التسامح والعمل الجماعي للأديان

يعقد "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" في ديسمبر 2019 ملتقاه السنوي في دورته السادسة، في موضوع "دور الأديان في تعزيز التسامح.. من الإمكان إلى الإلزام". ويأتي هذا الموضوع في سياق غير منفصل عن المسار الذي اختطه المنتدى منذ تأسيسه، فرغم أن جهوده تتوزع بين خطوط عدة؛ عبر محاور مختلفة، إلا أن هذا كله يستظل بشجرة السلم، كما يقول العلامة عبد الله بن بيه رئيس المنتدى.

إن الواقع الذي انعقدت فيه المنتديات السابقة منذ 2014؛ رغم اختلاف سياقاتها؛ دون أن يؤثر ذلك على أهدافها الأصيلة، لا يزال يفرض قدراً غير يسير من التحديات الراهنة؛ لتبقى الانجازات التي حققها المنتدى خطوات ضرورية؛ نحو هدف جمع عقلاء أديان العائلة الإبراهيمية والمؤمنين بالسلام من أتباع الفلسفات الروحية على صعيد واحد؛ لإنقاذ سفينة العائلة الإنسانية بما يتيحه الواقع من إمكانات وإمكانيات.

تداعيات العولمة

   إن المنتدى على وعي تام بواقع  العولمة، وبسرعة وتيرة تغيراته وتقلباته، وبكونه واقع حريات بامتياز، وبأن سيادة الدول فيه شبه ناقصة، وبأن الولاءات فيه صارت مركبة ومعقدة تتحكم فيها عوامل متداخلة لا تنفصل عن بعضها البعض، وبحسب عبارة العلامة بن بيه "أصبحت العولمة اليوم مرجعًا لشهادة حسن السلوك أو سوء السمعة، وبخاصة في المجال الثقافي، حيث صارت هي البعد الأساسي لإشكالية الحقوق، دون أن نهمل عواقبها السلبية على الحقوق الثقافية لتلك المجموعات المعرضة للانتقاص أو الهجوم، مثل: الأشخاص المنتمين للأقليات، أو أبناء البلد الأصليين، أو العمال المهاجرين؛ وكذلك فإنها تقوض الهويات الثقافية، وتضعف معايير أخلاقية مختلفة، وأواصر اجتماعية".

    والأخطر في ذلك كله، أن البعد الكوني للقضايا صار هو المحتكَم للعلاقات السياسية والاقتصادية والإنسانية، وهو الحاكم دون مرجعيات دينية وأخلاقية تعمل وتحكم على الدوائر الثلاث، ونعني بها: دائرة الخصوصية المحلية، ودائرة المشترك الديني، ودائرة المشترك الإنساني التي دعونا ولا نزال ندعو إلى العمل داخلها بتزامن وفي آن واحد.

مرجعية الحداثة

   إن هذه الدوائر وإن كانت تتقاطع مع بعض تمظهرات العولمة من حيث المشترك، إلا أن المشترك المعني هنا خارج عن تصور المشترك الذي تفرضه العولمة، والمتمثل في التكنولوجيا التي تتلخص فيها ومن خلالها الأسئلة الملحة على الواقع، وتتمثل منها النتائج التي كونت الواقع الكوني اليوم، وضعف معها الشعور بالانتماء إلى الدين والوطن، وهذا التأثر بنظام العولمة تستوي فيه تلك المجتمعات التي، إلى عهد قريب، كانت تمتاز بالصبغة الدينية، وتلك التي لم يكن فيها للدين حضور قوي.

   لقد أحدثت العولمة واقعاً ظن معه الكثيرون أن الدين فيه صار متجاوزاً، والقيم الأخلاقية غير ذات تأثير، في ظل الأبعاد المعولمة الجديدة التي لم تعرفها الأديان، ولم تألف التعامل معها، لذلك اتجهوا تبعاً لذلك نحو الحداثة لتكون مرجعية للجواب على الأسئلة التي يطرحها الواقع، وبدأوا الحديث عما بعد الأديان.

ما يلاحظ في الواقع:

  • - انهيار بُنى الأسر والمجتمعات، واختلال التوازنات النفسية لأفرادها.
  • - تطور تكنولوجي لا حدود له، أنتج أسلحة الدمار الشامل التي ازداد خطرها؛ بسبب اختلال توازن الرعب في العالم.
  • - تلوث بيئي بلغ مستويات قياسية انقرضت معه، أو تكاد، أمم من الكائنات الحية.
  • - تحلل من كل القيود الأخلاقية والقانونية في العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول.
  • - رهن الأجيال المقبلة بأزمات مستقبلية ليست مسؤولة عنها، وستكون ملزمة بحلها مع افتقارٍ شديد وعجزٍ كبير في الإمكانات، وقصورٍ وشُحٍّ في الموارد.

هذه مظاهر أزمات تدفع الناس إلى العودة لمساءلة الدين، والبحث عن بوصلة الأخلاق طلبا للنجاة من الهلاك والفناء، واستنجادا بالموروث الحضاري والديني، أمام عجز الحداثة عن الإجابة على أسئلتهم، وإشباع حاجاتهم، وسد نهمهم للتعاملات في الحياة.

إنها أزمات تلجئهم في زمن انهيار المرجعية الأخلاقية إلى البحث عن مخارج منها، وفئة يفيئون إليها، فإذا كان كل عصر يفرض تحديا، فإن تحدي هذا العصر هو الأخلاق كما يقول رئيس المنتدى.

تحدٍ أخلاقي

إن التحدي الأخلاقي الكبير هو كيفية التعامل مع "تعدد الهويات" في المجتمع الواحد، هذا التعدد الذي يسعى البعض إلى أن يحيله إلى صراع وصدام، وإلى أن يصبغه بصبغة اللا تسامح، بل والتأثير على صناع القرار السياسي لجعل "اللا تسامح" فلسفة ومرجعية للقوة السياسية الحاكمة حتى في أكثر المجتمعات تميزا بسيادة التسامح فيها.

إن تاريخية وجينالوجيا مفهوم التسامح تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن السياقات التي أنتجته تختلف بين الشرق والغرب، وأن التراكمات التاريخية تلقي بظلالها على صناعة وصياغة هذا المفهوم، لكن كل هذا لا يمنع من جعل موضوع "التسامح" موضوعا متجددا على مستوى النظر والعمل وفي ضوء تحولات البيئة العامة للعلاقات المتبادلة بين المجتمعات البشرية.

تجاوز الفجوات

تستطيع الأديان -بغض النظر عن خصوصياتها ونظرتها إلى نفسها أو نظرة بعضها إلى بعض- أن تتجاوز الفجوات التي بينها، وتعمل على أنسنة خطابها وتنشئ حركة إصلاحية جديدة تتفق في الأهداف لتجنب صراع البقاء، وتتأسس على أن الإيمان المطلق لأتباع كل دين بدينهم لا يتنافى أبدا مع قبول المخالف ديانة. وأرى أن أنسب مثال هنا ما اتفق على تسميته بـ"حمامة كانط" التي تعتقد تحت ضغط معاكسة الهواء لها أنها لو طارت في خلاء تام تستطيع أن تحلق بسهولة، فكما أنه "هيهات للعقل أن يدرك أي شيء لو ركل بقدميه كل مقاومة من العالم المحسوس" -حسب تعبير كانط نفسه، فإن كذلك هيهات لأي دين في ظل الأزمة الأخلاقية العالمية أن يحتفظ بقدرته على الإسهام في السلام الإنساني إذا بقي منغلقا على نفسه رافضا لغيره، فالمطلوب الآن لم يعد هو مجرد الاعتراف بالمخالف، إنما المطلوب هو التعارف وبناء الشراكات والتحالفات القيمية الكبرى التي يمكنها أن تكون حائط صد وخط دفاع أول ضد خطاب الكراهية والعنف.

وهنا أستحضر مقالا قديما في جريدة "الرياض" (2006) بعنوان:" كيف تقلع الطيور (في نفس اللحظة؟!) تساءل فيه صاحبه عن سر تحليق الطيور على شكل "8"، وأعطى مجموعة من الفرضيات، ليخلص في نهاية الأمر إلى أن "طيران السرب (بشكل جماعي) يخفف فعلا من مقاومته للهواء"، وهو صورة حسية يحق لنا أن نسقطها على دور الأديان في تعزيز التسامح، فعملها الجماعي يخفف فعلا من هجمة الفكر المأزوم في كل دين، واتحاد عقلاء الأديان لصد سفهائهم يستوجب تحقيق تحول حقيقي في النظرة إلى "التسامح" وبلورة أسس منهجية تقوم على المشترك الإنساني الذي بدأ بتكريم الخالق العظيم للإنسان ولقد كرمنا بني آدم، فلم يعد هناك مناص من إقامة حلف عامٍّ في طبيعته، منفتحٍ على الجميع رجالا ونساء أيا كان دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم، حلفِ فضول يقصد -كما كان الحلف الذي يستلهم منه- العملَ المشتركَ لخدمة السلام المستدام، والعدالة والرحمة والاحترام المتبادل. وإنما أخذنا هذه الخطوة انطلاقا من قناعتنا بأن البشرية أفرادا وجماعات صارت في أمس الحاجة إلى المضي قدما نحو مزيد من التسامح، والاضطلاع ببناء مستقبل يزدهر فيه الجميع وبوسع الجميع – بقوة الإيمان- أن يشد عرى المصالحة ويضمد جراح الصراع والعنف".

التسامح ضرورة مُلحَّة

ليس غرض الملتقى السادس مناقشة كون "التسامح" قيمة أخلاقية وسياسية، لأن الأزمة التي تعيشها العائلة الإنسانية صارت تتجاوز هذا النقاش بسبب أيلولة الواقع إلى إنكار التنوع وعدم الاعتراف، وهو ما يجعل من "سؤال التسامح" أحد أهم رهاناتها التي ينبغي للأجيال التي اكتوت بنار "اللا تسامح" أن تتنازل عن بعض ما يمكن التنازل عنه، حتى تمهد الطريق للأجيال القادمة لكسر شوكة الغلو التي لم تستطع هي أن تكسرها، وهو "واجب الوقت" الذي ينبغي أن تؤدي فيه "الأديان" على تنوعها وتعددها مهمتها، وهو ما ينبغي أن يكون من أهدافه الإجابة على مجموعة من الأسئلة تمثل في مجموعها هواجس وهموم الحاضر الإنساني، وذلك من قبيل:

- ما الذي يمكن أن تقدمه قيم وأخلاقيات الأديان للبشرية؛ كبديل عن الفشل الأخلاقي للعولمة؟

- ما هي الآفاق والآمال التي تحملها الأديان؛ لإعادة التوازن إلى المجتمعات الإنسانية؛ بعد الخلل الذي من تجلياته انفلات النزعة الفردانية، واستقلالية الفرد عن الجماعة التي كانت مؤطرة له عقديا وأخلاقيا وسياسيا واجتماعيا؟

- ما الصيغ الممكنة للحلف المنشود بين الأديان في السياق المعاصر الذي يتميز بتقهقر الولاءات الدينية وتلاشي الانتماءات، وتبلور مفهوم الدولة الوطنية، وتسيد المواثيق الدولية؟

- كيف ستتعامل الأديان مع قضايا الحرية والمواطنة والتعددية العقدية؟

- ماذا يمكن أن تقدمه الأديان عموما وأديان العائلة الإبراهيمية خصوصا لتخفيف حدة المآسي الإنسانية في أقطار المعمور؟

- ما هو السقف المأمول والممكن الذي تجتمع تحته الأديان لمعالجة مشاكل الهجرة، والفقر؟

- ما هي كيفيات ووسائل جعل الأديان حافزا على السلم وليست حاجزا دونه؟

هذه الأسئلة هي التي نرى أنها تفرض نفسها على قيادات وأتباع أديان العائلة الإبراهيمية وغيرها من الأديان والثقافات الروحية الأخرى، ولا مجال هنا للاستثناء أو التمييز، وهي أسئلة جديرة بأن تكون محل دراسة عميقة، وموضوع لقاءات وحوارات جادة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية