التسامح جوهره القبول والانفتاح على الآخر واحترام الاختلاف ونبذ العنف

التسامح هو أسمى القيم الإنسانية؛ فهو قيمة أخلاقية نقيضة للتعصب، وقيمة دينية مرتبطة بمفهومي "الإخاء" و"المحبة"، وقيمة سياسية تَقبَل بالاختلاف، وقيمة حقوقية تدعو لعدم التمييز وتُحَدّد الحقوق والواجبات في إطار المواطنة، وقيمة اجتماعية تعني التعايش مع الآخرين بسلام، وتَقَبُّل أفكارهم وآرائهم وممارساتهم؛ حتى لو كانت عكس ما تؤمن به.

     من هنا نستنتج بأنَّ التسامح هو فضيلةٌ تُعَبِّر عن الانفتاح، وتحترم الاختلاف مع الآخرين، وتُرَكِّز على القواسم المشتركة، وتَبُثُّ روح الإيجابية في المجتمعات من خلال نبذ العنف، وتسعى إلى تحقيق السلام والحفاظ على حقوق الإنسان، فمِن حق أيّ جماعة ممارسة ثقافتها بِحُرّيَة. ما يعني أن الحرية الثقافية في جوهرها تستند على مبدأ التسامح. وفي هذا الإطار يرى الفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز بأنَّ التسامح هو "الفضيلة الصعبة"، أي أنَّ التسامح ضروري وصعب؛ بنفس الوقت؛ لدى الجماعات التي تختلف أو تتناقض مع بعضها البعض في المُعتقدات الأخلاقية والسياسية والدينية، إلا أنّه في النهاية لا بديل عن التسامح لأنسنة هذا الاختلاف؛ كي لا يتحول إلى خلاف يؤدي إلى إحباط وعدوانية وتعصُّب، فتكون نتيجته على أرض الواقع معاناة وعنف وصراعات وحروب.

التسامح بنظرة أممية:

بمناسبة العيد الخمسين لليونسكو في 16 أكتوبر من العام 1995، أعلنت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة مجموعة "مبادئ بشأن التسامح" لإنقاذ "الأجيال المقبلة من ويلات الحرب"، إيماناً منها "بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره" للعيش "في سلام وحسن جوار"؛ وقد أكَّدت هذه المبادىء على ضرورة "التضامن الفكري والمعنوي بين بني البشر" والحق لكل شخص "في حرية التفكير والضمير والدين والتعبير عن الرأي"، وأنَّ التربية وحدها هي الكفيلة في "تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين الشعوب والجماعات العنصرية (الإثنية) والدينية". والتسامح، وفق النظرة الأممية، لا يعني التنازل أو التساهل بل هو موقف إيجابي يعترف بحقوق الإنسان العالمية وبالحريات الأساسية للآخرين؛ وبما أنَّ البشر متنوعون بطبيعتهم (المظهر، اللغة، السلوك، القيم، المعتقد..) فلهم الحق في العيش بسلام؛ فوحده التسامح قادر على ضمان بقاء المجتمعات المختلطة في كل منطقة من العالم.

الانفتاح على التنوع

    لقد ركَّز الإعلان على عدد من المفاهيم التي تتقاطع مع مفهوم "التسامح" كالحقوق والحريات، وذلك من زاوية التنوع الثقافي والعيش المشترك وضرورة التواصل مع الآخر، أي الانفتاح على التنوع؛ كما أنَّه أعطى للسلطة الشرعية (الدولة) تكليفاً بـ"ضمان العدل وعدم التحيُّز في التشريعات، وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية"، والمُسارعة في "المُصادقة على الاتفاقيات الدولية القائمة بشأن حقوق الإنسان"، و"صوغ تشريعات جديدة لضمان المساواة في المعاملة وتكافؤ الفرص". وفي الخلاصة، نرى أنَّ الربط بين مفهومي التسامح والتنوع الثقافي لم يأتِ من فراغ، بل جاء استجابة لمتطلبات العولمة التي حوَّلت العالم إلى قرية صغيرة بفعل ثورة الإتصال والتكنولوجيا والتطورات المُصاحبة لها (إنترنت، سرعة التنقل والاتصال، الهجرة...) والتي أدت بدورها إلى زيادة التفاعل والتواصل بين البشر، لذلك أصبح "التسامح أمر جوهري في العالم الحديث" بسبب التغييرات الجذرية في الأنماط الاجتماعية التي طرأت علينا كبشر. لذلك يكون الحوار (المشروط بوجود الآخر) هدفاً لتحقيق التسامح، وهذا ما عبَّر عنه كلود ليفي شتراوس، حينما اعتبر "أنَّ لا حوار بدون اختلاف، ولا اختلاف بدون هُويَّة، ولا هُويَّة إلا بالوعي بين "الأنا" و"الآخر".

التنوع الثقافي مرآة للتسامح في وجه التعصب:

    إنَّ الطبيعة البشرية تُحتِّم وجود الاختلاف؛ لكونه من مقتضيات العقل ومن ضرورات الاجتماع، والتنوع الثقافي هو مرآة للتسامح في أي مجتمع إذا ما أُحسِنَت إدارته. وهناك حاجة ماسة لإدارة الاختلاف والحؤول دون تحوله إلى خلاف ونزاع وزرع للأحقاد. وذلك بغرض تعميم مفهوم "التسامح".

   لمصطلح "التنوع" دلالات تشير إلى التكامل والتفاعل والغنى المُخَصِّب للهُويَّة، بعكس مصطلح "التعدد" الذي يتم تسويقه حالياً كمصطلح مرادف للتنوع، بحيث تتمحور دلالاته حول سلبية تُشير إلى النقض، والهدم، ونفي للآخر، والانقسام إلى ولاءات عديدة ضيقة (عصبيات "قَبَلِيَّة" و"مذهبية") على حساب الولاء الأكبر المشترك وهو "الوطن" ودولة المواطنة. وهنا نطرح عدداً من الأسئلة المشروعة: لماذا تحول هذا "التنوع" الذي كانت تعيشه نسبياً مجتمعاتنا العربية إلى "تعدد" أحادي مغلق؟ ولماذا تمترست الهويات الأحادية المغلقة خلف متاريس العنف والتعصب؟ وهل نحن ضحية مؤامرات خارجية أم صراعات داخلية؟ وهل الأمية والفقر والتبعية والتهميش سبباً أم نتيجة للأزمات التي يعيشها الفرد العربي؟

     لقد تعددت النظريات والتحليلات لهذه القضايا التي وضعت منذ زمن تحت مِجهر البحث من قبل المفكرين والباحثين العرب، فبعضهم اعتبرها بأنَّها أزمة داخلية مرتبطة بـ"أزمة العقل العربي"، وآخرون بأنَّها امتداد لأزمات تعود لفترات تاريخية ماضية، مُستَندين إلى "نظرية المؤامرة" التي صاغها "الآخر" من الخارج عن طريق إزكائه لنار الفتنة، وتركيزه على مفاهيم "الأغلبية والأكثرية" و"التعددية الثقافية" و"حقوق الأقليات" الإثنية والدينية، وتَدخُّله في شؤون الدول بحجة مكافحة الإرهاب. ولكن بعيداً عن مدى صوابية كلا التحليلين فأنَّه لا يمكننا إنكار تَغَوُّل ثقافة الفكر التطَرُّفي "التكفيري" البعيد عن ثقافة التسامح، ناهيك عن التلازم لمقولات التفوق العرقي والتميُّز الحضاري التي روَّج لها مفكرون غربيون أمثال "هنتنغتون" في كتابه "صراع الحضارات" الذي صنَّف فيه الحضارة الإسلامية بالحضارة "المتحدية" للغرب كونها ترفض الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وألبس الإسلام لباس العنف. وهنا تظهر أزمتنا جليَّة على المستويات كافة (الاقتصادية، والسياسية، والثقافية والاجتماعية...)، ويضعنا كعرب أمام أزمة هُويَّة جوهرها اللغة والدين؛ أمَّا اللغة وبفعل العولمة فهي تتعرض كغيرها من اللغات في العالم للتهميش وخطر التجميد لأننا دخلنا إلى عصر الثورة التكنولوجية كناقلين لا فاعلين، وأمَّا الإسلام الذي يدين به معظم العرب، فهو يُزوَّر من خلال مُمارسات وسلوكيات بعيدة عن جوهر الدين وروحية الحداثة، فَيُرَوَّج له وكأنّه مصدراً من مصادر العنف والتعصب والقتل، بدلاً من كونه حاضناً للقيم الإنسانية السامية، وفي مقدمتها التسامح.

التسامح في القرآن الكريم:

    لقد تحوَّل التنوع الثقافي في منطقتنا العربية من ثروة ونعمة إلى نقمة، فهذه المنطقة التي كانت عبر التاريخ مهداً للحضارات وحاضناً للأديان السماوية (الإسلام، المسيحية، اليهودية) تحَوَّلت إلى منطقة يسود فيها العنف والتعصب والكراهية، لذلك كان من الضرورة والواجب العمل على إضاءة مِشعل "التسامح" كقيمة أخلاقية سامية لتطغى نوراً على ظلامية قوى الشر والتعصب والعنف، فكانت الرؤية الإماراتية برفع شِعار التسامح ومحاولة تعميمه انطلاقاً من مجتمعها وصولاً إلى المجتمعات البشرية. ولكن هل من إمكانية عملانيَّة لذلك؟ لا شك بأنَّ الوعي بخطورة الأزمة والإرادة بأهمية الخروج من نفق التعصب، تُشكلان بداية الحل؛ فبالعودة إلى المشتركات الإنسانية والقيم الأخلاقية وفي مقدمتها التسامح كقيمة سامية، نخطو الخطوة الأولى نحو القضاء على ظاهرة التطرّف والعنف.

والديانات السماوية تزخر بقيم مكارم الأخلاق، والإسلام كدين للأغلبية الساحقة من العرب هو بمدلوله رسالة محبة وسلام للعالمين، فالله " رَبِّ الْعَالَمِينَ" تكرَّر ذكرها في القرآن الكريم 25 مرة في سور مختلفة، أي أنَّ الإسلام ليس ديناً أحادياً جامداً، بل هو دين عام وشامل ومنفتح على "العالمين"، "وَاللَّهُ يَدْعُو إِلى دارِ السَّلامِ" (يونس 25)، هذا السلام المبني على العدل والمساواة والحرية للجميع، ونشر الأمن والطمأنينة، والقضاء على الخوف والقلق، والإسلام أيضاً أكَّد على تنوع البشر واختلافهم في اللون والجنس والعرق، وحَثَّهُم على التعارف والتواصل من خلال الحوار كمبدأ من مبادىء التسامح: "كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ..." (سورة البقرة 212)، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود 118)، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات 13)، فبتحليلنا لهذه الآية العظيمة نرى بأنَّها تتدرج تدرجاً من البُعد الإنساني العام وصولاً إلى الفردي الخاص، فـالله خلقنا "مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ" (الهُويَّة الإنسانية) وهي مقاربة تدل على أنَّ التنوع الجندري هو أساس الوجود البشري الإنساني، كما تؤكد على ميزان المساواة والعدالة بين الجنسين، مع الخصوصية لكل جنس دون طغيان أي منهما على الآخر، هو تنوع يؤدي إلى التكامل لا التناقض، وبتعبير آخر لا تكتمل اللوحة دون جمع الصورتين؛ وتَتَتابع جمالية الآية بـ"جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا" (الهُويَّة الثقافية) و"قبائل" (الهُويَّة الاجتماعية)، "لتعارفوا" (الهوية الشخصية) أي المعرفة والتواصل والحوار مع الآخر حيث الخطاب القرآني يخاطب الإنسان بصفته التكليفية، فقد جعلنا الله شعوباً وقبائل لنتعارف، والتعارف هو أساس الهُويَّة، التي لا يمكن أن تتحقق دون مقارنة "الأنا" بـ"الآخر".

 

مضمون التسامح

لقد أشار القرآن الكريم إلى مفهوم "التسامح" كمضمون من خلال آيات كثيرة أمر الله فيها الناس أن يتمسكوا بها مثل: الصفح، العفو، التجاوز، والهجر الجميل...، إنَّ كل هذه المعاني وسواها، تدل دلالة واضحة على التسامح، والسير على مبدأ العفو والصفح، والترغيب والمحبة والتآخي، وعدم إشاعة النعرات الجاهلية التي دائماً ما تُفضي إلى الاقتتال والاحتراب، وزرع الفتنة وإشاعة ثقافة الموت في المجتمع. فجوهر التسامح هو ما يقدمه الإنسان إلى أخيه في الإنسانية، بدءاً من الأسرة مروراً بالدائرة المحيطة به في مجتمعه وصولاً إلى المجتمع الإنساني برمَّته. وهنا نستعرض صوراً لعدد من الآيات القرآنية التي تختصر هذا المشهد:

- على المستوى الأسري:

التسامح مع الوالدين: "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ- وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ". (لقمان 14، 15)

التسامح مع الزوج أو الزوجة، والأولاد وعدم التحامل عليهم ولو بدر منهم ما يُسيء إليك: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (التغابن 14).

- على المستوى المجتمعي:

التسامح بتجاهل المنافق: "أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا" (النساء 62). "وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا" (النساء، 80).

التسامح بالإعراض عن الجاهلين: "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" (الأعراف، 199).

التسامح بالمنع من سب الأصنام والأوثان: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام، 108).

التسامح من خلال عدم الإكراه باعتناق الإسلام، أو الإلزام بضرورة الإيمان بفكرة من الأفكار، أو بقضية من القضايا العقائدية: فـ"لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى" (البقرة 256)، "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" (الكافرون 6)، وهذا المبدأ من أعظم المبادئ الواضحة على التسامح ونبد العنف، وعدم استعمال القوة مع الآخر، في إجباره على اعتناق الإسلام.

التسامح بديل العصبية المقيتة:

إنَّ انتهاج مبدأ التسامح يُشكّل خطوة أساس في محاربة التطرف، فالتسامح هو "الدواء" الفعال للقضاء على "سرطان" العصبية الطائفية-المذهبية المُناقضة للشرائع السماوية، فللدين طبيعة تختلف عن طبيعة العصبية، وهذا ما أشار إليه العلاّمة ابن خلدون بأنَّ "الصبغة الدينية تُذهب بالتنافس والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة للحق"، فهاتين العاهتين الاجتماعيتين موجودتين في العصبية، فيما الرسالة الدينية تذهب أبعد من السقوف المادية للعصبية إلى مجتمع جديد يتخطى فيه الفرد نفسه وغرائزه حيث تفرض نفسها بديلاً عن العصبية المغلقة المقيتة. وإذا نظرنا إلى الإسلام باعتباره آخر الأديان السماوية نرى بأنَّه أعطى العرب عقيدة، ورفض العصبية والأعراف القَبَليَّة، وأحلَّ وِحدة العبادة مكان التعدد والبعثرة، ووحَّد العرب لأول مرة في التاريخ. هذا التوحيد كما يراه محمد عابد الجابري شمل الديني (وحدانية الله)، والسياسي (الولاء للأمة بدل الولاء للقبيلة)، والاجتماعي (العدل بدل العرف)، وأفرزَ حالة من التزاوج بين مفهومي القومية والأممية، إذ "لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى"، ولا فرق بين المهاجرين والأنصار واليهود فَهُم جميعاً أمة واحدة، متضامنون متعاونون ضد أي اعتداء خارجي ،"صحيفة المدينة"، وهي صيغة ميثاقية تُشكّل قمة التسامح. وفي كتابه "صدام العصبيات العربية" يرى فردريك معتوق ضرورة "محو العصبية قبل محو الأميّة"؛ للدلالة على خطورة العصبية كمرض عُضال ينتشر في المجتمعات العربية، وبأنَّه لا حلَّ لأي أزمة إلا باستئصال هذا المرض، واضعاً قائمة من العلاجات بينها، إعادة النظر بمفهومي التربية والتعليم القائمين حالياً ليتناسبا مع قيم الحرية والعدالة والمساواة والتسامح  في إطار دولة المواطنة الحديثة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية