لماذا عجز العنف دوما عن حذف التسامح والسلم من الوجود؟

رغم أن التاريخ البشري يعجّ بأعمال العنف وحوادث التدمير التي طالت الحجر والبشر، إلا أن الإنسانية في كل الظروف وفي كل المراحل تمسكت على الدوام بالتسامح؛ سواء أكان بأشكاله البدئية أو بصيغه الأكثر تطورا. إلامَ تعود هذه الظاهرة؟

  

   لا ريب أن ظاهرة تمسك البشرية بالتسامح على الدوام، تعود إلى كونها ظاهرة اجتماعية في المقام الأول. فالأخوّة التي هي ركاز التسامح، بدت منذ زمن القطيع البشري الاول، حاجة بقائية لا مناص منها؛ لتأمين حياة أبناء العائلة الممتدة، التي كانت تسكن إما على الأشجار في الغابة (ومن هنا يأتي إرتياحنا للون الأخضر على ما يرى علماء الأنثروبولوجيا النفسية)، أو داخل الكهوف في الجبال.

   بعدئذ، تطورت وظيفة الأخوّة؛ مع توسّع حجم العائلة، ودخولها في طور العشيرة، حيث باتت الأخوّة العشائرية، نظام تعاضد سكّاني أفقي ممتد، يهدف الى تحصين الجماعة. الأمر الذي يعني أن مفهوم التآخي العائلي ثم العشائري، جاء استجابة اجتماعية لمطلب جماعي بقائي. فالكل، داخل العائلة، كما داخل العشيرة، كان يقرّ بأن مصيره رهن قبوله؛ بمبدأ التآخي ذي الخطين، من الفرد إلى الجماعة، ومن الجماعة إلى الفرد.

1- التآخي البقائي

   لذلك، تزامن سرّ الحياة الجماعية باكرا جدا في الوعي البشري، مع حاجة اجتماعية؛ لبناء علاقة ودّ وتعاضد مع الآخر القريب، ثم البعيد، فالأبعد. بحيث أن لا وجود لحياة الخلية الاجتماعية الاولى والأساس – أي العائلة -  إلاّ من خلال تآخ ما، اختلف شكله عبر العصور. وبهذا المعنى يقول ابن خلدون، "فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور، وتختلف القبائل والعصبيّات باختلاف المصالح"؟

   غير أن الأمر الوحيد الذي لم تختلف الجماعات البشرية حوله منذ غابر الأزمنة هو التآخي العائلي والعشائري؛ لكون العشيرة تعدّ امتدادا للعائلة.

   بدأ العنف البشري بالتمأسس مع تكتّلات العشائر المتفرقة التي انضوت تحت لواء قبيلة، بغية مواجهة مجموعة عشائر أخرى، تنضوي تحت لواء قبيلة أخرى؛ اعتبرتها معادية لها. وبطبيعة الحال، حصل هذا الأمر كما يشير اليه بن خلدون؛ بدافع المصالح.

    وعلى قاعدة المصالح التي باتت تتعدّى الحاجة الأمنية للاحتماء من الحيوانات الكبيرة والمفترسة، صار الإنسان نفسه عدوا لإنسان آخر، طمعا بمصالح جديدة، أضحت تتمثل بالغنائم والأرزاق. لكن، هنا أيضا، جرى تفعيل التآخي الداخلي، الخاص بعصبة قبلية بعينها، ضد تآخ آخر، خارجي، يخص قبيلة أخرى، أعتبرت خصماً. أي أن العنف المسلّح، المبني على المصالح المادية، لم يستغن عن التآخي الداخلي، لا كمفهوم بقائي فحسب، بل كمبدأ جتماعي – سياسي مركّب، عصبيّ الخيط والحياكة.

   ويكفي للتعرّف على هذا العنف المرتبط بمصالح مادية مباشرة، الإطلاع على ما يرد في كتاب "أيام العرب في الجاهلية وأيام العرب في الإسلام" لأبي الفضل الميداني (المتوفي عام 1124 م) الذي يذكر 131 حربا داخلية في الجاهلية تشير اسماؤها الى:

- واد أو سهل خصب أو واحة خضراء، بنسبة 34%

- نقاط ماء وآبار،  بنسبة 31%

- اسم القبيلة الظافرة، بنسبة 20%

- اسماء أحصنة أو أبل 3% ، وقرى ومدن 3% ، أسماء علم 3%، وأماكن  3%، وصفات 2%، والصحراء 1% .

   أي أن أكثر من ثلثي الحروب آنذاك، جاءت من أجل مراعي ونقاط ماء وأشياء، لكن على قاعدة التعاضد والتآخي القبلي.

 

2- من العنف الى نقيضه

   لم تكن الحروب من أجل الإبادة؛ بل أن معظمها جاء بغرض الاستتباع. لذلك كانت على الدوام تنته بمعاهدات سلم ومواثيق، أيا كان شكلها، ومهما كانت ضراوتها، ومع ذلك كانت تنتهي بالتوافق، أو بالتسامح، ولو بأدنى حدوده.

   هذه أيضا تعدّ ظاهرة اجتماعية. حيث أن العنف العسكري إبان الحروب لم يتابع الى ما لا نهاية مسيرته، حتى الإبادة الكلّية للآخر؛ بل في لحظة ما، جاء الحلّ من باب نقيض العنف. وهذا يعني أن العنف يعجز على أن يقوم بذاته، ولذاته على نحو مستدام. وذلك؛ لسبب عملاني بسيط، وهو أن هذا المنطق سيؤدي في النهاية الى تدميره هو، ومعشر الذين يعتمدونه سلوكا لحياتهم.

   وهنا نتساءل: لماذا يبقى منطق السلم الاجتماعي حيّا داخل أعتى أشكال العنف؟ يعطينا عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو الإجابة على هذه المسألة في نظرية "الهابيتوس". فهذا الأخير هو نظام من الاستعدادات الذهنية، يحمله كل واحد منّا، ويقتدي به في حياته من دون أن يدرك المصدر البعيد؛ لهذه الاستعدادات في غالب الأحيان. إذ في هذه الإستعدادات الذهنية ما يأتينا من بعيد جدا ومن غابر الأزمنة.

   وبما أن الهابيتوس بنية من الاستعدادات المنظَمَة (بالفتح) التي تلعب دورا منظِما (بالكسر)، فإنها تعيدنا دوما من حيث لا ندري الى أساسيّاتنا وثوابتنا التي نشأنا عليها.

   لذلك؛ بما أن البشرية فتحت عينيها في فجر تاريخها الاجتماعي على التآخي في العائلة والعشيرة، على المستوى الداخلي والحميم، وبما أن العنف البشري ظهر لاحقا، للاستخدام الخارجي، تطبّع الذهن البشري بالتآخي واعتبره أولا وأساسا، وتشكّلت حوله إنسانيته. الأمر الذي يعني أن في عمق أعماق الذهن البشري هابيتوسا سلميا، يشكّل نواة أنسانيته.

   وبالتالي فإن العنف الأخوي الذي استقر ثانيا في سلوكه الاجتماعي، بقي برّانيا؛ بمعنى أنه لم يكن في أساس الوعي الاجتماعي الإنساني.

   من هنا هذه الظاهرة الإنسانية المفارقة، التي يلاحظها كل متابع لتاريخ المجتمعات الإنسانية، والتي تتمثّل في المعادلة الآتية: كلما إزدادت وتيرة وأشكال العنف البشري، تنامت مبادرات وابتكارات الإنسان الآيلة الى السلم. حيث إن باب الذهن البشري يبقى دوما مفتوحا على التآخي في عمق تلافيف هابيتوسه الإنساني، بخاصة عندما تُفتح عليه أبواب جهنّمات العنف.

   فالعنف ينتصر آنيا بالمعارك العسكرية، غير أن السلم والتآخي يظفران في النهاية بالنصر.

 

3- لا مبدأ للعنف

    من المعروف أن السلم والتأخي الإنساني  يندرجان في إطار المبادئ، أما العنف فلا يمكن أن يكون محسوباً على المبادئ؛ بأي حال من الأحوال. لماذا يا ترى؟

   لأن السلم والتآخي الإنساني ارتقيا على نحو معاكس، مع نموّ النزعات العنفيّة لدى البشر. فاحتلّ التآخي الإنساني مكانته؛ كمبدأ من المبادىء الدستورية في الدساتير السياسية عبر العالم؛ إلى أن بلغ أحد المبادىء الثلاثة الأساسية، التي شكلت علم الثورة الفرنسية. نشير إلى أن هذه الثورة لم تخل من العنف، لكن العنف لم يرتق فيها إلى درجة المبدأ، الجدير بالتطريز على العلم الفرنسي، كما هي الحال بالنسبة إلى ذلك الذي نشاهده عند مدخل كل مؤسسة رسمية فرنسية حتى اليوم.

   وكذلك هي حال السلم الذي دخل إلى شرعة حقوق الإنسان والمواطن، التي رُفعت عام 1789، كما في شرعة حقوق الإنسان التي اعتمدتها منظمة الأمم المتحدة عام 1948، أي أن منطق الحروب الطويلة والدامية، أكانت أهلية أو قومية، لم يتمكّن يوما من أن يتحوّل الى فلسفة إنسانية للسلطة والحكم. بينما حكمة التآخي والسلم والتسامح، بقيت حيّة ترزق في جميع العصور، وتمكّنت من التغلّب على الغالب بالعنف. كما أن تمكّنها من أساليب السلطة الناعمة بتصاعد وقوي، فجاء الانتصار الكبير عندما اعتُمد مبدأ فصل السلطات في الدولة الحديثة، حيث غدا للقضاء سلطة مستقلّة، فباتت العدالة القانونية إلزامية على جميع المواطنين؛ بما فيهم المسؤولين الممسكين بزمام السلطة.

   إن مبدأ فصل السلطات كان انتصارا للسلم على العنف، إذ بات غداة اعتماده ركيزة سياسية-اجتماعية، تنظّم حياة البشر؛ على قاعدة مبادىء الإنسانية الثابتة في التآخي والسلم والتسامح، في مواجهة العنف البشري المستطرد؛ بفعل تعاظم المصالح.

   فمع تنامي كل شكل من أشكال العنف العسكري والسياسي والاجتماعي، كانت تظهر دفوع ناعمة، تعمل في القوانين والأحلاف والدساتير والشرائع على حماية أسمى ما في إنسانية الكائن البشري. لم ينقطع خيط العنف عبر العصور، غير أن الصلابة الناعمة لنقيضها لم تستسلم ولم تنكسر.

   بل إن مبادىء السلم صارت أقوى من أشكال العنف على اختلافها؛ بفعل كل معاهدة سلم كانت تُعتمد، وكل قانون جديد كان يُسنّ. اخترق العنف جبهات كثيرة، لكن الحكمة الإنسانية المبنية على "الهابيتوس" الأخوي، الاجتماعي الأصلي، ثم على التعاليم السماوية للأديان جردته من الشرعية.

   فمحاصرة العنف خارج أسوار المبادىء الإنسانية، على رغم كل انتصاراته الميدانية عبر التاريخ، جعل منه المنبوذ الحاضر الأبرز في حياة البشر. فهو حاضر لكنه فاقد الشرعية. هو قائم اليوم لكنه سيكون مغلوبا في الغد. هو موجود بقوة الغريزة فيما هو غائب بمثاله الأعلى، الذي لا قدرة له على جعله قناعة إنسانية دائمة.

    لذلك فالعنف عابر والسلم  ثابت والتسامح ثابت.  لو لم يكن الأمر على هذا النحو لأكلت البشرية نفسها منذ زمن بعيد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية