التآخي ركاز التسامح .. أخوّة روحيّة تشمل الانسانية جمعاء

   التسامح كما هو مطروح اليوم، شئنا أم أبينا، هو مزيج من الأخوّة القبلية العتيقة، والتآخي الديني القديم، والتسامح التنويري الحديث، في صيغة عصريّة مبتكرة. ما يعني أن التسامح لم يأت من عدم، وإنما استنبت من جوهر التجربة البشرية، وجرى صقله في سياق التآخي؛ بصبر ورويّة، كما يستخرج الذهب من ركازه المدفون في الأرض.

   لم يتبلور التسامح؛ كمفهوم، ولم يتجوهر كقيمة إنسانية فريدة؛ ببعد أخلاقي شفيف، إلا مع ظهور الأديان السماوية، حيث قدَّم أرقى تعبير للوعي الانساني؛ لكونه يميّز الإنسان عن باقي الكائنات على وجه المعمورة؛ بسِمة غير مادية، وغير مرتبطة بالغريزة.

     بيد أن أصول هذه السمة الروحية في تاريخ المعرفة الإنسانية، لم تأخذ حقّها بعد، حيث لم يُنصف التآخي؛ بما يضمن له الاعتراف بدوره البنّاء، أو دوره الرائد في هذه العملية. فالتآخي ينتمي الى طفولة الوعي البشري، وكان دوره السوسيو- معرفي، أساسيا في العائلة الممتدّة البدئية، وروابط الأخوّة  فيها، ثم في العشيرة وروابط العصبة فيها، ثم في القبيلة وما تزخر به من مكارم الأخلاق.

     لذلك نرى أنه من المفيد الدخول إلى هذا الموضوع من بابه الأقدم، وصولا إلى زمننا الراهن، علما أن مسيرة هذا المفهوم الجوهري، أعني التسامح، لا تشير إلى أي قطع إبيستمولوجي مع سلفه النوعي، أعني التآخي؛ بل أن ما تشير إليه هذه المسيرة المعرفيّة الطويلة، هو التواصل والتكامل بينهما، على مستوى المعنى الأبعد؛ لكل منهما.

 

من الأخوّة البدئية الى التآخي

  حصل تقدّم كبير؛ عندما عمل الرحميّة، حيث صار للأخوّة معنى جماعيا ملزما؛ بمندرجاته الإنسانية المتميّزة، وباتت ترافقها كوكبة من الأعراف، فتمأسست الأخوّة واكتسبت مع العشيرة والقبيلة طابعاً قانونياً داخلياً، ثم جعلها خارجياً، في قلب السلوك الاجتماعي أو الفعل الاجتماعي، كما يسمّيه علماء الاجتماع.

     أما الانتقال من هذه الأخوّة الداخلية، كما كانت معيشة داخل العشيرة، إلى أحلاف الأخوّة بين بعض العشائر ثم بعض القبائل، فبقي مسقوفا ومطوّقا؛ إذ إن الطابع الداخلي والعصبيّ الحصري، كان يسوّر التواصل ويقنّن الروابط على نحو جاذب، أي من الأطراف نحو المركز.

  لذلك بقيت دوما هذه الأخوّة القبليّة والعصبيّة العتيقة، محصورة ضمن جماعات بعينها، وتدير معنويا ظهرها للخارج؛ في مراحلها الأولى البعيدة. غير أن نزوع الانسان الدائم نحو الأفضل، جعل هذه الأخوّة في صيغتها الأولى، الإنسانية المتقدّمة نسبياً، تبحث عن مزيد من التطوّر، حتى داخل الأطر القبلية الضيّقة، السائدة في غابر الأزمان. فحصل اختراق كبير في هذا المجال؛ عندما قامت القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية؛ بإبداع ثقافة "مكارم الأخلاق"؛ كتوسّع معنوي وثقافي لمفهوم الأخوّة. وفي هذا السياق الإنساني السامي يندرج حلف الفضول عند العرب قبل الإسلام؛ كعلامة أخلاقية فارقة؛ لهذا الارتقاء المبكر، الذي قدّمه العرب للعالم في الماضي البعيد.

ثمرة إنسانية

   مع ظهور الديانات السماوية أطلّ مفهوم جديد، عابر للقبائل والأعراق، هو مفهوم التآخي، الذي أضاف إلى البعد الأخلاقي للأخوّة المنفتحة في مراحلها الأخيرة، بعداً روحياً، تجاوز بقوّته، جميع الأعراف السابقة.

    تقع جذور هذا المفهوم الجديد في تربة الأخلاقيّات، التي كان يسعى الانسان؛ لبلورتها أكثر فأكثر عبر العصور، بحيث أشار الرسول الكريم بتواضع لافت، إلى أنه إنما بعث؛ ليتمم مكارم الأخلاق، إلاّ أن المنظور الذي اعتمدته الأديان الإبراهيمية للتآخي، جعل لهذا المفهوم بعدا روحيا لم تكن الأخوّة القبليّة، مهما ارتقت؛ لتبلغه. ذلك لأن التآخي الذي أطلقته المسيحية، مع مفهوم المسكونيّة، والذي اعتمده الإسلام مع مفهوم الأمّة، تخطّى الحدود المكانيّة والزمانيّة المعتمدة في الأخوّة، حيث بات بعد ذلك التآخي، أخوّة روحيّة، تشمل الانسانية جمعاء، ولا تقيم وزنا للانتماءات الأرضية؛ لقد صار كل مؤمن أخا لأي مؤمن آخر بديانته، أكان يعيش في القارة نفسها التي يعيش هو فيها أم لا؛ سواء كان من عرقه أم لا، أو كان ينطق بلغته أم لا.

   لقد محا التآخي الجديد الذي اعتمدته الأديان السماوية، المسافات والانتماءات، جاعلا من الهويّة الإيمانية، القاسم المشترك للمؤمنين كافة. فانتقلت البشرية من الدائرة الأخويّة الإنسانية الصغرى، المتجسّدة في العشائر والقبائل، الى دائرة التآخي الكبرى، المتمثّلة في الأمّة والجماعة الإنسانية المسكونيّة.

  أطلق المنظور الديني، رؤية روحية كبرى؛ للوجود وحياة البشر، حيث بات الإنسان في هذا المنظور، كائنا روحيا عالميا، وأصبح التآخي في أساس هذا التواصل الروحي، العابر للبلدان والأقاليم، شاداً المؤمنين أجمعين إلى الله، خالق السماوات والأرض، وكل ما يرى وما لا يُرى.

 رحاب الفنون

   إن التآخي الناشىء عن الوضعة الايمانيّة الجديدة، هو الذي أتاح للفن الاسلامي أن يصبح فنّا، يُدرِكُ معانيه الجوهرانيّة، الهندي في الهند، والمغولي في طشقند، والفارسي في بلاد فارس، والإفريقي على امتداد القارة الإفريقية، والأوروبي في الأندلس، والمؤمن في كل مكان. والتآخي هو الذي سمح أيضا؛ للتعابير الإيمانيّة المسيحية، أن تنتقل إلى جميع قارات المعمورة، وأن تستوطن فيها. ما يعني أن التآخي الديني، فتح للمؤمن آفاق العالم، وجمع الإرادات كلها في عزيمة واحدة، وشكّل معرفيا، لغة إنسانية واحدة، يذوب فيها الجميع؛ ليمجّدوا خالقاً واحداً.

   لولا التآخي الديني، الذي تجاوز الرؤية البدئيّة؛ لأمور الدنيا والحياة والموت، لما جاء العمران البشري على النحو الذي نعرفه اليوم، ولما تمكّنت الفنون الدينية، وأشكال التفكير والتعبير الإيماني، من الانتقال أو الهجرة إلى أقاصي الأرض. وهذه الميزة التي تتميّز بها الأديان السماويّة، غائبة في المعتقدات الوثنيّة، التي كانت تقتصر طقوسها على جماعات محدّدة ومغلقة، تنتمي إلى بقع جغرافية محصورة. وحده التآخي الديني هو الذي أتاح ظهور هذا التواصل الروحي الجامع، الذي غمر البشر على مستوى الأرض قاطبة. مع الإشارة إلى أن التآخي ما كان ليظهر أصلا؛ كمفهوم معرفي ثوري ومستقل وفاعل، لولا وجود الرسالات الدينية السماوية. فالتطلّعات الايمانية التي أطلقتها الأديان السماوية، جمعت الأرض بالأرض، والأرض بالسماء؛ بإله واحد، فيما المعتقدات الوثنيّة، كانت تفرّق ما في الأرض، وتربطه بآلهة متفرّقة، تتوزّع في خبايا الطبيعة.

التسامح زهرة التآخي

   نتيجة لهذا المسار التاريخي الطويل، ها نحن اليوم أمام مصطلح نوعي جديد، هو التسامح. فالدين الاسلامي كان الدين السماوي الأول، الذي استنبت من صلب عقيدته، هذا المفهوم الروحي والانساني البنّاء. ففي مفهوم أهل الذمّة القرآني روحيّة التسامح، التي حاكت تاريخيا وعمليا، إتفاق المدينة بين المسلمين واليهود والمسيحيين، المعروفة بعنوان "صحيفة المدينة"، التي تُعتبر بحق، أول صيغة للمواطنة التعاقدية. لذلك لن تكون مفاجأة اليوم، أن يبادر بلد إسلامي إلى استنهاض هذا المفهوم الروحي الأصيل، ويرفعه شعاراً جامعا للناس أجمعين على وجه الأرض، حيث تأتي مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة؛ بمرجعيّاتها الدينية الحكيمة، وقياداتها السياسية الرشيدة؛ لتحيي زهرة التآخي الديني الانساني؛ كما تصوّرها الإسلام الأول.

  إن سيرة مفهوم التسامح كانت مختلفة شرقا؛ عمّا جاءت عليه غربا، حيث لم يبصر هذا المفهوم النور في الغرب إلاّ بشكل متأخر، وتحديدا على خلفيّة الحروب الدينية ـ المذهبية، التي فتكت بكل من فرنسا (حرب الأربعين سنة 1559-1598 بين الكاثوليك و البروتستانت)، والمانيا (حرب الثلاثين سنة 1618ـ1648 بين البروتستانت و الكاثوليك)، التي راح ضحيتها سدس سكّان فرنسا وثلث سكّان المانيا، إبّان القرنين السادس والسابع عشر، حيث جاءت بعد ذاك، دعوة فلاسفة عصر الأنوار في أوروبا في القرن الثامن عشر (ومن بينهم على نحو أخص الفيلسوف الفرنسي فولتير)، دعوة مدنيّة وسياسية للتلاقي الإنساني المفقود على القارة الأوروبية؛ بسبب ما عرف بالحروب الدينية .

ما بين الإمارات وعصر الأنوار

     ما يجمع اليوم بين الدعوتين، بين دعوة فلاسفة عصر الأنوار للتسامح، ودعوة دولة الإمارات العربية المتحدة للتسامح، هو فكرة التآخي الانساني الأوسع، التي أزهرت روحيا وسياسيا؛ بل أن هذا الظهور الحديث؛ لمفهوم قديم؛ لطالما تجاهلته، وداسته الحروب والنزاعات المختلفة، غربا وشرقا، تارة باسم الأديان، وطورا باسم المذاهب، ولكن دائما على قاعدة مصالح سياسية نفعيّة وتوسّعيّة، قد تحوّل اليوم الى قناعة من نوع جديد.. قناعة أدركها السواد الأعظم من الناس، فباتوا مقتنعين اليوم؛ بأن أكذوبة الشعار الديني أو المذهبي؛ كغطاء للنزاعات والحروب الأهلية قد أفلس، وأن التخلّص منه بات ضروريا؛ لبناء مستقبل جديد.

عقد أخلاقي جديد

   لذلك، نظن أن رفع شعار التسامح اليوم، مطلع القرن الواحد والعشرين، يكتسي معنى جديدا.. يكتسي معنى مختلف، معنى أخذ العبرة من العواصف الدينية والمذهبية الفاسدة التي عصفت، ولا تزال تعصف بالعالم العربي والشرق الأوسط عموماً. كذلك يكتسي رفع لواء التسامح معنى جديداً، من الخروج العلني والصريح من توجّس التشهير بما ليس منّا؛ سواء على المستوى الديني، أو الأخلاقي، أو الثقافي.

   أخيرا يأتي رفع راية التسامح اليوم، أبعد من تصفية حسابات مع تركة سياسية، أفقدت دعوة التآخي بين أهل الدين الواحد، كما بين أهل الأديان كافة.. إن رفع راية التسامح اليوم، تندرج في سياق بناء عقد أخلاقي إنساني جديد، يشارك فيه الجميع، شرط العزم والتصميم، على فعل الخير أو البناء الانساني السويّ والمستدام.

   من هنا يتوثق ارتباط هذا العقد الأخلاقي الانساني الجديد؛ بدولة المواطنة الحديثة، التي تحفظ حق الجميع، فتمارس العدالة الاجتماعية جنباً الى جنب، مع نبذ جميع أشكال التعصّب والعصبيّات.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية