إشكاليات التسامح في صيرورة العولمة وظاهرة الرقمنة

تثبت صيرورة الحياة ومتوالية تراكم خبراتها، أن كل ما يخص الإنسان؛ هو قابل للتطور؛ لترسيخ الثابت من قيم أخلاقية؛ بما فيها التآخي والتسامح والمحبة والإيثار؛ بوصفها قيماً لا تبلى، وثوابت تتجاوز الرقمنة والتكنولوجيات. وإذا كانت البشرية مسؤولة عما نشهده من ثورات تكنولوجية، وما ينجم عنها من تشيؤ واغتراب، فإنها أيضا مسؤولة؛ عن إزالة شرورها ومفاسدها، وضرورة توظيفها، في سياق تحسين أحوال البشر وإسعادهم، وترسيخها، وسيلة فائقة السرعة، تبث قيم التعايش، وتنتج على الأرض السلام. وهذا غير ممكن؛ من دون الوعي بأهمية وضرورة التعاون؛ لإعادة إحياء قيمة التآخي في وعي الأسرة الكونية.

      قبل المضي قدما في التفكير بطبيعة الاستخدام البشري للإنترنت، والاتصالات الرقمية، تجدر الإشارة إلى أن المستخدمين المنتظمين للإنترنت ليسوا سوى أقلية، حتى في الدول التي لديها تكنولوجيا مركزية للمعلومات. لكن هناك اهتماماً كبيراً؛ بأن تتحول هذه الأقلية إلى أغلبية. يتوافق هذا عن كثب مع الطلب الهائل للكومبيوتر الموجود على مستوى اجتماعي؛ وبالتالي فإن احتمال وجود مدينة إلكترونية عالمية ليس حلماً خاملا أو كابوساً. هذا الاحتمال من الأهمية بمكان، على نحو يجعلنا نضطلع بتفنيد إشكاليات وجوده، ونحاول إيجاد إطار نظري يساعد في تناول وتحسين العائد من إمكانياته الضخمة المتعددة، بل ومحاولة إيجاد مخرج آمن؛ لما قد يصدر عنه من معضلات وشرور.

 

 

تواصل المنفصلين

   ثورة المعلومات والاتصالات حديثة إلى درجة أننا- حتى الآن – لا نستطيع تحديد غاية لها، حميدة كانت أو خبيثة. بل تظل هذه الثورة شيئاً مفكَّكَاً ومفكِّكَاً، يتعذر علينا أن نضعه في وحدة، تضفي عليه التعريف والتمييز. فعلى الرغم من أن شبكة الإنترنت تجمعنا، إلا أنها تفرق بيننا؛ بطرق مختلفة. فالوقت الذي يقضيه الشخص متصلاً بالإنترنت، هو حتما الوقت الذي يقضيه - بدرجة أقل أو أكبر- في الانفصال عن بيئته المحيطة؛ بما في ذلك الأشخاص المقربون منه. الاتصال بالأشخاص البعيدين وهجر التواصل مع المقربين في حد ذاته، شكل من أشكال الانفصال، هو شكل من أشكال القابلية للالتصاق بشيء آخر. والقضية الرئيس هنا لا تتعلق بشبكة الإنترنت؛ بقدر ما تتعلق؛ بسوء إدارة الوقت. فانفصالنا عن البيئة المحيطة ليس سوءا في ذاته؛ لأننا نفعل ذلك عند القراءة، أو مشاهدة التلفاز، أو الاستماع إلى الموسيقى، وما إلى ذلك. لكن يظل هناك تساؤلات كثيرة، حول كيفية تأثير استخدام الإنترنت على هذه الأشكال من الانفصال، على سبيل المثال: انخفاض مستوى القراءة. لكن القضية الأكثر تعقيدا في الانفصال عن الآخرين والالتصاق بالشبكة العنكبوتية؛ أنه انفصال متعدد الأغراض: فإما أن يكون بغرض إنجاز أعمال مصرفية، أو بغرض الدردشة والتعارف والتواصل بين ذوي الصلة والقربى أو غيرهم. وهذه - كما نرى- أغراض ليس بها خطأ واضح. لكن هناك أغراض جنائية ومرضية واضحة تشوب هذا الانفصال؛ كاختراق البنوك وغيرها من المؤسسات، أو التخطيط لهجمات إرهابية، أو حتى الهروب من الحياة، أو الظن بأن جمع المزيد من المعلومات؛ سيكسبنا مهارات تغنينا عن التجارب، ومعايشة الواقع.

 

 

فخ التشيؤ

   أن تبتلع الأشياء؛ ليس كأن تبتلعك الأشياء. وأن يكون الإنسان شيئاً؛ فذلك أمر يرثى له. التشيؤ طريق ممهد، يؤدي لا محالة إلى مصيدة الاغتراب. نقصد هنا الاغتراب الوجودي، أشرس أنواع الاغتراب.. لكن ما هو الشيء الذي يفقده الإنسان في اغترابه، وكيف يفقده؟ إن الإنسان وهو ينتج الأشياء ويتفاعل معها قد يفقد ذاته فيها. فيصير جزءاً من النفس، خارجاً عنها. وهذا الجزء إذا وقف معادياً للإنسان؛ سقط الأخير في التشيؤ. وأصبح الشيء نفسه غريباً عنه. أما إذا اكتشف الإنسان ذاته في هذا الشيء؛ فإنه يكون قد ضاعف ذاته، واتحد معها من جديد واستعاد وحدته السابقة. على هذا فإن ثمة سيرورة للتشيؤ، تبدأ بتشيؤ معادٍ للإنسان، قد يتحول إلى تكامل وانسجام، يُعد مرآة حقة للكائن البشري. هذا ما لاحظه هيجل بصفة عامة. أما هربرت ماركيوز فقد تحدث باستفاضة عن "الإنسان ذي البعد الواحد"؛ ففي مجتمع الوفرة، الذي تتسيد فيه التكنولوجيات؛ يسلب من الإنسان حسه النقدي، ويعقم، ويصبح ممتلئاً متشيئاً. وعلى حد قول ماركيوز ينشأ أنموذج للفكر والسلوك ذي البعد الواحد؛ فيه تستعاد الأفكار والآمال والأهداف التي تتجاوز بمحتواها هذا الكون؛ فيمتنع الإنسان عن الفعل، ويفقد الاتجاه. يرى المفكرون والفلاسفة أن التشيؤ مصدر دمار؛ ذلك لأنه يؤدي إلى انفصال الإنسان عن أخيه، وكل ما ينقسم قد يخرب، أو تضيع هويته. كذلك فإنهم يرون التشيؤ مصدراً للتملق والحقد؛ إذ يخلق في الهيكل الاجتماعي تمزقاً من نوع جديد، ألا وهو التمرد الداخلي والبغض. ولأن التشيؤ انحسار في الذات، فإن الأخيرة تتوحد ولا تعبأ بالكل.

  إن استخدام الوسائط الرقمية قد يكون نوعاً من الاستعداد لتجربة مواقف وترتيبات جديدة في عمود الخسارة الناجمة عن التشيؤ، خسارة فى الوقت، ذلك حين نقوم بتجزيئه، ونفقد ما يسمى "مدة الخبرة"، أو نستغرق في تفكير حالم لا طائل منه. أضف إلى ذلك انخفاض في نسبة الاهتمام الحقيقي بالإنجاز، أو نفاد الصبر على ما نريد تحقيقه، بعيداً عن وسائل الاتصال والمعلومات، أو قطيعة- أو ما يشبه القطيعة- مع ماضينا، وانعدام الشعور بحيوية التاريخ، باعتباره تراكمياً نتاج عملية عضوية، فضلاً عن غياب   فكرة المستقبل الجماعي، حيث تؤدي كل أشكال التشيؤ تلك إلى اغتراب عام، وجودي وسيكولوجي وجغرافي واجتماعي.

ثنائية التكنولوجيا والقيم

  اكتشف مفكرو الحداثة أن مجتمعات ما بعد الحداثة، تأثرت بشكل واضح؛ بتكنولوجيا المعلومات. وأثاروا جدالاً حول الكيفية التي أثرت بها وسائل الإنترنت على العلاقات الاجتماعية، وكيف أنها حررت المجتمعات؛ بدرجة ما، من العلوم الجغرافية، وجعلت المجتمع قائماً على الموضوعات، لا على زمان محدد أو مكان. وجعلت منه مجتمعاً شبكياً عولمياً، وجعلت من شبكات المعلومات بنية تحتية حيوية. ومع ذلك هم من يقللون من قيمة هذا التغير. ولا يظنون في وجود تغيرات عميقة خارج نصوص نظرياتهم. لذا قد يتوجب علينا فصل "نظرية ما بعد الحداثة" عن ثقافة ما بعد الحداثة. ثقافة ما بعد الحداثة تعبر عن حقيقة اجتماعية أكبر، وتشير تفسيرات هذه الحقيقة إلى الحاجة الملحة إلى نظرية جديدة تبحث الهوية الشخصية التي تحقق توازناً وتكاملاً لما يطرأ على حياتنا من تغيرات. وتمنحنا طرق التفكير في تأثير الثورة الرقمية على علاقتنا بالطبيعة، حين تكثف لنا صورها وتعددها. إننا في حاجة إلى نظرية تبحث كيف يمكن أن يكون الإنترنت سبيلاً إلى تحطيم الثقافة التقليدية، أو أن يكون شيئاً محايداً تجاه المسائل ذات القيمة. ليس من المطلوب تأسيس طوباوية تخص الإنترنت، لأنه قد يكون آداة تمثل توازناً، أو أداة ذات أثر سيء على التوازن نفسه. لكن من الواضح أنه مجرد أداة لا تحتوي على قيم جيدة أو سيئة بطبيعتها. لقد استعار مفكرو الحداثة من هيدجر فكرة أن التكنولوجيا بأسرها قد تكون منفصلة عن التزام القيم، لأن كل تقييم- إيجابي أو سلبي- هو تقييم نسبي وذاتي. لذلك يمكن التعامل مع هذه الشبكة كنوع من الأزياء، كتلك الموجودة لإرضاء شهية مختلف الأشخاص.

التجارب والوعي

   هناك حقيقية بديهية، تؤكد أن التجارب تغيرنا. وبهذا المعنى فإن ثورة الاتصالات والمعلومات قد غيرتنا، ولم تزل تغيرنا. إن تبني مفكري الحداثة لفكرة هيدجر أسفر بشكل أساسي عن وجهة نظر تعتبر الكمبيوتر "عين العقل"؛ تلك التي أكسبت الوعي زيادة في رؤيته الصور الكبيرة، وعملت على اتساع منظوره العالمي، بما في ذلك من اعتراف بتعقيد غير عادي في العلاقات المتبادلة. أكسبته أيضا قدرة موسعة لاستيعاب مجموعة من الاختصارات في وقت واحد. وساعدته في أن يتمكن من فهم نسبية الحالات التي تعزز من تآكل التحيزات القديمة، والتي غالبا ما تعبر عن نفسها؛ باعتبارها نوعاً من التسامح. كما أن علاقتنا بهذه الوسائل أدت إلى اكتشاف جيد؛ ألا وهو أن أشياء من صنع الإنسان قد تتصرف في حياته؛ مما يكشف عن اتصال خفي بين الطبيعي والميكانيكي. إنه اكتشاف إيجابي من حيث إظهاره للاستمرارية بيننا وبين الآلات. وهذا بدوره يشرح كيف يكون "العقل العالمي" هو اتحاد الرقمنة بالطبيعة. وكيف يشكل تعقيداً كبيراً غير محدد. تحكمه يد غير مرئية من تلقاء نفسها، نحن لن نفهمها تماما؛ لأن تصميم هذه الأجزاء لا يسمح لها؛ بفهم هذا العقل الكبير. الأفكار الخاصة بهذا العقل العالمي، وأعماله اللاحقة ستكون خارجة عن نطاق السيطرة؛ وبالتالي فإن هذه الشبكة قد تولد فينا روحانية جديدة. ولن تدحض ميتافيزيقا هذا العقل بقدر ما تؤكدها.

 

 

 

ثمن التسامح

   كان إدوارد جوزيف سنودن في العام 1983 يعمل تقنياً وموظفاً، لدى وكالة المخابرات المركزية، ويعمل أيضا، مع وكالة الأمن القومي؛ قبل أن يسرب تفاصيل برنامج التجسس "بريسم" إلى الصحافة في يونيو 2013. لقد سرب سنودن مواد مصنفة على أنها سرية للغاية من وكالة الأمن القومي، منها البرنامج المشار إليه في صحيفتي الغارديان والواشنطن بوست. وفي يوم 21 يونيو 2013 ، وجه له القضاء الأمريكي رسمياً، تهمة التجسس وسرقة ممتلكات حكومية، ونقل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني دون إذن، والنقل المتعمد لمعلومات مخابرات سرية؛ لشخص غير مسموح له بالاطلاع عليها، وتم بالفعل إلغاء جواز سفره.

  حصل سنودن سنة 2013 على جائزة سام آدامز، ورُشح لنيل جائزة نوبل للسلام. ومع ذلك هو يعتبر هارباً من العدالة أمام السلطات الأمريكية. وفي بداية عام 2014. دعت عدة كيانات إعلامية وسياسية إلى التسامح معه في صورة عفو عام، في حين دعا آخرون إلى سجنه أو قتله.

   أُعد فيلم سينيمائي أمريكي حول قصته، لا يظهره كجاسوس، بل يقدمه كرجل وطني رقيق القلب، صافي السريرة. أسوأ الأيام على الإطلاق في نظره هو يوم الحادي عشر من سبتمبر. مهموم بتحرير الناس جميعاً من الظلم. لا يرى الإنترت سوى تقنية وآداة. كان يشرح ذلك بينما يؤكد له مدربه ورئيسه المباشر، أن المشاعر لا توقف الإرهاب؛ إنما الذي يوقفها هو العقل. وهذه معضلة كبيرة، تشبه معضلة أن تكون الأسلحة النووية هي "أسلحة الردع"، التي تحمي السلم العالمي، أو أنها التي تحول دون وقوع حروب إبادة جديدة. معضلة توضح، كيف استحال التسامح الذي هو فطرة سوية إلى فكرة من أفكار أخرى، تدعمها مخططات ذكية للشر. لكنها معضلة تؤكد أن التكنولوجيا أداة مزدوجة الاستخدام، ولكنها في الوقت عينه تؤكد أن القلب لا يترقمن. وأن القيم الإنسانية المضمرة في هذه الفطرة، لم تزل تخط نواميس التآخي والسلام. وأن هذه القيم قد تتعالى على التشيؤ والتجزؤ والانقسام والعدمية. وأنها هي التي تطرح أسئلة الأنسنة على الدوام، وإلى الأبد. ربما أظهر سنودن تسامحاً دينياً وسياسياً واجتماعياً في آن معا. إنها معضلة تعبر عن تسامح ملتبس، يجعل حكومة سنودن تعتبره جاسوساً خائناً، بينما ترشحه حكومات أخرى لنيل أعلى جائزة سلام. تسامح عميق وصلب يتضمن التصدي والدفاع عن القيم. باهظ التكاليف، قد يكلف المرء وجوده وحريته، بل وحياته.

تلاشي الخصوصية

  إذا كانت الأنسنة تعني بث الروح في الكائن الحي، وهو ما يجعله إنساناً، وإذا كانت الإنسانية تريد الاستمرار في الحياة، فعلى المجتمع الإنساني الذي جعل نفسه حارساً؛ للقنبلة الذرية، أن يبث روح التسامح في روحه. قد يتحقق ذلك في إعادة البحث في حالات كحالة سنودن، أو في فحص إشكاليات كبرى: كالاختيار، والحرية، والأهداف. لقد لعبت التكنولوجيا دوراً حاسماً، بأن أخذت تدعو كل إنسان إلى المشاركة في مسؤولياته الرئيسية. ولكن منذ أن تكون هذا النسيج المحكم، المعروف بالإنترنت حول كوكب الأرض؛ وتضمن معقوليته الخاصة؛ اخترقت المعلوماتية بدورها أدق ما في الإنسان. اخترقت إنسانيته. هذه الرؤية ليست تشاؤمية بقدر ما هي رؤية تأنٍ وحذر. رؤية تشير إلى أن إدمان هذه المعلوماتية، والدأب والتعود على إزالة الخصوصية؛ أدى إلى ميل ملحوظ نحو التموضع والتشيؤ والانطوائية والانعزال. فتراجع الضمير الخلاق والإبداع. بل تراجعت الحرف اليدوية. وغابت اللمسات الفنية عن معظم المصنوعات. وهيمنت بعض اللغات والحضارات على سواها.

إن إعادة الأنسنة تشكل بدورها واقعاً إنسانياً جديداً. وتبث تسامحاً نقياً مجردا، في حين تبدو ثورة الاتصالات والمعلومات من الترابط؛ بحيث تجعل مصير كل من يشارك فيها معلقاً بمصير الآخرين. وأصبحت الحياة اليومية للإنسان تتأثر بتوابع هذه الثورة، سياسياً وأخلاقياً. لكن هذا التلاحم الذي جعلته لا يعني تآخياً حقيقياً، بل أنه يتجلى في عدة صراعات؛ كالصراع الطبقي، أو القومي، أو الإيديولوجي. هكذا أراد لنا التاريخ، وهي مسؤولية لا نمتلك رفاهية التخلي عنها. لكننا نستطيع أن نتمسك بالشيء الأكثر فرادة في الإنسان، ألا وهي إنسانيته؛ وإلا صار الإنسان محض قرد عارٍ من الشعر، ولأنه ليس كذلك، فليست بالضرورة أن تكون غريزته الأولى، هي الأنانية والعدوان والافتراس، إنما هو مخلوق قابل للتحسن، بقدر خضوعه؛ لتأثيرات بيئته الاجتماعية والمدنية. لا شك أن هناك تناسباً مطرداً بين زيادة مظاهر تلك المدنية، وازدياد البشرية همجية وتوحش.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية