السائد والمتنحي في حقوق الإنسان في الإسلام

يستدعي ترسيخ مبدأ التسامح في الإسلام، إعادة تصوّر فلسفة الحق، لتشمل كذلك حق غير المسلم، وتعيد النظر في الأهداف العامة للشريعة الإسلامية، التي تتفق مع الأهداف العالمية للديانات الأخرى، لتتوحد الإنسانية في سعيها إلى الإنسان الكوني، والحق الأزلي، والسماء المفتوحة للجميع.

    كثيرًا ما كُتِب عن العلاقة المتأزمة بين الفقه الإسلامي، وحقوق الإنسان العالمية. وهي زاوية تسترعي فعلاً النظر؛ لما لها من أثر هام على حقوق الأقليات، والنساء، والأطفال، في العالم الإسلامي من جهة، وظواهر "الإسلاموفوبيا"، وحقوق المسلمين في الغرب، من جهة أخرى، بما يعوق التعايش السلمي، والتسامح، بين وجهات النظر الدينية والثقافية المختلفة، والمتعارضة أحيانًا. وبالتالي لا بد لنا من وقفة موجزة، نحلل فيها علاقة التسامح بأزمة حقوق الإنسان في الفقه الإسلامي.

أنماط التسامح

    يمكن تقسيم التسامح إلى أنماط ثلاثة؛ أولها نمط نفسي: وهو قائم على التعاطف والمحبة وإنكار الذات، ولا يمكن التحكم فيه؛ كما لا يمكن التحكم عمومًا في الحالة النفسية للفرد والجماعة؛ لما لها من تعقيد بالغ، وهو يخرج عن موضوعنا الحالي على أية حال.

  النمط الثاني للتسامح هو نمط معرفي، يشير إلى الموقف النقدي من الذات قبل الآخَر، وهو نمط يؤدي إلى التسامح، بمعنَى أن وجهة نظري نسبية، وقد أتحول إلى وجهة نظركَ؛ ربما في وقت ما في المستقبَل، وبالتالي لا داعي لمواجهة وجهة نظر المناوِئ المعرفي بالعنف أو الإقصاء، وهو أقرب إلى نظرية المعرفة، ويخرج كذلك عن سياقنا هذا.

 النمط الثالث للتسامح هو نمط قانوني، أي تحفظه قوانين معينة، ويقوم على أساس تشريعي محدد، يحفظ لكل جماعة في المجتمع الواحد، وكل مجتمع على ظهر البسيطة، حقه في التعبير عن ذاته؛ بما لا يضر في مصالح الآخَرين. وهذا النوع الثالث هو الذي نناقشه في هذا المقام، ولكن في الفضاء الحقوقي الإسلامي.

حقوق أصيلة

   لكل نسق قانوني خلفية تشريعية معينة، تقوم على أساس فلسفي في رؤية مصادر الحق، وأركانه، وطرق حمايته، والواجبات التي يفرضها، وبالتالي تضيق الإشكالية، وتتحدد، لتركز على الأساس الفلسفي للتشريع، أو حسب المصطلح المتخصص "فلسفة القانون". فلا بد لذلك التعارض المذكور أعلاه بين الفقه، وبين حقوق الإنسان العالمية أن يكون ذا أساس في فلسفة القانون والحق، التي قام عليها كل منهما. ولا بد كذلك أن ننوه بداية أن المقصود من حقوق الإنسان في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة 1948 هو "حقوق الإنسان الطبيعية"؛ بما يفرقها عن حقوق الإنسان عامةً؛ فحقوق الإنسان في الإعلان العالمي لا تمنحها سلطة، أو هيئة تشريعية ما، بل هي حقوق للإنسان؛ بما هو إنسان، وبمجرد ميلاده، الأمر الذي يحفظ هذه الحقوق من أن تستردها تلك السلطة، أو الهيئة، وتنزعها عن صاحبها.

فلسفة القانون

    فلسفة القانون مصطلح مستقر في الفلسفة الغربية، فهي البحث الفلسفي النقدي في معنى القانون، وأسسه، ومصادره، وطرق إنفاذه، وعلاقته بمفاهيم أخرى، وعلاقة نظرية القانون نفسها بنظريات أخرى في المجال الخُلُقي والسياسي. أما في المجال الإسلامي، وبالرغم من قيام فلاسفة المسلمين بتأسيس فروع محددة للفلسفة الإسلامية؛ كالإلهيات، والطبيعيات، والمنطق، والرياضيات، والفلسفة العملية بما تشمله من فلسفة للأخلاق والسياسية، فقد ظلت فلسفة القانون فرعًا غائبًا، أو شبه غائب على الأقل، كمبحث متبلور، بقدر تبلور المباحث السابقة المذكورة؛ والسبب في ذلك بسيط، هو أن فلسفة القانون قد تبلورت فعلاً لدى المسلمين، حتى قبل تبلور تلك المباحث الأخرى، بنحو قرنين من الزمان تقريبًا، ولكن تحت عنوان مختلف، هو، "علم أصول الفقه".

مباحث فلسفية

  بالفعل يمكن أن نُعد علم أصول الفقه فلسفة القانون الإسلامية. يبحث علم أصول الفقه أغلب مباحث فلسفة القانون المستقرة في الغرب، ولكن تحت عناوين مختلفة؛ وهذا طبيعي بسبب اختلاف الثقافة. على أن أهم فارق ربما بين المجالين هو الأساس المقدس للقانون عند المسلمين. وهذا الفارق هو ما يدفع البعض لاعتبار علم أصول الفقه كذلك علمًا مقدسًا، أو –على الأقل- علمًا دينيًا، يختلف عن الدرس الفلسفي النقدي، الذي تقوم عليه فلسفة القانون الغربية. وبالرغم من ذلك ففلاسفة القانون الغربيون أنفسهم قد يقولون بالعكس؛ فجون أوستن مثلاً، أحد أهم فلاسفة القانون الوضعي المحدثين، يعتبر القوانين الإلهية قوانينَ على الأصالة، بما يستتبع ألا يتم استبعاد البحث في التشريع الفقهي من دائرة فلسفة القانون. كما لا يمكن اعتبار علم أصول الفقه ذاته علماَ مقدساً؛ والسبب في ذلك كونه علماً بشري الصياغة والتكوين، يختلف في ذلك عن الأحكام الواردة في النصوص الإسلامية الأساسية. علم أصول الفقه هو علم وضعه علماء المسلمين لاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص، والوقائع، فيما لم يرد فيه نص صريح.

 

 

الأصل الفلسفي للحق

   يترتب على ذلك كله أن البحث في الأصل الفلسفي للحق، الذي هو أحد أهم مباحث فلسفة القانون، وأهم ما يتعلق بموضوع سياقنا هذا، لا مناص له من أن يدرِس طبيعة الحق؛ كمفهوم ونظرية، في علم أصول الفقه، إذا أردنا دراسة الموضوع عند المسلمين، متتبعين أساس تلك الأزمة المتصدرة في بداية المقال. فهل في علم أصول الفقه حق طبيعي؟ ومتى ظهر؟ ولماذا لم يستمر أو ينتشر إلى اليوم؟ وإذا كان مثل ذلك المفهوم حاضراً لدى المسلمين، فلماذا وجدنا ذلك التعارض بين الفقه وبين حقوق الإنسان العالمية؟

   نعم، لقد حضَرَ عند المسلمين مفهوم للحق الإنساني الطبيعي، في فترة مبكرة نسبيًا، هي أواخر القرن الرابع، وأوائل الخامس الهجري، وذلك في مؤلفات الأصولي الهامّ أبو زيد الدبوسي (ت 430 هـ)، وأهمها وأشهرها "تقويم الأدلة". ولكن لم يكتَب له الانتشار لأسباب سنأتي على ذكرها في موضعها. لم يستعمل الدبوسي بطبيعة الحال تعبير "حق الإنسان الطبيعي"، ذلك التعبير الحديث، بل أكّد على حقوق عقلية معينة، يدركها الإنسان بالسليقة، ويحوزها بطبيعته الإنسانية وحدها. كما لم يعتمد على هذه الحقوق وحدها لتأسيس النسق التشريعي، بل حاول أن يصنع نوعًا من التوازن بينها وبين الواجبات الدينية المنصوصة، وهو ما أنتج لديه في النهاية نسقاً تشريعياً إسلامياً، يسمح بالحق الإنساني الطبيعي، ويعترِف به.

حقوق أساسية

   تتضمن هذه النظرية حقوقًا أساسية لا غنى عنها، مثل: حق الحياة، وحق استمرار النسل، ودفع التلَف، واستمرار العائل، وحق التربية والتعليم، كما هو مثبت في "تقويم الأدلة". وهي كما نرى تتشابه مع بعض بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كالبندين 25 و 26. ولكن الأهم من ذلك التشابه هو الأساس الواحد للحق، وهو الطبيعة الإنسانية المشتركة. ولكن سرعان ما غابت هذه المحاولة الهامة، رغم تأسيسها النظري المسهب والصلب، في خضم الصراع الاعتزالي-الأشعري القديم، فراحت النظرية ضحية للأيديولوجيا.

    ومع ضياع الكثير من منجزات المعتزلة الفكرية في إطار الصراع سابق الذكر، ضاعت هذه الفرصة على المسلمين لتأسيس نسق تشريعي، يحتفظ للحقوق الإنسانية الطبيعية بمكان بارز، بل يعترف أصلاً بإمكانية وجود مثل هذه الحقوق بما هي طبيعية. ولكن المنحنَى قد ارتفع مرة أخرى مع صياغة نظرية المقاصد، الصياغة الأساسية المعتمدة حتى اليوم في علم أصول الفقه والدراسات الأصولية، على يد أبي إسحق اللخمي الشاطبي الغرناطي في القرن الثامن الهجري، وذلك في  "الموافقات في أصول الشريعة". فقد صاغ الشاطبي كما هو معروف مقاصدَ خمسة، واعتبرها أساس التشريع في الديانات الإبراهيمية عمومًا، وليس الإسلام فحسب، وهو ما يمكن أن يعد أساسًا للتسامح بين أصحاب هذه الديانات، كما سيلي تفصيله. وتلك المقاصد الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، في اعتبار الشاطبي، هي أساس الشريعة الإلهية، والهدف النهائي منها. بيد أن الشاطبي لم يعتبر –كالدبوسي- تلك المقاصد بمثابة حقوق إنسانية وطبيعية، بل قام باستقرائها من أحكام الشريعة بحسبه هو نفسه، ولم يقم باستنباطها من الطبيعة الإنسانية، والتجربة الاجتماعية، والعقل البشري. ولذلك فمهما كانت خطوة الشاطبي هامة في مجال أصول الفقه عمومًا، فهي أقل أهمية بكثير في مجال حقوق الإنسان الطبيعية بشكل خاص مقارنةً بمحاولة الدبوسي. 

 

 

محاولات ضائعة

   وفي القرن العشرين جاءت الارتفاعة الثالثة للمنحنَى بجهود محمد الطاهر بن عاشور (ت 1973 م)، الذي أقرّ بوجود المصدر الطبيعي للحق الإنساني في مؤلفه "مقاصد الشريعة الإسلامية". فالطبيعة الإنسانية المشتركة عند ابن عاشور "أحد مصادر الحق المعترَف بها". وبرغم ذلك فقد تم تجاهل هذه التفاصيل في نظريته للحقوق على نطاق واسع، وكما ضاعت محاولة الدبوسي في غمار المعركة الأيديولوجية القديمة بين المعتزلة والأشاعرة، فقد ضاعت محاولة ابن عاشور في ظل الانقسام العلماني – الإسلامي، حيث ظل العلماني ينادي بضرورة اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وظل الإسلامي على موقعه القديم المتوقف تقريبًا عند حدود القرن الخامس الهجري. وبالتالي نُظِرَ إلى محاولة ابن عاشور كمحاولة هجينة، تجمع ما لا يجتمع، من الطرفين.

صراع أيديولوجي

  هكذا كانت رهانات حقوق الإنسان في الإسلام، الضائعة في خضم الصراع الأيديولوجي، وفي اعتبار الحقوق مقاصدَ للشارع، لا للإنسان. ومع ذلك يمكن استبصار أن الفقه الإسلامي ليس متعارضًا بشكل جذري مع فلسفة حقوق الإنسان الطبيعية، بل هناك تيارات سائدة، هي التي تعارضت أيديولوجيًا مع هذه الفلسفة، وتيارات متنحية، حاولت اشتقاق حقوق الإنسان الطبيعية من العقل والاجتماع البشري. إذن فالمسألة ليست "تعارض الفقه الإسلامي مع حقوق الإنسان الطبيعية، أو توافقه معها"، بل "أي تيار وافقها، وأيها عارضَها؟"؛ فأصول الفقه الإسلامي تيارات مختلفة، ومتعارضة، ولا يمكن –بنظرة موضوعية- إجمال الفقه الإسلامي ككل في سؤال واحد.

 

 

إنماء وغرس

   هذه المحاولات الثلاث السابقة: الدبوسي، والشاطبي، وابن عاشور، تطرح مسألتين مرتبطتين في هذا السياق: إنماء هذه المحاولات حديثًا نحو حقوق الإنسان الطبيعية من جهة، وغرس أصول التسامح الديني من جهة أخرى. فابن عاشور، وإن كان قد أقر بحضور مبدأ الحق الطبيعي كأحد مصادر الحق عمومًا في "مقاصد الشريعة الإسلامية"، فإنه لم يحدده كمصدر من مصادر الحق في الشريعة الإسلامية، ولم يقم بتأصيله فقهيًا، ولهذا تحتاج محاولة ابن عاشور إلى محاولة الدبوسي، باعتبار أن الأخير قد قام بهذا التحديد، وذلك التأصيل، في "تقويم الأدلة"؛ لتكوين مدخلٍ عميق الجذور في أصول الفقه لفكرة حقوق الإنسان من ناحية أولى، والإقرار بها كمصدر للحق من ناحية ثانية.

الحق الإنساني المشترك

   يفيد الدبوسي أن العقل البشري لقادر من خلال التجربة الاجتماعية، والطبيعة الإنسانية، على التوصل إلى الحقوق الأساسية للإنسان عمومًا، وليس المسلم فقط، وهذا التعميم هو مربط الفرس؛ هو الذي يستنبط الحق الإنساني العام المشترَك، المشتَقّ من الفطرة الإنسانية، وليس حق المسلم فحسب. وهذه النقطة هي أساس التعارض بين حقوق الإنسان الطبيعية في الإعلان العالمي لسنة 1948، وبين الفقه الإسلامي التقليدي القديم؛ لأن حقوق الآدمي، التي استنبطها الأصوليون القدماء، تفرق بين حق المسلم وغير المسلم، في التيار الأصولي السائد، أما في التيار المتنحي – كالدبوسي مثلاً - فهي لا تقوم بذلك التمييز. ومن هنا يمكن استئناف هذه المحاولة القديمة، أي محاولة الدبوسي؛ لتأسيس نسق عدْلِيّ غير تمييزي، يتوافق مع فلسفة حقوق الإنسان الطبيعية، حديثًا.

أما مقاصد الشاطبي في "الموافقات في أصول الشريعة" فهي هامة –إن لم تكن أساسية- لتأصيل مبدأ التسامح فقهيًا؛ فقد حاول الشاطبي، كما سبق ذكره، استنباط مقاصد الشريعة باعتبارها مقاصدَ عامة للديانات الإبراهيمية: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وهو ما يعني اتفاق الديانات الثلاث على أهداف إنسانية عامة، تحفظ المصالح الأساسية الإنسانية. وعلى حد قوله فإن "مجموع الضروريات خمسة وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة". وقد يمكن تطوير هذه الفكرة لتشمل ديانات أخرى، تتفق مع الإسلام، والديانات الإبراهيمية عمومًا في المقاصد العامة منها؛ وذلك من تفسير عبارة الشاطبي "كل ملة" لتشمل جميع الملل، وليس الديانات الإبراهيمية فحسب. والتوافق على مقاصد أساسية في الديانات عمومًا يؤصل مبدأ التسامح بينها، باتحادها في الأهداف، وإن اختلفت الطرُق. فالحقّ واحد، والطرُق إليه قد تكون عديدة، متعارضة في الظاهر، ومتحدة نحو أملٍ واحد.

وهكذا فإن من الضروري تأصيل مبادئ حقوق الإنسان الطبيعية في الفقه الإسلامي، وليس مجرد النداء بها، والذي مهما امتدّ على السطح الأفقي، فسيظل مجرد نداءً سطحيًا غير ذي أصول، على المستوى الرأسي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية