في الحاجة إلى التعايش

مع وقوف العالم اليوم على نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، يكون قد مضى خمسة قرون كاملة على انطلاقة موجة الحداثة الأوروبية، الموجة التي فرضت نفسها تاريخياً؛ كنموذج حضاري، يحتوي الحروب الدينية؛ بأهداف إصلاحية أخلاقية وسياسية واجتماعية، كثفها الوعي الأوروبي الحديث؛ بعبارة قوية، قيمة "التسامح". ولعلها قيمة، صارت منذ ذلك الوقت، تقدم نفسها في صورة فضيلة مؤسساتية، ويُنظر إليها على أنها رهان من رهانات الحق، وعامل من عوامل تكريس مواثيقه ومرجعياته.

خمسة قرون إذن، مرت على واقعة الاعتراف الأخلاقي؛ بمبدأ التسامح الذي عاشته إنسانية النهضة والأنوار اللاحقة على نهضتنا العربية؛ كحق إنساني، وعشناه ونعيشه اليوم؛ كمعارك إصلاحية مدنية، تحت اللافتة نفسها حيناً، وتحت شعار التلويح؛ بمنظومة القيم العليا في الإسلام حيناً آخر. وهي بالفعل واقعة تهمنا من حيث إنها نتاج؛ لتجارب التاريخ الإنساني العام، بيننا وبينه صلات من الوصل والتقارب، لا يمكن فصلها عن حتميات الصراع، في تجارب السياسات والثقافات الراصدة؛ للمواقف الحدية، في النظر إلى التسامح، في ضوء تحولات الفكر والسياسة والوجود الحضاري؛ للإنسان في التاريخ بل إن اللجوء إلى التاريخ، في هذا السياق من القول؛ عن مصير العالم ومستقبله، تزداد حدته صعوبة وتعقيداً؛ بسبب وتيرة التغيرات العالمية السريعة التي أصبحت لا تقاس بأعمار الأفراد أو العقود، ولكن بالمشاهد الجديدة التي فجرتها زمانية العولمة المعاصرة؛ بفعل تاريخي قسري، تمثلت منتجاته في ثورة المعرفة والتقنية، وفي هيمنة ثقافة الأقطاب الاقتصادية العالمية الكبرى على ثقافات الأمم والشعوب في العالم، والتي اتخذت صوراً وأشكالاً ندية، لا حصر لها.

قوى غير متكافئة

 من دون شك، فإن مدة خمسة قرون من الزمن، تجعل الوقوف قصد المساءلة والمراجعة أمراً مشروعاً تماماً؛ بل ضرورياً. فقد تبلورت على هامش سيرورات التاريخ المعاصر، في المشهد القيمي والسياسي؛ لأواخر القرن العشرين، وضعيات اجتماعية معقدة وآليات حكم متسلطة، تميزت بكثير من التناقضات والنزاعات والتراجعات، الواصفة لانحسار القيم، أمام "الطغيان الناعم" للدولة البيروقراطية التي تطبع التراث الأخلاقي والسياسي للفكر الليبرالي. وهي في شكلها ومحتواها، ترتبط بأوجه التغير، من العنف السياسي والرمزي الجارية في العالم التي فجرتها العولمة، وهي تتحول من مجرد عتبة إلى واقعة تاريخية، مولدة لعلاقات قوى غير متكافئة. علاقات متوترة تقدم نفسها في عالم اليوم، في صورة فضاء محاصر، أكثر هشاشة وأكثر توعداً من أي وقت مضى، إذ يتخذ الصراع العالمي في جبهة القيم.

مظاهر عدة، بعضها يخص مساحة الكونية الحاضنة؛ لقيم إنسانية التنوير، وكثير منها يخص واقع هذه القيم الفعلي والتاريخي الذي تختلط فيه الهواجس بالأوهام، ويؤشر على وعي ممزق، بين طوبى العيش الإنساني المشترك، وتحديات عالم ينخره الانفصال، وتتعرض فيه القيم للتذرير والبربرية وفقدان المعنى. لا ونحن هنا نفهم هذا التمزق، في الإطار الذي يسلم بأن التفكير في واقع القيم؛ باعتباره واقعاً، تشهد سردياته الكبرى على جروح الألفية الجديدة، ليس مسألة أخلاقية فحسب؛ بل شأناً سياسياً جديداً. شأن عملي يعيد إلى الواجهة، وإلى ما يجري على أرض الواقع، واقع العلاقات بين الأفراد والدولة، وواقع علاقات الدول فيما بينها، وواقع علاقات الهويات والشعوب فيما بينها، سؤالَ ما إذا كان السقف الأخلاقي؛ لقيمة التسامح، التي ينسب لها إرث الأنوار، بعدا كونيا؛ قد استنفد إمكاناته، وفقد راهنيته في المجتمع والتاريخ؟ وهل الاحتجاج بواقع التمزق الذي يغطي تاريخا حافلاً من الصراع، ومن الفوارق الاجتماعية والثقافية، بين التسامح وعدم التسامح، بين مؤيديه ومعارضيه، يدل على ذلك ويؤكده؟ وتحديداً: هل تكمن فكرة التسامح، في مستوى الصراع الدائر بين المخالفين في الرأي، والعقائد، واللغة، والثقافة، والتاريخ، وبين الهويات والجماعات، من إعادة تحقيق توازنات واستثمارات رمزية متبادلة، تؤشر على إمكانية إعادة بناء مفهوم التسامح على معيارية جديدة، تمنحه جدارة الاندراج في تاريخ آخر؛ للذات، يمكن من التعايش وإقرار قواعد؛ لشرعية الاختلاف؟ وعلى أي وجه يستساغ القول؛ بأن هذه الإعادة، تنتهي إلى رسم لغة ومعانٍ، تتخذ ملامح جديدة لها في الواقع، قابلة لمغالبة مكر التاريخ؛ بمزيد من التفاؤل النقدي التاريخي؟ أسئلة مترابطة، متداخلة؛ بصورة، تجعل اتخاذ موقف إزاء أي منها داخل سياق ثقافي معين، يجر حتماً إلى اتخاذ مواقف ضمنية أو صريحة من المشكلات والصعوبات الأخرى، داخل هذا السياق أو ذاك، وبالتالي الانخراط في إشكال التأسيس ككل. فلننظر إذن كيف يتحدد فحوى هذا الإشكال، في دائرة الفكر السياسي المعاصر، وليكن أول وقوفنا إبراز ما تحمله قيمة التسامح من صعوبات دلالية، يتوقف على معرفتها فهم تحولات المعنى والخطاب، ولنبدأ أولاً بتحديد الإطار التاريخي للمسألة.

عتبة التسامح

إذا كان من الصعب الفصل في تمفصلات العلاقة التي تربط اصطلاح التسامح؛ بنظام المبادئ والقيم التي تحملها، عن الوجوه الرمزية؛ للإنسان في وجوده التاريخي والثقافي والقانوني، فإن استمرار النقاش الفلسفي المعاصر، حول فضاءات المفهوم، قد زاد من تعميق الوعي؛ بأهمية الرهان العملي الذي أصبح يتعلق، رؤيةً ووصفاً وتفسيراً؛ بمفهوم التسامح. وهو ما يعني الوعي؛ بمقام المعنى، الذي تقع به المباينة ويحترز به، عن مختلف أشكال الاختزال أو الاستغلاق الذي قد يجعل من سؤال التسامح، فضيلة صعبة التحديد. أو لنقل بتعبير أدق في تقرير هذه المباينة، إن الصعوبة التي ينطوي عليها تحديد قيمة التسامح، إنما تكمن تحديداً، في كون أن المعنى الذي يتحدد به مدار القول، في تداول هذا المفهوم، هو اليوم مباين في مقصده؛ لأصناف الدلالة البسيطة التي كان يحملها ويدل عليها في أذهان الناس من قبل، خاصة في العصور الوسطى، والذي يفيد الازدراء أو عدم الاكتراث؛ بما يبدو أنه آخر أو سيئ، أي إلى ما ليس إياه التسامح.

تطور مدلول التسامح

أما التسامح في معناه الحديث والمعاصر، فهو يتعلق بشيء آخر مغاير، يفيده ويدل عليه: الاحترام والاعتراف، وكلاهما ينطويان على صعوبة مكشوفة؛ لأن كل طرف منهما، يستلزم تبادلاً réciprocité واقتضاء في العلاقة، يتخذها دليلاً إلى مطلوبة: اقتضاء موجه إلى الذات، واقتضاء موجه إلى الآخر. وهذا يعني أن المعيار هنا الذي يقاس انطلاقاً منه مقام التسامح، لا يتأسس على مدرك عفوي أو سياق عارض، وإنما تضبطه الرعاية والتربية. وبعبارة أخرى، إن التسامح بالمعنى الأخلاقي للكلمة، يرجع الأمر فيه أولاً وأخيراً إلى معيار التربية، وبالتالي فلا وجود لتسامح في معناه القيمي خارجاً عن عملية التربية. فعلاً، قد يكون هنا، هذا المفهوم الأخلاقي الصوري الذي تفيده قيمة التسامح، غير مجدٍ وعديم الفائدة، وبالتالي لا ينطوي وجه الدلالة فيه على أي مصلحة عملية جديرة بالاعتبار. هذا صحيح من وجه، ولكنه لا يصح من وجه آخر، عندما نرجع إلى التاريخ الخاص؛ بهذا المفهوم الذي يجعل من التعايش توأماً له أو مضمونه الحي. فهل يجتمع الوجهان في نظر واحد؟ وهل ما وجدناه من غموض هناك، يرفعه، ما نجده من وضوح هنا في التاريخ؟

جوهر التعايش

لا نظن أن أحداً يجادل في قوة التحول التي أحدثها الفكر المعاصر في المشهد الثقافي والديني؛ لمختلف الفئات والأقليات والهويات القومية العربية والغربية، ولا نظن أن باحثاً ينكر القول؛ بأن فضيلة التسامح هي العمدة في تاريخية تشكل مفهوم "التعايش" Coexistence، والانتقال به إلى عتبة جديدة، تربط بنية التفكير فيه؛ بما يحتفظ به روح التسامح ويتحصن به؛ كاستعداد كسبي؛ لتقبل جميع أنواع الاختلاف والتباين الذي تزخر به ثقافات وعقائد الأفراد والجماعات والشعوب. وهذا تحديد لا بد من استحضاره؛ حتى لا يلتبس الأمر علينا، بين المفهوم النظري المجرد للتسامح وبين روحه الأخلاقية المتجددة، داخل الممارسة العملية، التي تجعله قابلاً؛ لأنْ تنتظم فيه عمليات الاعتراف المتبادل بين الأنا والآخر. ما يحملنا على الاستنتاج؛ بأن معنى التسامح هنا، لا يكون من جانب أحادي، فردياً كان أو جماعياً، وإنما يكون؛ بتوسط موجهات تربوية مركبة من جهات ثقافية مؤسساتية، تخص معنى الآخر المخالف في غيريته وحقوقه.

فضيلة مؤسساتية

وإلى جانب كونه قيمة نقبلها في عالم ممزق يحركه السعي وراء الهيمنة، فهو أيضاً فضيلة مؤسساتية في مشهد الاعتراف؛ بحقوق الهويات وحق الآخرين في الاعتقاد المختلف. الشيء الذي يجعل من رؤية الأنا، من خلال عيون الآخرين، ليس مجرد مقايسة، وإنما قضية تعميم، لا ينزع عنها بعدها التبادلي الذي هو أس مبدأ التعايش وإقرار الحق في الاختلاف. ومن هنا المطابقة التي يقيمها فلاسفة الاعتراف بين ثلاثة مفاهيم، تتردد كثيراً في تحليلاتهم، وتشكل "المفهوم- المفتاح" في مواقفهم الأخلاقية المعاصرة، هذه المفاهيم، هي: التسامح، التربية، التعايش. الأمر الذي شخصه أحد رواد مدرسة فرانكفورت، يورغن هابرماس، بعبارات مكثفة، حينما اعتبر أن "المجتمعات ذات التعددية، لا تتناسب معيارياً، إلا مع كونية مضبوطة، تساوي الجميع؛ سواء أكان الشخص كاثوليكياً، أم بروتستانتياً، أم مسلماً، أم يهودياً، أم هندوسياً، أم بوذياً، مؤمناً أم غير مؤمن".

 

التسامح .. خلاص كوني

يبدو هابرماس في كل ذلك واضحاً كل الوضوح، فهو يؤكد صراحة وبإلحاح، أن ما يقصده ب

"الكونية المضبوطة" في المجتمعات التعددية، ليس معنى الخصوصية الثقافية؛ لأقلية عرقية أو ثقافية أو دينية أصولية، أو لسلطة مخولة من جانب أحادي، تملي وتحدد من وجهة نظر تفضيلاتها الخاصة أو توجهاتها القيمية، ما يجب التسامح فيه، وإنما المزية والفضيلة في نظره؛ لمعنى الكونية المضبوطة، أنها تطبق على الطريقة التي يربط فيها أي دين نفسه بالآخرين، وبإيمانه الخاص. وبالتالي، فعلى قاعدة الاعتراف بالحقوق المتساوية، بوصفها مطالب مشروعة للأفراد والجماعات، في مختلف النزاعات الاجتماعية والثقافية، يقدم مبدأ التسامح نفسه؛ كأحد وجوه الكونية، القادرة على احتواء أشكال العيش الممزق بين الأفراد والجماعات، وهشاشة صور وأنماط الحياة الاجتماعية المتفرقة، التي يغذيها النزاع بين الهويات الثقافية والدينية، المتخاصمة إلى حد التطاحن، والاقتتال، وإراقة الدماء.

هواجس الحاضر

إنه الرهان الذي يضع راهن التسامح، ضمن هواجس الحاضر، ويضع أطره المرجعية أمام سياق تاريخي جديد، يزدوج فيه فع الن اثنان، أولهما نظري، يرجع الأمر فيه إلى مسارات التفكير الجديدة التي ارتبطت قضاياها المعيارية؛ بوضعيات الاخت اللات الكبرى، التي مارستها العولمة اليوم، في أكثر من واجهة من واجهات الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية؛ للجماعات والشعوب. وهي في وجهها الأخلاقي، تتردد ما بين قيم التقدير المتبادل والاعتبار والكرامة، وبين تجارب الهيمنة والقهر، والظلم، والكراهية المتبادلة؛ بما يشخص جبهة القيم في العصر الراهن، بسمات التمزق وحرب الذاكرة بين الهويات، وعدم الرغبة في التطلع إلى قيم مشتركة؛ للعيش بين الأفراد والجماعات.

التسامح .. وروح المتغيرات

الفعل الثاني في الازدواجية هو فعل عملي من وجه آخر، بالمعنى الذي يضع قيمة التسامح أمام اختيارات جديدة، متفتحة على مكاسب التاريخ المعاصر، يدفعها إلى تمثل النظم والعادات والمؤسسات؛ بالصورة التي تستجيب؛ لروح المتغيرات الجارية، ويسعفها على إعادة بناء قيمتها في التاريخ، انطلاقاً من التعدي الت التي تجريها على المواقف، وأنماط السلوك الفردي والجماعي. ومعناه، بعبارة أخرى، من دون تنزيل قيمة التسامح في آليات قانونية مؤسساتية، يظل الحديث عن معنى التسامح مجرد لغو من دون موضوع، أو مصدراً لمشكلات أخلاقية عويصة ولآراء متناقضة


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية