخرين، فيقول رحمه الله: التسامح واجب، لأن الإنسان إنسان في المقام الأول، خلقه الله إن كان مسلماً أو غير مسلم.

وقال في مقام آخر يقول: إن التسامح واجب، فإذا كان أعظم العظماء الخالق عز وجل يسامح، كيف لنا نحن البشر لا نسامح، وقد قال تعالى في محكم آياته: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ.

أما عن كون التسامح ميزة فيقول: لولا التسامح ما أصبح صديق مع صديق، ولا شقيق مع شقيق، فالتسامح ميزة.

التعاون بين الأديان

      من الأمور الحكيمة في فكر الشيخ زايد رحمه الله أنه كان دائم الدعوة إلى التعاون بين الدول، مهما كانت معتقداتها الدينية. وأقواله في هذا الأمر كثيرة ومتنوعة، نذكر منها على سبيل المثال، لا الحصر، قوله: إننا جميعاً على هذه الأرض خلقنا الله سبحانه وتعالى، وساوى بيننا، وكانت مشيئته أن يخلقنا أجناساً وديانات مختلفة، وإن تعاليم ديننا تدعو إلى التعاون مع كل إنسان، مهما كانت ديانته... وإننا نمدّ يد الصداقة إلى دول وشعوب العالم بأسره، إننا لا نستطيع الحياة بمعزل عن العالم، وليس لدينا مبرر للابتعاد عن صداقة شعب أو دولة.

ويقول أيضا رحمه الله، تأكيدا على ضرورة التعاون والتآخي بين جميع الدول: بقيام التعاون والصداقة بين العرب والأفارقة، أؤكد على أنه من صالح العرب والأفريقيين أن تكون بينهم اتصالات أكثر وصداقة أكبر، فإنه لا دين يفرقهم، ولا مسافات تبعدهم، ولا عادات مختلفة تبعد بينهم، وإن التراث بينهم يتشابه، وكذلك الأديان والعادات.

توحيد لا فرقة

   تمايز الشيخ زايد عن القادة الآخرين بنظرته إلى التسامح، وكونه عامل توحيد؛ لأنه يجعل جميع أفراد المجتمع مترابطين ومتحابين فيما بينهم، وهو ما يجعلهم أكثر ميلاً إلى الاتحاد، على عكس الدول والمجتمعات التي تعاني من انتشار قيم الكراهية والتعصب، والتي تكون أكثر ميلاً إلى التفتُّت. ومن هنا كانت ثقافة التسامح جزءاً لا يتجزأ من الفكر الوحدوي للشيخ زايد، طيب الله ثراه، وكانت أحد العوامل المهمَّة التي أسهمت في إنجاز حلم تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971.

وكان من نتائج ذلك أن صارت دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم من أكثر دول العالم تسامحا، إذ تحتضن أكثر من مائتي (200) جنسية يعاملون باحترام ويعيشون بوئام وانسجام، وينعمون بأمن وأمان، ويسهمون بفاعلية في تطور الدولة وتقدمها في مختلف المجالات والقطاعات.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية