مشوار التسامح الطويل .. من الأديان الى الفلسفات الاجتماعية

على مدار التاريخ، يأتي مسار مفهوم التسامح طويلاً ومتعرِّجاً، ويفهمه كل مجتمع انطلاقا من تجربته التاريخية والمعرفية المائزة؛ حسب حاجته أو عدم حاجته إليه. بيد أن ما يمكن أن نلاحظه، في هذا الصدد، هو أن مصبَّه النهائي، كان دائماً، اجتماعياً، وأن صيغته النهائية جاءت قانونية. فالتسامح على الرغم من منشئه الديني، يتحرّك اجتماعياً، ويتنفّس جماعياً، كما بيّنه فولتير، منذ نحو قرنين ونصف. لذلك من الطبيعي أن ترسو سفنه في مرفأ الفلسفات الاجتماعية.

     لقد تمكن إميل دوركهايم، بعد أن غاص عميقاً في تاريخ المعرفة البشرية، من تقديم نظرية متكاملة، حول تلك البدايات التي يحتاجها المفكر الجاد؛ لتأسيس تحاليله للظواهر الفرعيّة. قام بهذه العملية في كتاب صدر له عام 1912، كردٍّ على نظرية لوسيان ليفي- بروهل، صاحب مصطلح المجتمعات السفلى، ذات الوظائف الذهنية غير المنطقية؛ وهي نظرية طرحها هذا الأخير عام 1910.

     كان ليفي- بروهل يعيد تخلُّف المجتمعات غير الغربية، إلى ارتباطها الثابت بالتفكير الديني، الذي كان يعتبره تفكيراً خرافياً. ردّ دوركهايم؛ بقوة على هذا الإدعاء النظري، مبيّنا أنه يقوم على مغالطة فكرية مركزية.  فالفرضيّة التي طرحها دوركهايم في كتابه "أصول الحياة الدينية"، تقوم على أن الفلسفة والعلم الحديثين؛ قد انبثقا من الفكر الديني.

معرفة كونية

     يقول دوركهايم: إنه لمن المعلوم أن أول الأنظمة التصوّريّة للعالم وللإنسان هي من أصل ديني. فكل ديانة هي، في الوقت عينه، معرفة للكون، ورؤية لعالم الغيب. وإذا كانت الفلسفة والعلوم قد نشأت من الدين، فذلك لأن الدين قد شكّل أول فلسفة وأول علم.

     لا يضع دوركهايم فواصل بين هذه الميادين الثلاثة، بل يرى أن العمليّات الذهنية التي تسود الفلسفة والعلوم؛ لا تختلف جوهرياً عن تلك التي تسود التفكير الديني. وبالتالي، فلا صحّة في اعتبار أن المجتمعات الدينية البدئية، هي مجتمعات متخلِّفة؛ لكونها تبني تفكيرها على أسس الإيمان والدين. ففي نظره، قامت الخليّة الأم، المتمثلة بالدين، باستنبات خليّتين فرعيّتين، هما الفلسفة والعلوم، ناقلة إليهما خصائصها الذهنية الأساسية. ثم استقلّت منهجيا الفلسفة والعلوم عن الأديان، ولكن من دون أن يعني ذلك انفصالاً ذهنياً، بأي شكل من الأشكال. فالعناصر الثلاثة تبقى مرتبطة، مهما فعلت، بلحمة معرفية عميقة.

تشكيل الفكر البشري

    يقول دوركهايم: لم يكتف الدين بإغناء فكر الانسان المكوّن سابقا له، بعدد من الأفكار، بل عمل على تشكيل هذا الفكر. إن قسما مهما من معارف الانسان، بما في ذلك، الشكل الذي تبلورت فيه هذه المعارف، يعود فضله الى الدين. وتجدر الإشارة إلى أن عددا من المفاهيم الأساسية التي تهيمن على فكرنا، تغرس جذورها في الدين: كمفهوم الزمان والمكان، والنوع، والعدد، والسبب، والجوهر، والشخصية، إلخ.  فهي الأطر المتينة لتفكيرنا.

     لا يستهان لا بكمّية ولا بنوعيّة المفاهيم التأسيسيّة التي قدّمها الدين للفكر الانساني، حسب دوركهايم، وعليه فإن بنية معرفية واحدة، تضمّ جميع هذه التجلّيات.  قولب الدين التفكير البشري منذ فجر البشرية، وقدّم المفاهيم المجرّدة الأولى التي استخدمها لاحقا العقل البشري في جميع المجالات.

     ثم، بعد هذه المحاججة المتماسكة، يعمد دوركهايم إلى استخلاص نظري عام، مفاده أن الشأنين: الاجتماعي والديني، لا ينفصلان معرفيا عن بعضهما البعض، حيث يقول "إن الخلاصة العامة لكتابي هي أن الدين قضيّة جدّ اجتماعية، فالتصوّرات الدينية إنما هي تطوّرات جماعية تعبّر عن وقائع جماعية". وهنا يفتح الباب واسعا أمام تفاعل المفاهيم الدينية المنشأ، ومنها التسامح، مع الفلسفات ذات الطابع الاجتماعي.

الأديان ومفهوم التسامح

     لقد قدّمت الأديان، عبر مفهوم التسامح، قيمة مضافة نوعيّة للتفكير البشري. ميزة هذه القيمة الجديدة أنها من طبيعة روحية. فهي غير مرئية ومجرّدة، كما أنها – وهذا هو الأهم – لا تتعلّق بقوانين الطبيعة السائدة قبلها. فلا علاقة لها بشريعة الغاب، ولا بقانون العين بالعين أو السنّ بالسنّ. فالتسامح الذي أتت به الأديان، وبخاصة المسيحية والإسلام، مفهوم له بعد ثالث. ذلك أن جميع القوانين السائدة قبل ظهوره، كانت مشتقة من سنن الطبيعة، بشكل أو بآخر. وكانت تعتمد القوة سبيلا وحيدا لتحقيقها.

     وحده التسامح استطاع قلب الطاولة، والإتيان بمعنى جديد للقانون الاجتماعي الأنجع للبشر. حيث انطلق هذا المفهوم، ذو المنشأ الديني، من أفق روحاني مغاير لما كان سائدا قبله. بُنيت جميع القوانين الاجتماعية التي تبنّت سنن الطبيعة أفقا لها، من مفاهيم يعتبرها علم اجتماع المعرفة مفاهيم مربّعة، أي مفاهيم مادية، سطحيّة، وذات بعدين فقط: طولي وعرضي. أي مفاهيم تنتمي إلى الأرض ولصيقة بالطبيعة (الغاب، العين، السنّ).

     أما مفهوم التسامح فمن تكوين آخر، إذ إنه مفهوم مكعّب، من ثلاثة أبعاد: طول وعرض وارتفاع. ويأتي ارتفاعه، أي بعده الثالث، من كونه روحانيا. فهو مفهوم سماوي، لا أرضي.

تبنّي الفلسفة للتسامح

     شيشرون هو من الأوائل الذين قاربوا فكرة التسامح من منطلق فلسفة اجتماعية – سياسية. وقد بلغها من باب فكرة أساسية تتكرر في معظم كتاباته ووقفاته الخطابية الشهيرة، في مجلس الشعب الروماني، حيث كان يمثل كقاض، ومفادها أن إنسانيّة الإنسان إنما تنبع من مدى خدمته للآخرين.

     في ما يتعلّق بالتسامح لا بدّ ان نشير بداية إلى أن شيشرون كان سبّاقا إذ إنه، وقبل نصف قرن من الميلاد قال بالأمور الآتية:

     -أكّد على ضرورة وجود ديانة واحدة، تشمل جميع المواطنين في الدولة. 

     -اعتبر أن الديانة تنبع من القانون الطبيعي المجسّد لوجود كائن أسمى وأعلى.

     -اشترط أن تكون إدارة الشأن الديني تحت رعاية الدولة المدنيّة.

     في الفكرة الأولى يؤكد شيشرون على وجوب وجود ديانة عموميّة وكونيّة، تشمل جميع رعايا الامبراطورية الرومانية حيث التنوّع الكبير في المعتقدات. فيقول: "نحن الحقوقيّون الرومان، لا نشرّع فقط للشعب الروماني، بل نسنّ قوانين تأخذ بعين الاعتبار جميع الشعوب صاحبة الفضائل، وبخاصة الشهامة والإباء". فالدين الحقيقي لا يصحّ في نظره إلاّ عندما يرتدي سمة الكونيّة.

        استكمالا لطرحه، وفيما يخصّ التسامح بين الأديان، يتوصّل شيشرون إلى الخلاصة الآتية:

     هناك ضرورة، بالنسبة إلى أتباع الديانة الرومانية، للقبول ببعض مبادىء الإيمان (الأسرار) التي تعتمدها الديانة الإغريقية، "حيث أنها قد ساهمت في نقلنا، نحن الرومان، من طباعنا الشرسة إلى طباع أكثر هدوءا وإنسانيّة. ذلك إنه بفضل المؤسسة الدينية الإغريقية، قد تعلّمنا اعتماد الحياة الهنيّة. كما تعلّمنا منها أيضا السعي للعيش بسعادة وأيضا الموت بالرجاء"، حسب شيشرون.

     هكذا ربط شيشرون مسار التسامح الديني بمسار الفلسفة الاجتماعية منذ الأزمنة القديمة.

 

 

الظهور الصعب

     جاء مفهوم التسامح في الفلسفة الغربية متأخرا، وضمن عملية قيصرية فكرية وثيقة الارتباط بالحروب المذهبية الطويلة، التي شهدتها أوروبا، والتي أنهكت الأوروبيين خلال القرنين السابقين. إذ عاشت فرنسا ما يعرف بحرب الأربعين سنة، حيث تقاتل الفرنسيون الكاثوليك، بضراوة، مع الفرنسيين البروتستانت بين 1559 و1598. ثم تقاتل الألمان البروتستانت مع الكاثوليك الألمان، خلال حرب الثلاثين سنة، التي امتدّت من سنة 1618 حتى سنة 1648. مع الإشارة الى ان هذه الحروب، إضافة إلى الدمار الهائل الذي أحدثته، قد خلّفت انقساما عموديا في المجتمعات الأوروبية كافة، التي توهّجت فيها بعد ذاك العصبيّات والتعصّبات، وأوجدت لنفسها تبريرات سياسية واجتماعية تحت ستار الدين.

     ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني، أولا، أن الناس لا يستنبتون المفاهيم إلا عندما يحتاجون إليها، في حياتهم اليومية والعملية. والأهم من كل ذلك، إنهم لا يقومون بهذه العملية، إلا عندما يجدون لأنفسهم مصلحة في ذلك. فعلى رغم أن الفيلسوف الفرنسي اراسم، صاحب أول استخدام لهذا المصطلح باللغات الغربية، كان أسقفا دينيا وحامل شهادة عليا في اللاهوت الكنسي، لم يلجأ مثلا للتسامح في سياقه الديني أو الإنساني للتفكير بمسائل الحروب الصليبية التي كانت لا تزال إرهاصاتها حيّة في الأذهان في زمنه. بل إنه اكتفى باستثمار هذا المفهوم في مجالات الإدراك الحسّي والفلسفة الطبيعية.

    يعني ثانيا أن فلاسفة الأنوار الذين استخدموا بقوّة هذا المفهوم، لم يكونوا طوباويين، بل عاشوا في زمنهم والتزموا بمعاناة أهل عصرهم وتفاعلوا معها تفاعلا اجتماعيا حقيقيا، ناحتين مفاهيمهم على ضوء الواقع. دخلوا بأنوار العقل، ومن دون تحفّظات أيديولوجية في صلب مشكلة إنسانية كبرى، هي عدم التسامح، معتبرين أنها تقع في صدارة المشكلات الفلسفية - الاجتماعية الراهنة، وقاوموها ببديلها الفكري: التسامح.

 

خطاب التسامح لدى روسّو وفولتير

     بني خطاب التسامح في سياق حركة فكريّة عارمة عاشها القرن الثامن عشر الأوروبي، وقادها فيلسوفان كبيران هما جان- جاك روسّو وفولتير.

وقد شاركت في هذه الحركة التنويرية الفذّة كوكبة من الفلاسفة والمفكّرين والعلماء، من كل أنحاء أوروبا، انضووا تحت لواء "الانسيكلوبيديا الفرنسية" كمشروع تنويري كبير. تميّز الثنائي الفلسفي روسّو – فولتير بأنه توافق على نقطة أساسية، هي فكرة التسامح، فيما اختلفا على بعض الأفكار الأخرى، كالملكيّة والفنون مثلا. يبقى إن مفهوم التسامح كان له موقع العنصر الثابت في كل ما كتبوه.

     مع فولتير اتخذ التفكير الفلسفي في أمور التسامح منحى أعمق وأشمل مما جاء عليه عند روسّو. حيث أن فولتير كان مناضلا حقيقيا في مسألة التسامح التي لم يكتف بالتنظير حولها، بل جعلها قضيّة قائمة بذاتها. فالكتاب الاول المخصص لهذا الموضوع عالميا جاء من تأليفه، وصدر عام 1763 تحت عنوان "بحث في التسامح".

     نشير بداية إلى أن فولتير الشاب، كان قد سجن مرّتين في قلعة الباستيل بأمر ملكي بسبب الأفكار غير التقليدية التي كان يجاهر بها، كما أنه اضطر غير مرّة للجوء الى بلدان مجاورة هربا من الملاحقة السياسية.

     كتابه في التسامح مبني في الواقع على تنديد فلسفي مفصّل بعدم التسامح والتعصّب والعصبيّة السائدين في أوروبا قاطبة في زمنه. فهو يستنتج نظرية التسامح الخاصة به من الوقائع الميدانية لعدم التسامح الديني والمذهبي والسياسي والقانوني المنتشرة بقوّة في المجتمعات الأوروبية.

 

 

 

 

   وئام التسامح

  ينطلق في كتابه من فكرة ان التعصّب الديني يمنع البشر من العيش بوئام، مستشهدا بقضية تابعها شخصيا، هي قضية أسرة كالاس. كانت هذه الأسرة البروتستانتية الكالفينية تعيش في مدينة تولوز في جنوب فرنسا، وذات يوم انتحر ابنها البكر شنقا؛ لأسباب مجهولة. إلاّ ان الرأي العام السائد في المدينة، وذا المشرب الكاثوليكي، سارع إلى اتهام الأب بشنق ابنه تحت حجّة، أن هذا الأخير كان ينوي الانتقال إلى المذهب الكاثوليكي. وقد حوكم الأب بناء على هذه الشائعة، وسجن استعدادا لإعدامه.

     من هنا كتب فولتير في كتابه هذه العبارة الشهيرة (التي سوف يرددها غاندي بعد حوالي قرنين): "إن عدم التسامح يعمي قلب الجاني كما قلب الضحيّة"، للإشارة الى الحالة الوجودية والاجتماعية التي تؤدي إليها مناخات عدم التسامح.

     كما أنه يشير في كتابه إلى أن "علينا جميعا التعامل بتسامح، وبكل تواضع، مع معتقدات البشر الآخرين الذين هم مقتنعون، مثلنا تماما، بأنهم يمتلكون حصراً الحقيقة". ولم يفقد بالطبع اليوم هذا الكلام أي شيء من قوّته.    

تشريع التسامح

     هكذا انتقلنا، رويدا رويدا، من مفهوم للتسامح على قاعدة القانون الطبيعي، مع شيشرون، الى التسامح الديني، ثم المذهبي الإشكالي، فالتسامح الفلسفي الاجتماعي في عصر الأنوار، الى القوانين الوضعيّة مع الثورة الفرنسية. حيث نصّ إعلان شرعة حقوق الانسان والمواطن، في مادته العاشرة، على حق كل مواطن باحترام معتقده وآرائه، أيا كان هذا المعتقد وأيا كانت هذه الآراء، في إطار مبدأ الحرّية المقدّس.

     عندها تمّ التخلّي عن المبدأ العرفي الذي كان سائدا منذ الأزمنة القديمة، والقائل بأن على الرعايا أن يكونوا على دين ملوكهم.

     غير أن مفهوم التسامح لم يظهر حرفيا في شرعة حقوق الإنسان والمواطن، التي تمخّضت عنها الثورة الفرنسية عام 1789 لكون الثوّار اعتقدوا أن مبادىء الحرية والعدالة والأخوّة، تتضمّن معنى مفهوم التسامح، روحا وقانونا.

     في المقابل نجد هذا المفهوم حرفيا، وبالمعنى الذي أعطاه إيّاه فولتير، في شرعة حقوق الإنسان، التي أعلنتها منظمة الأمم المتحدة عام 1948. حيث إن هذه الشرعة، بعد تأكيدها في مادتها الأولى على مبادىء الحرية والعدالة والمساواة، تشير في مادتها السادسة والعشرين إلى أن من متوجّبات التربية "أن تشجّع على التسامح بين جميع الأمم والجماعات العرقية أو الدينية".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية