حدود التسامح .. في العلاقة بين التسامح واللا تسامح

من أهم جدليات الحداثة المعاصرة، أن العقل لا يزال يراجع قيمها، ويناقش مدى أهميتها في حماية وصيانة سعادة الإنسان، وفي الوقت عينه يسائل نزعات الإنسان في ما يذهب إليه في كل الظروف والأحوال. ولعل موضوعة التسامح تتقدم انشغالات الوعي الراهن، وخاصة لجهة تعيين حدود التسامح واللا تسامح.

كما هو حال معظم الفضائل الأخلاقية، للتسامح حدودٌ لا ينبغي له تخطيها، وإلا تحوَّل إلى رذيلةٍ. وإذا اتبعنا التنظير الأرسطي للفضيلة – المعروض في كتاب "علم الاخلاق إلى نيقوماخوس" – يمكن القول إن التسامح، بوصفه فضيلةً، هو الوسط الذهبي بين طرفين/ رذيلتين، أحدهما إفراطٌ والآخر تفريطٌ. فالتشدد في شروط التسامح، وحدوده، والقيود المفروضة عليه، يؤدي إلى التفريط به وجعله أقرب إلى رذيلة التعصُّب واللا تسامح، أما الإفراط الشديد أو المطلق في التسامح فيجعله مساويًا للامبالاة والتساهل المائع والمرذول. وقد شدَّد فيرنِر شيفاوَر "Werner Schiffauer" – في نصه المعنون ﺑ "منطق التسامح: الخطوط العريضة لمقاربة مقارنة لدراسة التسامح" – على الأهمية البالغة لمسألة حدود التسامح، في كل فهمٍ أو تنظيرٍ لهذا المفهوم. ولتوضيح ماهية هذه الحدود، نعتقد بضرورة التمييز بين ثلاثة أنواعٍ من الحدود: حدود أخلاقية، حدود لا-أخلاقية وحدود غير أخلاقية.

الحدود الأخلاقية

نعني بالحدود الأخلاقية، وجود قيم أخلاقيةً، تدفعنا إلى عدم التسامح مع أمرٍ ما. فعند وجود مثل هذه الحدود/ القيم، يكون التسامح لا أخلاقيًّا، ويكون اللا تسامح هو الأخلاقي، وهو ما يتوجب فعله. فعلى سبيل المثال، ثمة إجماعٌ متزايدٌ على ضرورة عدم التسامح مع الممارسات العنصرية، أو التمييزية السلبية، ضد السود أو الأفارقة  أو النساء أو المعاقين ... إلخ. ففي مثل هذه الحالات، يكون التسامح لاأخلاقيًّا، واللا تسامح أخلاقيًّا؛ وهذا يعني أن الأخلاق تقتضي هنا عدم التسامح، وليس التسامح. فالأخلاق هي التي تحدُّ، في بعض السياقات، من إمكانية التسامح، وتحث على عدم التسامح.

الحدود غير الأخلاقية واللا اخلاقية

إضافةً إلى الحديث عن "الحدود الأخلاقية" للتسامح، ينبغي التمييز بين "الحدود غير الأخلاقية" و”الحدود اللا أخلاقية" للتسامح. فالحدود غير الأخلاقية للتسامح، تحيل على حدودٍ عمليةٍ، لا تتنافى أو تتعارض مع الأخلاق، من جهةٍ، ولا تتأسس عليها، من جهةٍ أخرى. ويمكن لمثل هذه الحدود أن تمنعنا من التسامح، من دون أن يترافق ذلك مع الاعتقاد؛ بأن التسامح لا أخلاقي، في هذا الخصوص، أو ذاك السياق. فعلى سبيل المثال، إذا كان التسامح يقتضي تقبل الاختلاف (وليس مجرد قبوله)، وما يعنيه ذلك، في مستوى الشعور والتقييم (وليس على مستوى السلوك فقط)، فيمكن لكثيرين أن يقولوا إنهم لا يستطيعون التسامح مع "المثلية الجنسية"، أي تقبلها، ولا يستسيغون التعامل مع المثليين، تعاملًا إيجابيًّا، على الرغم من أنهم يقرون بحق المثليين في الحصول على الاعتراف القانوني والأخلاقي، وفي نيل الحقوق الجنسية الكاملة. وباختصارٍ، تحيل الحدود غير الأخلاقية للتسامح، على عوامل لا إرادية، تمنع حصول التسامح، على الرغم من عدم وجود أي تقييماتٍ أو موانع أخلاقيةٍ سلبية، في هذا الخصوص.

   الحدود اللا أخلاقية للتسامح تحيل على السمة اللا أخلاقية أو المضادة للأخلاق، التي تتسم بها بعض الحدود المفروضة على التسامح، والتي يتأسس عليها التعصب أو اللاتسامح؛ بوصفه رذيلةً. فعلى سبيل المثال، تتمثل الحدود اللا أخلاقية في الاعتقادات والاجراءات، التي تعيق أو ترفض التسامح مع الاختلافات الدينية أو الطائفية أو المذهبية، وتفضي إلى بروز اللا تسامح أو التعصب الديني أو الطائفي أو المذهبي. فحدود التسامح أو عوائقه هي لا أخلاقية؛ بقدر كونها إراديةً ومقصودةٌ، من جهةٍ، ومتعارضةً أو متناقضةً مع القيم الأخلاقية المتبناة، من جهةٍ أخرى.

التمييز بين حدود التسامح

التمييز، بين هذه الأنواع من الحدود، ضروريٌّ، لكنه، من الناحية العملية، على الأقل، ليس أمرًا سهلًا؛ وهو، في كل الأحوال، أمرٌ خاضعٌ للجدال والمناقشة. ومن الضروري معرفة متى تحديدًا يكون التسامح/ عدم التسامح أخلاقيًّا، ومتى يكون لا أخلاقيًّا، أي ما الذي ينبغي لنا، من وجهة نظر أخلاقية، التسامح أو عدم التسامح معه؟ وما هو المعيار الذي ينبغي اعتماده، في هذا الخصوص؟ سنحاول الإجابة عن هذا السؤال، وبعض الأسئلة الأخرى المتصلة به، من خلال مناقشة بعض التنظيرات التي ظهرت في الفكر الغربي، في خصوص مسألة حدود التسامح، عمومًا، وفي خصوص العلاقة بين التسامح واللا تسامح، خصوصًا.

ثنائية التسامح الديني

تاريخيًّا، ارتبطت ثنائية التسامح واللا تسامح بالحقل الديني، ارتباطًا كبيرًا وخاصًّا. ومن أسباب هذا الارتباط هو أنه، في هذا الحقل تحديدًا، تجسَّدت، تاريخيًّا، أبرز مظاهر التعصب أو اللا تسامح. وقد ظهرت بوادر هذا التعصب/ اللا تسامح، حتى عند بعضٍ من الفلاسفة والمصلحين الدينيين (لوثر وكالفن، مثلًا وخصوصًا). فعلى الرغم من تساهله، أو تسامحه مع اليهود والوثنيين، أبدى توما الأكويني – في كتابه "الخلاصة اللاهوتية" – تشدُّدًا متعصبًا تجاه الهراطقة؛ وقال بوجوب قتلهم؛ لكونهم، من وجهة نظره، يتنكرون للحقيقة الدينية التي يعرفونها، ويشوهون الدين عمدًا، ويفسدون الإيمان قصدًا. ونظرًا إلى شيوع عقوبة الموت، آنذاك، بحق المجرمين الذين يقومون بالسرقات وتزييف النقود، ونظرًا إلى شيوع الاعتقاد بعدالة هذه العقوبة آنذاك، فقد رأى الأكويني معقولية وعدالة إنزال عقوبة الإعدام؛ بحق الهراطقة المفسدين للإيمان.

تنوع اللا تسامح

   مع البدء؛ بتداول مفردة التسامح أوروبيًّا، في القرن السادس عشر، وبروز وتنامي حضور هذا المفهوم، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خَفَت، جزئيًّا ونسبيًّا، صوت/ ظهور التعصب أو اللا تسامح المبني أو المتأسِّس على الاعتقاد الديني، وبرزت أشكال مختلفة من اللا تسامح عند فلاسفة ذلك العصر. ففي "رسالة في التسامح"، حرَم جون لوك البروتستانت والعلمانيين من "تسامحه"، لأسبابٍ "سياسيةٍ"، تتمثل في اعتقاده؛ بعدم إمكانية الوثوق بهم وبولائهم، إما لأنهم تابعون لسلطةٍ دينيةٍ خارج الدولة (البروتستانت)، أو لأنه ليس ممكنًا ضمان وفائهم بوعودهم وتنفيذهم لتعهداتهم (الملحدون).

التعصب مع اللا متسامحين

ولدى روسو، نجد المواجهة الصدامية المباشرة بين فكرتي التسامح واللا تسامح. ففي تنظيره ﻟ "الدين المدني" – في الفصل الثامن من الباب الرابع من كتابه "العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية" - أبدي روسو تسامحًا كبيرًا، في خصوص الاختلافات الدينية، ولم يتردد في القول، مع المركيز دراجنسون: إن كل واحد في الجمهورية حر تمامًا، على ألا يؤذي الآخرين. لكن روسو قام باستثناءٍ بارزٍ وحيدٍ، في هذا الخصوص، حيث رأى وجوب عدم التسامح مع المتدينين المتعصبين/ غير المتسامحين الذين يرون أن "لا خلاص أو سلامة خارج كنيستهم/ عقيدتهم"، وأن كل من يؤمن بعقيدةٍ أخرى ملعونٌ ومحرومٌ من الخلاص الإلهي. وبرر روسو عدم تسامحه مع متبني هذه العقيدة المتعصبة، غير المتسامحة، من خلال التشديد على استحالة التعايش مع مثل هؤلاء الناس.

اللا تسامح مع اللا متسامحين

على الرغم من أن لا تسامح لوك مع البروتستانت والملحدين، ولا تسامح روسو مع اللا متسامحين، هما، بالدرجة الأولى، موقفان فكريّان سياسيان، وليسا دينيين، بمعنى أنهما لا يتأسسان على الإيمان والعقائدية الدينية، فإن البعد الديني حاضرٌ فيهما بالتأكيد. ومع كارل بوبر، نجد الغياب أو التغييب (شبه) الكامل لهذا البعد الديني، في الحديث عن حدود التسامح والمواجهة بينه وبين اللا تسامح. وإذا كان روسو قد شدَّد على أن لا فرق بين اللا تسامح المدني واللا تسامح اللاهوتي، ورأى أنه ينبغي عدم التسامح مع كليهما، فإن بوبر ذهب إلى الحد الأقصى في هذا الاتجاه، وقال بضرورة عدم التسامح مع كل أشكال اللا تسامح على الإطلاق. ولهذا يُطلق على بوبر تحديدًا لقب "فيلسوف اللا تسامح مع اللا تسامح".

مواجهة اللا تسامح خاسرة

في إحدى أهم مفارقات التسامح، التي عرضناها في مقالنا السابق، والتي أشار إليها كارل بوبر في أحد هوامش الفصل السابع، من الجزء الأول من كتابه "المجتمع المحدود وأعداؤه"، يبدو أن مواجهة التسامح مع اللا تسامح خاسرةٌ بالضرورة؛ لأنها ستفضي، في كل الأحوال، إلى انتصار اللا تسامح وهزيمة التسامح. ففي كتابه المذكور، شدَّد بوبر على أن التسامح اللا محدود هو بمثابة الانتحار؛ لأنه سيفضي إلى اختفاء التسامح بالضرورة. فالتسامح مع المتعصبين، أي اللا متسامحين يمنحهم الفرصة؛ لممارسة تعصبهم ولازدهار هذا التعصب، وبالتالي سيسمح لهم بالهيمنة والقضاء على التسامح وإقصاء المتسامحين. في المقابل، إن اللا تسامح مع اللا تسامح يعني حضور اللا تسامح، ويمكن أن يفضي إلى هيمنته، وإلى غياب أو تغييب التسامح؛ لدرجةٍ أو لأخرى.

اللا تسامح مع العنف

منطق بوبر واضحٌ وحاسمٌ: لا يمكن ولا ينبغي التسامح، تسامحًا لا محدودًا، مع الآخرين، بل ينبغي أن يكون لتسامحنا حدودًا، وأن ندافع عن المجتمع المفتوح وتسامحه، من خلال التصدي لكل هجمات ومظاهر التطرف والتعصُّب والعنف غير المشروع، وتجريم كل من يؤيِّد هذه الهجمات والمظاهر، ويتبناها ويحرض عليها. فالتسامح محدودٌ ومقيدٌ باللا تسامح، وحضور التسامح مشروطٌ بغياب اللا تسامح، بالضرورة؛ ومتى حضر هذا الأخير غاب، أو وجب أن يغيب، الأول، وفقًا للمنظور البوبري. ويتبنى بول ريكور، لاحقًا، هذا المنظور – في مقاله المعنون ﺑ "التسامح، اللا تسامح، ما لا يمكن التسامح معه (1990)"، والمنشور في كتابه "محاضرات I" – حيث يقول "ما لا يمكن التسامح معه هو فقط اللا تسامح".

مساءلة نقدية

من الضروري إخضاع هذا الموقف الجذري، من اللا تسامح، لمساءلةٍ نقديةٍ. والسؤال الرئيس، في هذا السياق، هو: هل يفضي التسامح مع اللا تسامح إلى اختفاء التسامح بالضرورة، كما يوحي المنظور الذي يتبناه بوبر؟ هل الموقف اللا متسامح من اللا تسامح هو موقفٌ قبليٌّ، ينبغي أن يكون متَّخذًا، قبل معرفة مضامين الطرف المتعصب أو اللا متسامح، ودرجة الخطورة التي يشكلها على المجتمع المفتوح المتسامح، أم أن موقفنا من اللا تسامح ينبغي أن يكون بعديًّا، بحيث يتأسس، بالدرجة الأولى، على معرفة هذه المضامين، وتلك الدرجة؟

التسامح حتى نفيه

على العكس من الموقف اللا متسامح مع اللا تسامح، نجد أن جون رولز قد تبنى، في كتابه الأهم "نظرية العدالة"، موقفًا متسامحًا عمومًا، وأكثر مرونةً وتفصيلًا ومعقوليةً، وفي خصوص مسألة حدود التسامح عمومًا. فإذا كان الموقف البوبري المبدئي ينص على وجوب اللا تسامح دائمًا مع اللا تسامح، وعلى أن لا مجال للعكس، فإن الموقف الرولزي المبدئي، يقول بالوجوب المبدئي للتسامح مع اللا تسامح، إلى أن تثبت ضرورة العكس. فوفقًا لرولز، التسامح هو الموقف المبدئي الذي ينبغي للدولة والمجتمع والأفراد تبنيه، إزاء الاختلافات والتعصب أو اللا تسامح، إلى أن يثبت، من خلال الخبرة العملية وطرق الاستدلال العقلي المقبولة والمعترف؛ بصحتها عمومًا، من قبل الجميع، ومن خلال الملاحظة والبحث العلمي العقلاني، أن التسامح مع اللا تسامح سيفضي إلى زعزعة النظام العام.

رفض تسويغ اللا تسامح

انطلاقًا من هذا الموقف، رفض رولز تأسُّس اللا تسامح، أو تسويغه، على أسسٍ دينيةٍ أو ميتافيزيقية أو فلسفيةٍ خاصةٍ. وهذا التأسُّس أو التسويغ نجده، على سبيل المثال، لدى توما الأكويني، وبعض المصلحين البروتستانت، وجون لوك وجان جاك روسو، على الرغم من اختلاف أشكال اللا تسامح ومضامينه وأسسه لديهم. فبالرغم من هذا الاختلاف، فإن كل الحجج أو الذرائع ومسوغات اللا تسامح التي قدموها، تستند إلى مبادئ لاهوتيةٍ أو اعتقاداتٍ دوغمائيّةٍ، ليس هناك ما يدلل على صحتها. ونظرًا إلى معالجته لمسألة "التسامح مع غير المتسامح"، في إطار تأسيسه؛ لنظريته عن العدالة، فقد رأى رولز أن المسوِّغ الوحيد المقبول للا تسامح، يكمن في تجنب تعرِّض وجود الناس، أو وجود نظامهم القيمي، للخطر الفعلي. وبكلماتٍ أخرى، ينبغي الحد من التسامح، وتقييده، عندما يكون ذلك ضروريًّا، من أجل الحفاظ على الأمن الذاتي للدولة أو المجتمع أو الفرد.

لا حق للا متسامحين بالاحتجاج

ويقر رولز بأن اللا متسامحين لا يمتلكون حق الاحتجاج أو الشكوى، عندما يُعاملون معاملةً غير تسامحيةٍ. لكنه يشدد، في المقابل، على أن ذلك لا يعني أنه من حق المتسامحين، الملتزمين؛ بمبادئ العدالة، قمع غير المتسامحين وعدم التسامح معهم. فتخلي الآخرين عن مبادئ العدالة والتسامح، لا يعطينا الحق بالتخلي عن التسامح، كما يقول بوبر، بل يجب علينا حينها، وفقًا لرولز، الالتزام بمبادئ العدالة والحريات المتساوية، قدر المستطاع. وإضافةً إلى هذا الالتزام الأخير، يمكن للتسامح مع غير المتسامحين، أن يساعد على إقناع غير المتسامحين؛ بإيجابيات التسامح؛ بحيث يحفزهم ذلك تدريجيًّا على تبنيه في سلوكهم وفكرهم المعياري.

تعيين حدود التسامح

بالمقارنة مع استراتيجية بوبر، تبدو استراتيجية رولز في تعيين حدود التسامح، وضبط علاقته مع عدم التسامح، أكثر تسامحًا وإقناعًا، من جهةٍ، وأكثر تعقيدًا وإشكاليةً، من جهةٍ أخرى. فهي أكثر تسامحًا؛ لأنها لا تتبنى موقفًا قبليًّا متشددًا واقصائيًّا، ضد كل أشكال ومضامين اللا تسامح، كما يفعل بوبر، ولأنها تحاول، عند مواجهة اللا تسامح، الاستمرار في التسامح، أطول فترةٍ ممكنةٍ، وتحويل اللا تسامح إلى تسامحٍ، وليس العكس، كما هو الحال عند بوبر، وقبله روسو. وهي أكثر إقناعًا؛ لأنها تأخذ بعين الاعتبار، تنوع أشكال ومضامين اللا تسامح، وتفاوت درجات أو ممكنات تأثيراته السلبية، ولا يتم تنحية التسامح أو استبعاده إلا حين يكون هناك اعتقاد فعليٌّ؛ بوجود خطرٍ حقيقيٍّ على النظام العام للدولة أو المجتمع. في المقابل، تبدو رؤية رولز أكثر تعقيدًا؛ لأنها لا تتبنى موقفًا أحادي البعد من اللا تسامح؛ بل تقول بوجوب أن نأخذ في الحسبان، عددًا من المتغيرات، في هذا الخصوص. والبت في خصوص هذه المتغيرات أمرٌ إشكاليٌّ، في معظم الأحوال، على الأقل. فمن "الواضح"، أو المتفق عليه، عمومًا، وجوب عدم التسامح مع التعصب الذي يتمظهر في السلوك العنيف، والاعتداء المادي على الآخرين. لكن هذا الوضوح لا يعني أنه من السهل (دائمًا) حصول إجماعٍ أو اتفاقٍ في خصوص مدى خطورة هذا الشكل/ المضمون، من اللا تسامح، أو ذاك. وحتى عندما تتوفَّر الأجواء الديمقراطية التي تسمح بالنقاش الحر والبنَّاء، وتتوفَّر النزاهة والإرادة الصادقة؛ لدى الأطراف المشاركة في هذا النقاش، فليس سهلًا الوصول إلى اتفاقٍ في خصوص مثل هذه المسائل. وباختصارٍ نقول: إلى جانب الوضوح في بعض الأمور والسياقات، ثمة منطقةٌ رماديةٌ واسعةٌ، تتموضع فيها حدود التسامح عمومًا، والمواجهة بين التسامح واللا تسامح خصوصًا.

الحرمان من المنابر

 تبدو إشكالية هذه المسألة واضحةً، في النقاشات المعاصرة التي تجري في خصوص مفهوم "الحرمان من المنابر no-platforming"، الذي يحيل على ضرورة وأحقية أو أخلاقية حرمان المتطرفين المتعصبين؛ غير المتسامحين، من المنصات والمنابر التي تسمح لهم؛ بالترويج لتعصبهم أو لا تسامحهم، انطلاقًا من الاعتقاد؛ بخطورة هذا التعصُّب، أو اللا تسامح ولا مقبوليته أخلاقيًّا. هذا هو أحد أهم محاور النقاشات الغربية المعاصرة، في خصوص الفاشيين والنازيين الجدد، ومتبني الخطابات العنصرية الدينية أو الإثنية أو العرقية أو المعادية؛ للنساء أو المسلمين أو اليهود أو السود .. إلخ.

الأولوية في المعارك الأخلاقية

قد يستسهل البعض القول، مع بوبر؛ بوجوب عدم التسامح التام مع كل أشكال اللا تسامح، لكننا نعتقد أن الأولوية في المعارك والمواجهات أو المجابهات الأخلاقية، لا تكمن في تدمير خصمٍ ما، وإنما في الحفاظ على القيم الأخلاقية المتبناة، وتعزيز وجودها وقوتها وانتشارها، قدر المستطاع. والتبني الحرفي أو المفرط؛ للاستراتيجية البوبرية، قد يفضي إلى انتصار قيم اللا تسامح انتصارًا، جزئيًّا ونسبيًّا، على الأقل، والحد من حضور التسامح، وتقييده، تقييدًا كبيرًا. في المقابل، إن تبني الاستراتيجية الرولزية، يجعل حدود التسامح مرنةً عمومًا، وقابلة للانفتاح والتوسع، وفقًا لما تسمح به الظروف المتغيرة، وهذا يعني أن القيم التي يتأسس عليها التسامح، تبقى حاضرةً ومؤثّرةً أو فاعلةً؛ حتى حين نضطر إلى تبني عدم التسامح، في هذا السياق، أو الخصوص، أو ذاك. فاللا تسامح يكون حينها مؤسَّسًا، أو متأسِّسًا، على قيم التسامح، ومنسجمًا معها، وليس متنافرًا أو متناقضًا معها. وفي هذه الحالة، تكون حدود التسامح تحريرًا له، من قيم اللا تسامح أو التعصب، أكثر من كونها تقييدًا له؛ بهذه القيم الأخلاقية السلبية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية