من أجل عالم أكثر أمناً وسلماً

خلال فعاليات الملتقى السنوي السادس لمنتدى تعزيز السلم، الذي احتضنته أبو ظبي في ديسمبر 2019، توافق المشاركون على إصدار "خارطة طريق" للبشرية تصون نعمة الحياة وتحفظ الكرامة الإنسانية للفرد والجماعات، على أساس صلب من المبادئ الأخلاقية والدينية والقانونية، وفي مقدمتها الحرية والعدالة والسلم والرحمة والتضامن.

 

    لقد خلص المجتمعون إلى جملة من التوصيات، تؤطر أجندة ميثاق حلف الفضول الجديد، وتتعهد بالالتزام بتفعيله في أرجاء العالم كافة، وذلك في سبيل ترسيخ قيم السلم والتسامح والتعايش السعيد بين الناس. فحلف الفضول الجديد هو تحالف على الفضيلة والقيم المشتركة، ويهدف إلى التعايش باعتبار أن ذلك ضرورة ملحة وواجب ديني، تدعو إليه جميع الديانات، ويسعى اصحابه إلى تمثل هذه القيم في علاقاتهم، والدعوة إلى نشرها وامتثالها في حياة الناس، حسبما جاء في اليان الختامي.

 

الأديان منارة الإنسانية

   إن هذه الخلاصة تمثل حقيقة ثابتة وأزلية، لا يختلف عليها اثنان على الإطلاق، وهي أن جميع الأديان بجوهرها وحقيقتها منارة للإنسانية، وضابط روحي وأخلاقي يدعو لحقيقة واحدة.

  ومن هذا المنطلق المرتكز على القيم المشتركة التي تؤكد على التعايش، جاء ميثاق حلف الفضول الجديد؛ ليشتغل على إبراز هذه المشتركات الإنسانية وتدعيمها؛ كي تكون منطلقاً للانتقال من المرحلة التنظيرية إلى المرحلة العملية.

  إن التفاعل بين مختلف هذه القامات الدينية والثقافية التي جاءت من مختلف مناطق العالم؛ لتجتمع وتشكل واحة من التفاعل الفكري والتواصل الإنساني، وتعبر عن رؤيتها من أجل تكوين حاضنة دينية وثقافية، موحدة في منطلقاتها من نبع الأديان السماوية التي تؤكد جميعها على قيم التسامح والسلام، وأيضاً من تعدديتها الثقافية التي تجمعها المشتركات الإنسانية.

 

مشروع ثقافي

    ولعل هذا النقاش والزخم الفكري الذي شهدته جلسات المؤتمر؛ سيكون له الأثر الإيجابي على مختلف المجتمعات التي جاء منها رجالات السلام ودعاة التسامح، إذ إنه سيحمل مختلف وجهات النظر في رؤية موحدة؛ لمواجهة الإرهاب والتطرف بلغة عالمية، أبجديتها الإخاء والإحسان والتسامح والسلام والفضيلة.

   والمؤكد أن هذا الخطاب؛ سيكون له شأن بين عامة الناس؛ لاسيما إنْ واكبه مشروع ثقافي، يحاكي أيضاً عامة الناس؛ من خلال موروثهم الفكري الذي  يعزز البيئة الاجتماعية التي نشؤوا فيها، ويحترم معتقداتهم ويسلط الضوء على القيم الحسنة والمشتركات الإنسانية، التي تنطوي عليها معتقداتهم وعاداتهم التي تمثل هويتهم الثقافية. ما يسهم في انطلاق حوار واسع النطاق، يكون له الأثر الإيجابي في إرساء ثقافة التسامح والإخاء وتعزيز المشتركات الإنسانية، على طريق تبلور أخوة إنسانية، تتقدم في وجه الانغلاق والتقوقع الذي نشهده اليوم؛ من خلال انتشار التطرف والإرهاب، وتعاظم المشاعر العنصرية في أكثر من مكان في العالم.

   ولقد تجلت في كلمات المشاركين بالملتقى؛ إرادتهم وعزيمتهم على الانتقال من المرحلة التنظيرية إلى المرحلة العملية، أي مرحلة تطبيق المقررات والتوصيات التي خلصوا إليها، وهنا يقتضى الأمر الانتقال إلى حقل العمل وبذل الجهود الضرورية من أجل إنضاج ثمار الأفكار والطروحات على أرض الواقع، وهذا يتطلب آلية وبرنامجاَ؛ ربما سنشهد تفاصيلهما في مرحلة لاحقة.

  لكن ما هو مهم في الوقت الراهن ونعتبره حدثاً تاريخياً كبيراً، هو ما خلص إليه الملتقى، والتوصيات التي رفعها المجتمعون في البيان الختامي الذي يمثل ويعكس الإرادة الصلبة، وإصرار المشاركين على بسط تعاليم التسامح والتعبير عن خلاصة نقاشاتهم؛ ببيان يحيط بكل الجوانب المهمة التي شغلتهم؛ طيلة أيام الملتقى؛ ليخرجوا للناس بمقررات ورؤيا جديدة عن التسامح، وبمعالم خارطة الطريق التي رسموها بعناية، وكللوها بإعلان حلف الفضول الجديد، وهذا يدل  على همة لا تلين عند المؤمنين بالسلام والتسامح، ورغبتهم في القيام بدورهم الحقيقي من أجل إرساء قواعد الإخاء والفضيلة بين مختلف البشر، وهذا خير مثال على انسجام جميع الأديان مع حقيقة واحدة، وهي أن غاية الدين الإحسان والمحبة في سبيل خلاص الإنسانية  من الشرور والتقرب إلى الله.

 

مفهوم جديد

  ولعل المفهوم الجديد للتسامح المبني على نظرية نقله "من الإمكان إلى الإلزام"، هو الذي سيدفع بحيوية باستراتيجية السلم التي هي مقصد أساس وغاية جوهرية؛ لإنضاج الوعى من أجل انتقال الإنسانية من عصور التمايز والعيش المنفصل إلى عصر التمازج والعيش المتصل.

  إن ديناميكية الطروحات والأفكار حققت الانسجام، وانتجت هذه المفاهيم الجديدة عن التسامح  من أجل خلق مساحات للتفاعل والتلاقي ومهدت الطريق؛ لانفتاح واسع النطاق، يسمح للناس أن يعبروا عن معتقداتهم بحرية وإيجابية، تعزز ترابط  الحلقات الدينية والفلسفية؛ ضمن عِقد واحد، يمثل التواصل والاتصال الإيجابي، ويبلور مفاهيم جديدة عن العلاقات الإنسانية التى تنبذ العنف وترفضه بكل الأشكال. 

وكانت كلمة العلامة الشيخ عبدالله بن بيه تحمل رؤية كاملة ومتكاملة تحاكي وتلمس جوهر القضايا الأساسية للإنسان، وكيفية التعبير عن القيمة الحقيقية لجوهر التسامح ومعنى السلم و التآخي  من خلال المفهوم الإسلامي الذي يحاكي الناس أجمعين. وقد بين العلامة ذلك في قوله العميق بالدلالات أثناء إلقاء كلمته خلال المؤتمر، حيث عرج على مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك بين المجتمعين، وقال:

"بالتعارف يتم تجاوز ضيق الأنا إلى فُسحة النّحن، وينتقل من تشرذم الأقليات والهويات الضيقة إلى وحدة الأكثرية الجامعة، المجتمع الواحد، مجتمع الإنسانية الكبرى".

    ينشأ التعارف من الوعي بالمصير المشترك، فنحن جميعا مثلُ ركاب السفينة، تجمعنا وحدة المصير والمسار، فلا نجاة لبعضنا إلا بنجاة الجميع ولا خلاص لأمة دون أمة أو دين دون بقية الأديان، ولا خلاصَ للجميع إلا بالتعاون على الخير، بذلك أمرتنا النصوص المقدسة وإليه دعتنا العقول المستنيرة، ففي القرآن الكريم، خطاب لجميع الناس، على اختلاف أديانهم وأعراقهم: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”،

   هي دعوة للتكامل والتعاون  مع الآخر من أجل الوصول إلى مجتمع إنساني ينتمى للفطرة التي أودعها الله في نفس الإنسان وخلقه عليها، التي تمثل الخير والتسامح والمحبة والانقياد لله، بمعنى أن فطرة الإنسان تدله دائما الى التسامح، ومن ناحية أخرى كان جليا أن طرح العلامة الشيخ عبدالله بن بيه في هذا الموضع وفي الكثير من الطروحات الأخرى يهدف لتلقف الفكر والفلسفة الانسانية التي تحاكي منظومة الأخلاق والتسامح الديني في سبيل تفعيل الحوار والجدل للتعارف والتقارب اللذين تفرضهما حتمية المصير المشترك للجنس البشري على هذه الأرض، ما يجعل الإنسانية في وحدة موحدة متكاملة، تحترم وتحافظ على خصوصيات الأفراد والجماعات، لكون هذا التنوع غنى فكري وروحي للإنسانية، يعزز الوحدة ولم شمل الإنسانية على المشتركات العامة التي تعزز روح الإخاء والتسامح.

 

طريق الكمال

   وقال الشيخ العلامة ابن بيه إن "التسامح في الرواية الإسلامية ينبني على مبدأ أخلاقي روحي عميق، إلى جانب التخلق بأسماء الله الحسنى".

  والتخلق بأسماء الله الحسنى هو الطريق إلى الكمال الذي سيقود العالم نحو الخلاص والنجاة من الكراهية و الحروب، وهو القيمة الدينية العظيمة التي تتحلى بأرقى المفاهيم الأخلاقية والروحية التي يدعو الإسلام أن يكون الإنسان عليها، وهي مشتقة من أسماء الله الحسنى.

 لقد عبر الشيخ العلامة عبدالله بن بيه، بمنتهى الحكمة، عن الطريق للتقرب إلى الله من خلال التخلق بأسماء الله الحسنى التي تكرث مفاهيم السلام

 والرحمة والإحسان بين الناس، وتجعل من الفضيلة الوعاء الإنساني الذي يغرف منه الناس في سبيل التعارف والتكامل.

كما أشار العلامة الشيخ عبدالله  بن بيه: "إلى أن العمل بالاتجاه التربوي يجب أن لا ينسينا أهمية السياق القانوني لمفهوم التسامح". أي التسامح في النظم التشريعية والقضائية لتكون متاحة لكافة القانونيين محلياً وعربياً وعالمياً، وفي هذا الاطار تتقدم دولة الإمارات العربية المتحدة لتكون ريادية على مستوى العالم حيث أنشأت وزارة التسامح عام 2016، وهي مسؤولة عن تنمية روح الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين جميع سكان الدولة، وعلى مدار أربعة أعوام من العمل الدؤوب تكللت جهودها بالكثير من التقدم وأعلنت العام 2019، عاماً للتسامح، وبذلك أرست وأسست قواعد لمفاهيم جديدة للتسامح داخل الدولة وانطلقت نحو العالم لتسهم في تعزيز قيم التسامح والسلم من أجل العيش السلمي المشترك.

   إن الملتقى السنوي السادس لمنتدى تعزيز السلم وضع رؤية متكاملة لمفاهيم جديدة للتسامح؛ بتضافر جهود جميع الأطراف المشاركة، التي عبرت، من خلال الكلمات والنقاشات، عن التناغم والتكامل في الرؤى والطروحات التي تعمل على تكريس مفاهيم السلم والتسامح بين مختلف شعوب العالم، مستلهمة ذلك من روح الأديان والفلسفات الإنسانية، وهي ستمهد لبناء علاقات إنسانية متكاملة بين الأديان وشعوب العالم، تنبذ العنف والتطرف والإرهاب، وتجعل من العالم أكثر أماناً وسلماً.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية