سيرورة التفاعل بين الفلاسفة ورجال الدين

لقد أسهم الحضور الوازن لمقولات التآخي الديني في دساتير أمم الأنوار، في ربط مشروع بناء الدولة المدنية؛ بغايات التعايش والتسامح في مستوياته الفردية والاجتماعية والإنسانية. ويعد مشروع التعايش الأوروبي، خلال حقبة الأنوار، بشكل أو بآخر، امتداداً لمقولات وأفكار عصر الأنوار الإسلامي، الذي نجح في ربط فضيلة التآخي بالقيم الإسلامية الخلاقة، مبشراً بمستقبل إنساني متآخٍ، دينياً وثقافياً.

 

    يشكل سؤل التآخي والتعايش الديني ركيزة أساسية، ضمن المحددات الفلسفية للاجتماع السياسي الإنساني الحديث. فمنذ القرنين الثامن والتاسع عشر، حملت دساتير معظم أمم الأنوار مقولات الحرية والمساواة والعدالة؛ بالتوازي مع الدعوة إلى التآخي الديني والعقدي بين المجموعات البشرية المختلفة، ضمن الإطار الفلسفي الناظم للعقد الاجتماعي. ما يعني أن الحضور الوازن لمقولات التآخي الديني في جل دساتير أمم الأنوار، هو امتداد لسيرورة تاريخية من التفاعل بين الفلاسفة ورجال الدين، من أجل نشر قيم التعايش والحرية والتنوير وربط الدولة المدنية؛ بحماية الهوية الدينية والدفاع عن قبول الاختلاف، كصوت ناظم لإنسانية المستقبل.

قيم التآخي

  جاء انتقال الأمم من الحالة الطبيعية للتجمع، نحو الوضعية المدنية للاجتماع، من أجل القطع مع النمطيات الذهنية والعصبيات الاجتماعية والتأسيس لعمران بشري وتجمع إنساني جديد، يعلو فيه صوت الواجب والتآخي والتسامح على صوت العنف والتعصب. ولما كان التعصب والعنف والحرية المطلقة من قوارض التآخي والتعايش والتسامح الديني، كانت الحاجة إلى تأصيل قيم التآخي الديني؛ كمدخل لضمان مختلف أنماط التسامح والتعايش الاجتماعي والثقافي، في إطار الحياة المدنية الجديدة. فتقنين الحرية الإنسانية المطلقة على سبيل المثال، لم يكن ذا فعالية، لولا العودة إلى الباعث الأخلاقي والديني، المحرك لسلوكات الأفراد والجماعات، ونظرتهم إلى ذواتهم وذوات الآخرين. وإذا كان الأمر الأخلاقي الكانطي الشهير، يدعونا إلى معاملة الإنسانية في ذواتنا، فإن القاعدة العقلية لهذا المبدأ، لن تكون ذات فعالية تذكر، إذا لم تربط رهان التأصيل الفلسفي والاجتماعي للتآخي الديني؛ بعمق الاجتماع السياسي الإنساني.

صوت الأخلاق

   يحسب تاريخيا لنظرية العقد الاجتماعي، حرصها على ربط التآخي بسيرورة بناء الدولة الحديثة. ونجد فرنسا الأنوار مثلا قد قامت على مبادئ الحرية، المساواة والإخاء الديني أساسا؛ كركائز أساسية للخروج من ظلمات العصر الوسيط، حيث الجهل نقيض للأنوار والعنف نقيض للتآخي. وما الأنوار في نهاية المطاف؛ سوى التآخي الديني، معلناً بصوت الأخلاق والإرادة والعقل. لذلك، لا يمكن الفصل بين الدين والفلسفة والعقلنة في تأسيس اجتماع أمم الأنوار. 

من الأنوار الإسلامية إلى التنوير الغربي

   بينما كانت أوروبا تعيش في ظلمات العصر الوسيط، عاشت الحضارة الإسلامية عصر أنوار حقيقياً، حيث ارتبط التنوير باحتضان العلم في سياقات عقلنة الموجودات؛ لتوثيق عرى الدين الإسلامي الحنيف؛ بنمط الحياة الاجتماعية والدينية القائمة. في واقع الأمر، تلحظ معظم القوانين والمراسيم السياسية والدينية، في العالم العربي، التي صدرت في العصر الحديث  أن دين الدولة هو الإسلام، وعقيدتها التآخي والتسامح الديني، وكل خرق لهذه المبادئ؛ من قبل بعض التنظيمات السياسية والاجتماعية، التي تعاقبت على تسيير شؤون المسلمين، هو مسؤولية فردية أو معزولة، ترتبط بفهم مغلوط للدين الإسلامي، وتوظيفه في خدمة مصالح ضيقة، عرقية وطائفية. لذلك، تدعونا فلسفة الدين وعلم الاجتماع الديني إلى ضرورة التمييز بين الدين؛ كعقيدة حاملة لقيم التآخي والتسامح، والتدين كممارسة ترتبط بسلوكات اجتماعية وفردية، قد لا تمثل جوهر الدين والمقولات العقدية الإنسانية (النمطيات الذهنية المنغلقة خير مثال على التدين السلبي).

سر النهضة الإسلامية

   مع وصول الحضارة الإسلامية إلى أوروبا – شبه الجزيرة الأيبيرية - والاحتكاك التاريخي بينهما على المستوى الفكري والعلمي والديني، فطن العديد من مفكري وفلاسفة عصر النهضة والتنوير الأوروبي، إلى أن سر نهضة الحضارة الإسلامية، هو فلسفة التآخي والتعايش والتسامح، القائم على الفكر الديني. وحالما فرَّط العالم الإسلامي بذلك، بدأ يظهر وهن الحضارة الإسلامية، حسبما كان ابن خلدون يحذرنا.

   ونجد امتدادا راهنا لهذه المقولة، في سياق الفلسفة المعاصرة، عند الفيلسوف جون فرانسوا دورتي، حيث يربط بين الأنوار الإسلامية والتآخي الديني في كافة الميادين والمجالات، معتبراً أن صناع النهضة الحضارية الإسلامية كانوا من مشارب ثقافية مختلفة، وحدتهم لغة القرآن وكلام الله تعالى. وهو ما نجد صداه في رسالة كانط حول الأنوار والعقلنة، أو في نظرية العقد الاجتماعي. وكذلك الأمر في الدولة المدنية.. نصادف وعياً كبيراً بأهمية سؤال التآخي في بناء الحضارة، وتأسيس الاجتماع السياسي المرجو، وترسيخ القدرة على استعمال العقل، سبيلاً للتآخي الكوني.

قبول الآخر

  إن رفض فلاسفة عصر الأنوار؛ لنمط التدين السائد في أوروبا طوال فترة القرون الوسطى، هو بالأساس، ممانعة وامتعاض من تدين خالٍ من قيم التآخي، وقبول الآخر، وحق الاختلاف، والشروط الدنيا للعقلنة، والنظرة المنطقية للذات والعالم والآخرين. فالأنوار لم تكن يوما مخالفة لتعاليم الأديان، وإنما كانت معارضة لغياب التآخي والتسامح؛ في تدبير الاجتماع السياسي اليومي. فنجد روسو يدعونا إلى العودة إلى الباعث والمحرك الأخلاقي؛ لجوهر الاجتماع الإنساني، وهو التآخي، ويشترط كانط اعتناق صوت الواجب والعقل فينا والعودة إلى الذات، إن نحن أردنا استشراف مستقبل متسامح للحضارة الإنسانية.

قوة الفضائل الإنسانية

  يبدو لنا أن التنوير الأوروبي، كان متناغماً مع المقولات الفلسفية للحداثة الإنسانية، على مدى قرون من التراكمات الثقافية، الطامحة إلى احترام شرط التعايش والتسامح، الذي دعت إليه كل الأديان التوحيدية. ولذلك نجد دساتير الأمم الأوروبية تركز على التنوير، الذي يقوم على مفاهيم التآخي والعقلنة، أو التآخي الديني في صورته الفلسفية، والرغبة في توجيه المجتمعات الحديثة، نحو جعل هذه القيمة الإنسانية الكونية، نمط حياتها وتفاعلاتها المستقبلية. وكل قول بانفصال التنوير الغربي عن الأنوار الإسلامية أو الشرقية، وتشكيلها لحظة تاريخية خاصة، هو أساسا قرض لقيم التآخي الديني التاريخي، ووقوع في فخ النمطيات الذهنية والعصبيات الإثنية، التي أضحى كل من الفيلسوف ورجل الدين مدعوان إلى مجابهتها؛ بقوة الفضائل الأخلاقية للتآخي والتعايش الديني.

مرادف التآخي الديني

  عرفت أوروبا وعياً سياسياً واجتماعياً، بفضيلة التآخي الديني منذ القرن السادس عشر، عقب اعتماد خطاب التسامح بين الكاثوليك والبروتستانت، بديلا للخلافات المذهبية، وتعزيز التنميطات الذهنية، التي تؤاخي بين الأديان الإنسانية. وشيئا فشيئا تحول التآخي والتسامح إلى مفاهيم مركزية، ضمن الإطار العام؛ للممارسة السياسية والفلسفية؛ خلال حقبة الأنوار.

الحضارة المتآخية

    في رسالته الإنسانية الشهيرة "رسالة في التسامح"، يعتبر جون لوك أن الهدف الأول والأخير من إقامة الدولة المدنية، هو حماية الناس والأديان وبسط التآخي والتسامح، وجعل السياسة نفسها أداة لخدمة هذا الغرض. كان واضحا حرص لوك، من خلال العمل على الفصل بين ما هو دنيوي وماهو آخروي، وجعل الدولة المدنية دولة راعية للتآخي، وحامية للحق في الاعتقاد والاختلاف، لا أن تتحول إلى دولة؛ لحماية دين أحادي هو المسيحية. فجوهر الدولة المدنية، هو التآخي ولا شيء أكثر من التآخي الديني.

اندماج الثقافات

   وتعمقت نظرية الدولة المدنية مع جون جاك روسو وتوماس هوبز، حيث قدم روسو نموذج "العقد الاجتماعي"؛ كدستور جديد للإنسانية، مؤسس بالضرورة لحالة التنوير، التي تقترن بسيادة العقل والأخلاق محل التنميطات والتقوقعات الآسرة؛ لحرية العقل والتآخي الإنساني. ولعل قيام الثورة الفرنسية على مبدأ الإخاء، نتيجة حتمية لدور الفلسفة والدين، في إقرار هذا المتغير ضمن الاجتماع السياسي الجديد. بالنسبة لروسو، يكمن جوهر التسامح والتآخي في الوعي؛ بشرط حرية العقل، ضمن الدولة المدنية، والحفاظ على حرية الضمير الأخلاقي، الناظم لمقولات التسامح السياسي والديني.

التآخي المدني

  من جهته، انتصر هوبز لمقولة التآخي المدني، الذي يشكل أساساً جوهرياً للتآخي الثقافي؛ بكل وجوهه. فدولة العقد الاجتماعي وحدها المنوطة بها مهمة حماية الدين، الحرية، العقل وضمان التسامح والسلم الإنسانيين. والواقع أن روسو يجعل من التسامح رديفاً؛ للتآخي في مستوياته الاجتماعية والسياسية. ويظهر هذا الآمر في دستور فرنسا، الذي جعل من ضمان التعايش والتآخي الديني، شرط قيام المدنية والحضارة. وهكذا تكاملت الثورة الصناعية والفكرية في ربط مستقبل الإنسانية؛ بفلسفة التآخي والتعايش، التي تنهل من المرجعية الأخلاقية والدينية، من أجل تأسيس الدولة المدنية. فلا وجود لدولة مدنية؛ دون تآخي ديني وأخلاقي؛ سواء في مستواه الاجتماعي المحدود بالدولة، أو الكوني الواسع.

 

 

تواؤم السياسة والأخلاق

    إن دستور الأنوار الأوروبية الأساس، هو التآخي الذي أطر الانتقال من النظام القديم نحو النظام الجديد. تكمن عبقرية هذا الانتقال في استعارة مفهوم التآخي من سياقه الديني والأخلاقي والمثالي، وربطه بالاجتماع السياسي الحديث؛ لأنه في نهاية المطاف تظل الأخلاق قيمة إنسانية أعلى من الممارسة السياسية؛ بل إن السياسة في دساتير الأنوار مشبعة؛ بالقيم الأخلاقية العليا؛ للتسامح والتعايش والتآخي. لهذا، يمكن القول إن الأنوار الأوربية هي مصالحة بين السياسة والأخلاق والاجتماع الحديث تحت عقلنة الفلسفة السياسية المصالحة بين التقليد والحداثة.

رسائل إنسانية

  ترتبط الثورة الفرنسية بمفهوم التآخي؛ كبوصلة فلسفية ودينية؛ لاستشراف مستقبل المجتمع الفرنسي. فبُعيد قيام الجمهورية الأولى، كان لزاماً على مختلف الأطراف، التفكير في تأسيس المشروع المجتمعي والسياسي الفرنسي، على أسس أخلاقية نظرية العقد الاجتماعي، فجاء التآخي كـ"مفتاح مزدوج ربط بين الحرية والمساواة، مانحاً الثورة الفرنسية الكفالة الأخلاقية المطلوبة"، بتعبير فريدريك معتوق. فأخذ التآخي المدني الجديد من الدين، بعده الأخلاقي القاطع مع الذهنيات والنمطيات الأحادية، والباني لصرح التسامح والتعايش، وأخذ من الفلسفة مقولات الديمقراطية والحرية والمساواة، الأمر الذي جعل من الدساتير الديمقراطية للمرحلة الجديدة، رسائل إنسانية حقيقية في التآخي الديني والسياسي، العابر للحدود والانغلاقات الثقافية والطامح نحو الكونية.

 

 

 

ديمقراطية التعايش

    صالح التآخي الديني، ولأول مرة في تاريخ الإنسانية، بين الدين والسياسية أو المواطنة السياسية إنْ صح القول. فالخوف من الاجتماع السياسي المدني لم يعد مبرراً، حينما وجد المواطن في دساتير الأمة أن الديمقراطية والحرية والمساواة، قيم أخلاقية في خدمة التعايش الديني العملي، وكأن الديمقراطية نفسها ما هي إلا مصالحة بين التآخي الديني والممارسة السياسية المدنية، ضمن مجتمع المواطنة الندية المتكافئة.

   لقد رسختت مقولات التآخي الديني في الدولة المدنية، ثقة المواطنين في دساتير الأمة، التي أضحت أكثر حرصا على استيعاب القيم الأخلاقية المثلى. ولعل الصدى التاريخي لـ"إعلان حقوق الإنسان والمواطن" سنة 1789، كان خير دليل على بداية تشكل وعي مجتمعي؛ براهنية مبادئ المواطنة المتآخية وديمقراطية التعايش، بعد أن نجحت نظرية العقد الاجتماعي وتأسيس الدولة المدنية في خدمة العديد من أوجهه ومحدداته الفلسفية والأخلاقية والدينية. وعطفاً على واقعنا الراهن، نلتمس في إحياء نقاش التآخي الديني والمواطنة المتآخية، خير استراتيجية للخلاص من آفة الذهنيات المؤبدة، ولوثة النمطيات الذهنية المنغلقة، والإعلاء من مركزية الأخلاق الدينية، في تفعيل مقتضيات ورهانات الاجتماع السياسي الإنساني، الراهن والمستقبلي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية