من السّلم إلى السّلام .. قراءة اجتماعيّة نفسيّة

  أحياناً، يجري الربط بين الألفاظ؛ بطريقة اعتباطية، تساهم بتكوين نمطيات ذهنية لا واعية، لا يقتصر ضررها على تشويه الدلالة أو ضياع المعنى، كما يحصل في الخلط بين لفظتي السّلم والسّلام، وإنما يتجاوز ذلك إلى ما يمكن أن نسميه عطب الشخصية؛ بالمعنى الإنساني. ذلك لأن النمطيات الذهنية تؤسس للدوغمائيات القاتلة، التي تقوم على الإقصاء والإلغاء، وتشرعن العنف. 

    يقوم هذا المقال على افتراض وجود خلط لغويّ مفهوميّ، بين كلمتي السّلم والسّلام، حيث يذهب البعض إلى اعتبارهما كلمتين مترادفتين. وإنّنا خلافا لهؤلاء، نعتبر أنّ السّلم والسّلام مفردتان، تحيل كلّ واحدة منهما على معنى مختلف؛ رغم اشتراكهما في الجذر الواحد (س،ل،م).

اختلاف دلالي

   أمَّا السَّلم، فيدخل ضمن زوج تقابليّ مع الحرب؛ بضروبها، والعنف؛ بصنوفه. وفي هذا يقول الله تعالى: وإن جنحوا للسِّلم فاجنح لها. (الأنفال8، 61). وهذه الآية مقابلة للآية السّابقة لها، التي تحيل على الحرب: وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوَّ الله وعدوّكم... (الأنفال8، 60). وإذا كان السَّلم يستدعي مقابله الحرب، فإنَّ السَّلام ليس له مقابل. السّلام هو من أسماء الله الحسنى، هو متَّصل بالواحد الأحد من منظور الصِّفات الرَّبَّانيَّة. أمَّا دلاليَّا، فالسَّلام هو اطمئنان روحيٌّ عميقٌ، وسكينة نفسيَّة جوَّانيَّة، يعسر أن تمثِّلها اللُّغة.

  ومع ذلك، فإنَّ اختلاف السِّلم عن السَّلام، لا يعني عدم وجود علاقة دلاليّة وإجرائيّة بينهما. وإنَّنا في هذا المقال نفترض أنَّ السّلام النّفسيَّ العميق، هو السّبيل إلى السِّلم (فرديّاً أو جماعيّاً)، وبعبارة أخرى، فإنّنا نذهب إلى أنّه لا يمكن تحقيق السِّلم فعليّا في العالم؛ ما لم يتحقّق السَّلام نفسيّا في قلوب البشر.

قراءة منقوصة

  وقد لاحظنا في العشريّات الأخيرة، وفي جلِّ البلدان العربيَّة، انتشاراً لثقافة العنف وطغياناً لها، يظهر في العلاقات اليوميِّة، ويتجسَّم لغةً وسلوكاً، كلاماً وفعلاً. ويسهل طبعاً البحث عن تبريرات خارجيّة لهذا الوضع، فيمكن الارتياح إلى نظريّة المؤامرة، وإلى فكرة أنّ "الآخر" ينشد تدمير قيمنا وأخلاقنا. لكنَّ هذه القراءة سريعة ومنقوصة، تشجّع على التّواكل، وإلقاء المسؤوليّة على الغير. وإنّنا خلافاً لذلك، نريد أن ننظر في أنفسنا نظرة تقييميّة نقديّة. نريد أن نفترض أنَّ مجتمعاتنا هي أيضا مسؤولة عن انتشار العنف فيها. إنّنا نودّ أن نأخذ مشرط الفكر محاولين الإجابة عن الأسئلة التّالية: كيف تساهم تربيتنا في إنشاء شخصيّة جماعيّة عنيفة؟ كيف تساهم مجتمعاتنا في ضمور قيم التّسامح لدى النّاشئة خصوصا؟ وهل من سبيل إلى الخروج من ثقافة العنف والكره، إلى ثقافة التّسامح والمحبّة؟

 

 

الاحتفاء بالجماعيّ: الآخر ليس مثلي

    نتربّى عادة على الاحتفاء بالجماعة (جماعتنا طبعاً)، فتنتصب الأنا أو "النّحن" في مقابل الآخر أو الـ"هم". هذا "النّحن" قد يكون ثقافيّاً، "نحن" العرب وهم "الغرب"، وقد يكون دينيَّا، "نحن" المسلمين و"هم" غير المسلمين، وقد يكون مذهبيَّا، "نحن" السّنة و"هم" الشّيعة أو العكس. وقد يكون "النّحن" سياسيّا، "نحن" السّلطة، والآخر، هو المعارض أو العكس.

  مبدئيّا نقرّ أن لا إشكال في الشّعور بالانتماء إلى هُويّة مّا. إنّ المشكل ليس في الانتماء إلى المجموعة في ذاته، وإنّما المشكل يبدأ، عندما نعتقد أنّ "النّحن" على صواب، وأنّ الآخر على خطأ. وفي تصوّر أنَّ الجماعة التي أنتمي إليها، تمثّل الحقيقة، وتحتكر صورة نموذجيّة لما يجب أن يكون. وهذا ليس بغريب على شعوب تقوم ثقافتها على الإجماع. إنَّ كلَّ من يخرج عن التَّمثُّل السّائد والاعتقاد الشّائع، يُفرد إفراد البعير المعبَّد، كما قال الشّاعر طرفة بن العبد في معلّقته الشّهيرة:

إلى أن تحامتني العشيرة كلّها     وأفردت إفراد البعير المعبّد.

 واللَّطيف أنَّ إعلاء شأن المجموعة؛ قد يبدِّل ماهية الدّيموقراطيّة نفسها في بعض مجتمعاتنا. فتتحوّل من حكم للأغلبيّة، ينشد حماية الأقلّية، إلى دكتاتوريّة للأغلبيّة. وكثيرة هي المجتمعات العربيّة الّتي تحمل؛ بدرجات متنوَّعة، إقصاء وعنفاً تجاه الأقلّيات؛ مهما يكن نوعها.

 

المقارنة: الآخر أفضل (أسوأ) مني

    أسلفنا الإشارة إلى الاحتفاء بالجماعي، في مقابل استهجان الآخر، الخارج عن الجماعة، أو المختلف عن السَّائد. ونضيف أنّنا قد نجد داخل الجماعة نفسها، توتُّراً في العلاقات؛ لأنّها علاقات تقوم عادة على المقارنة بين الأفراد، وتقرُّ بتفضيل أحدهم على الآخر. هذا قد يظهر داخل الأسرة، حيث يقارن بعض أفراد الأسرة الأطفال بعضهم ببعض، فقد يقارنون ابنا متوسط الذكاء؛ بأحد اقربائه أذكى منه، أو يقارنون بنتاً "مقبولة الجمال"؛ بابنة عمّها "الفاتنة". وقد تكون المقارنة داخل المدرسة بين التَّلاميذ، حيث يُعدُّ أحدهم "فاشلاً" والثّاني "ناجحاً". وقد تكون المقارنة بين المهن؛ باعتبار إحدى المهن راقية والثّانية مُحتقَرة.

    إنَّ هذا الضَّرب من المقارنة منتشر، منطلقه، سلّميّة موهومة بين النّاس، وتراتبيّة مفترضة في أدوارهم. وهذه المقارنة خطرة نتائجها؛ لأنّها تؤدّي إلى إحساس كامن بالنّقص، وإلى شوق إلى الاعتراف؛ قد يتجسَّمان عنفاً تجاه الغير.

 

الصِّراع والعنف

  إنّ الاحتفاء بالجماعي من جهة، والمقارنة بين الأفراد داخل المجموعة؛ بتمييز بعضهم على بعض من جهة أخرى، يؤثِّران في اللا وعْي الجمعيِّ؛ بالمفهوم اليونغيّ للمصطلح. فيتشكَّل بذلك مخيالٌ جماعيٌّ، قوامه ثلاثة عناصر، أوَّلا أنَّ الآخر يجب أن يكون مثيلاً لي، وثانياً أنَّ الآخر قد يكون أفضل منّي، وثالثاً أنَّ الآخر قد يكون أسوأ منّي. وعن الحالات الثّلاث ينتج بين الأنا والآخر صراع.

   فلكي يكون الغير مثيلاً لي، لا بدَّ من الالتجاء إلى الصِّراع والعنف؛ لتغييره، ولا مانع حينها من أن أفرض عليه الالتزام؛ بنمط حياة لا يرغب فيه، ولا مانع من أن أسقط عليه تمثّلاً للعالم لا يؤمن به. المهمّ أن لا أرى صورة أخرى تذكِّرني بإمكان مختلف عنِّي. المهمُّ أن ينصهر الغير فيَّ؛ بكلِّ أساليب الانصهار الممكنة.

  وإذا كان الآخر أفضل منّي فهو يذكّرني بنقصي، لذا وجب أن يختفي هو، أو أن يضمحلَّ الاعتراف به، ولا يكون ذلك إلا عبر الصِّراع والعنف، يكون ذلك باغتياب الآخر، أو بتسقُّط هفواته، أو بالاعتداء عليه مجازيَّا ومادياً.

   وإذا كان الآخر أسوء منّي، فهو أيضاً يزعجني؛ لأنّه غير مطابق للنّموذج "الأرقى" المفترض، وهنا أيضا لا بدَّ من اللجوء إلى الصّراع والعنف، اللذين يتجسّمان عبر الاحتقار والازدراء.

 

الإقصاء الرمزي والخيالي

   إنَّ العنف تجاه الآخر، يتجسَّم وفق ثلاثة مستويات، يجمع بينها في كلِّ الأحوال الإقصاءُ؛ بصفته أبرز أشكال العنف. ويتلوَّن الإقصاء رمزيَّا وخياليَّا وواقعيَّا؛ وفق التَّلوينات النَّفسيَّة الثَّلاثة للبشر (يمكن تناول اللاّوعي البشريّ من منظورات ثلاثة، هي الرّمزيّ والخياليّ والواقعيّ. فأمّا الرَّمزيُّ فيحيلُ على العلاقة بالأب، وهو متّصل بكلّ ضروب التّرميز، وعلى رأسها اللُّغة والقانون، وأمَّا الخياليُّ فيحيل على العلاقة بالأمِّ، وهو متَّصل بكلِّ ضروب الخيال الذِّهنيّ والانفعالات النَّفسيَّة. وأمَّا الواقعيُّ فيشير إلى ما لا يمكن ترميزه؛ بأيِّ شكلٍ من الأشكال). فأمَّا الإقصاء الرمزيُّ، فيكون من خلال فرض علامات مخصوصة على المُقصى. يكون ذلك بتمييزه عبر اللِّباس، أو التَّسمية اللُّغويّة، أو أيِّ ضرب من ضروب السِّمات الظَّاهرة. الأمثلة على ذلك كثيرة أقربها ما قام به النَّازيُّون تجاه اليهود؛ بإجبارهم على ارتداء النِّجمة الصَّفراء على ثيابهم، أثناء الحرب العالميِّة الثَّانية، ومن ضروب الإقصاء الرَّمزيِّ ما ذهب إليه الفقهاء، بعيداً عن القرآن، من تخصيص أهل الذِّمَّة؛ بزيٍّ خاص مختلف عن المسلمين. وأما الإقصاء الخيالي، فيكون عبر احتقار الآخر واستهجانه، وهو احتقار واستهجان قد يبلغان حدود التجاهل التام. وهذا التجاهل أو اللامبالاة، هي من المعاني التي يسقطها البعض خطأ على مفهوم التسامح، فيتصورونه قلة اهتمام واكتراث بالغير، ويتوهمون أنه اللامبالاة؛ في حين أنه نقيض لها.

 

الإقصاء الواقعي

   ومنطقي أنه بعد الإقصاء الرّمزي والخيالي لا يبقى إلا الضرب الأخير من ضروب الإقصاء وهو الإقصاء الواقعي. وهو أعنف ضروب الإقصاء؛ إذ يبلغ حد قتل المختلف والقضاء عليه فعليا. قد يكون ذلك عبر خلافات فردية، أشهرها ما بلغنا من قتل أحد ابني آدم لأخيه: "فطوَّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" (المائدة5، 30). ولكنَّ الإقصاء الواقعي، قد يتجسَّم أيضا جماعيَّا، من خلال الحروب الدَّموية، التي جرت عبر تاريخ البشر. صحيح أنَّ هذه الحروب تتنوَّع أسبابها وتبريراتها، وتختلف أساليبها وتقنياتها، لكنَّها ليست في كلِّ الأحوال، إلا تجسيماً مادياً للإقصاء الواقعي.

 

التّربية وقبول الآخر

  بعد أن عرضنا دور المخيال الجمعي في توليد العنف والإقصاء، وبعد أن عرضنا ضروب الإقصاء وصنوفه، نودُّ أن نعرضَ بعض الأساليب، الّتي تمكّن من نبذ العنف وقبول الآخر. ويكون ذلك داخل الأسرة وفي المجتمع. فأمَّا داخل الأسرة، فعلى الوالدين أن يقبلا الأولاد أو البنات كما هم؛ بصفاتهم المميّزة وخصائصهم الفريدة. إنّ التّربية هي فقط أن تهذَّب، وليست أن تفرض على الآخر، وأن يكون ابنَك، صورةً مثاليّة مفترضة. هذا ما ينساه كثير من الآباء والأمّهات، وربَّما يذكِّرهم به قول جبران خليل جبران، "أولادكم ليسوا لكم. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها". إنّ هذا القول يقتضي ضرورة مراعاة خصوصيات الطِّفل وميوله، بعيداً عن أيِّ ضرب من المقارنة والإسقاط. إنّ الله تعالى هو الخالق الأوحد، لذلك تقتصر التّربية على أن تكون صَقْلاً لما هو كائن، وهي ليست بأيِّ حالٍ من الأحوال، خلقاً جوهريَّاً.

   أمَّا في المجتمع، فممَّا يساهم في نبذ العنف والإقصاء، المساواةُ بين المواطنين، اعترافاً؛ دون تمييز رمزي ولا فعليٍّ. إنَّ المساواة ليست تماثلاً ولا تماهياً، إنّها مساواةٌ في إطار الاختلاف والتَّعدُّد والتنوُّع. إنَّها مساواة تقوم على الوعي؛ بأنَّ لكلٍّ دوره في الحياة، فجميع الأدوار لازمة وضروريَّة، وليس أيٌّ منها بأفضل من سواه. وإذا فهمنا ذلك، فسنفهم أنَّ التَّميُّز ليس في طبيعة الدَّور، ولا في نوعه، وإنما في حسن أدائه والالتزام به.

 

من السِّلم إلى السَّلام

  إنَّ كلَّ عناصر التَّربية الّتي ذكرنا، قد تنشئ؛ بتراكمها تاريخيَّا، مجتمعات يسود فيها السَّلم، ويستبدل أهلها العنف والإقصاء؛ بالتسامح والقبول. ولكنَّ الهدف الأسمى أعمق من ذلك. إنَّنا نتصوَّر أنَّ المجتمع لا يتغيَّر في أعماقه، إلا إذا تغيَّر أفراده جوهراً. وهذا التغيير النفسي العميق هو المنشود. إنه هو التغيير، الذي يجعلنا نتجاوز مستوى السِّلم المتحقِّق عمليَّأً وإجرائيَّاً، إلى مستوى السَّلام؛ بما هو مرتبة نفسية، تشرق في جوهر النُّفوس.

  إنَّ السَّلام أرقى من السِّلم. إنَّه الواحد الذي يتموقع وراء الأزواج جميعها. إنَّ السَّلام انفتاح جوهري قوامه المحبَّة. فمن استطاع أن يسلِّم؛ بإرادة الله تعالى في الكون، لا يمكن إلا أن يكون قلبه، يسع العالم كلَّه؛ بتناقضاته واختلافاته وتباينه؛ لأنَّ هذه المظاهر جميعها، مهما تعدَّدت وتحوَّلت، ليست في آخر الأمر، إلاّ تعبيرا عن الواحد الأحد. ومن هنا يمكن أن نقولَ: إنَّ الانفتاح نحو الآخر وقبوله، ليس تسامحاً يُجبر عليه الإنسان نفسه، ويطوعها لتحقيقه، وإنما هو قبول أصلي، حاصل؛ بالقوة؛ منذ خُلق الكون، إنَّ السَّلام هو جوهر الوجود البشري، إنَّه الفطرة التي يبعدنا عنها، تكييف سلوك جامد وسلطان تربية إقصائية، وكلَّما ابتعدنا عن الفطرة انزعجنا وأزعجنا. كلما ابتعدنا عن الفطرة نسينا أنفسنا وجهلنا، لذلك كان خير جواب للجاهلين هو السَّلام: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان25، 63).


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية