التسامح وثنائيات الوهم والحقيقة

الثقافات متنوعة، ولكن الغالب فيها نمطان، الأول منغلق، والثاني منفتح ومتعدد. أما الثقافة المنغلقة، فهي التي يعتقد معتنقي قيمها؛ بصحتها؛ بشكل مطلق، فلا تترك فرصة للتعددية والاختلاف، بل رؤية واحدة للأمور، تؤدي تلقائياً إلى رفض الآخر، أياً ما كانت ثقافته ومعتقداته، وتقود في النهاية  إلى التعصب والتطرف. في مقابل ذلك، نجد الثقافة المنفتحة، قائمة على التعددية والتنوع، وتحتضن الاختلاف في كل شيء، فيتعايش فيها الجميع؛ بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية، وينتج عن ذلك، تعدد الآراء في تفسير الأمور والقضايا والمشكلات والاختلاف، وتتعدد الحلول لها. ما يعني أن الثقافة المنفتحة، تحتوي على كم متنوع من الأفكار والرؤى والآراء والتفسيرات والمعتقدات؛ سواء للأفراد أو لجماعات. وهذا التنوع، يعطي الفرد حرية اختيار الرأي والفكر الذي يراه مناسباً؛ على المستوى الشخصي، أو في نظرته للواقع وموضوعاته. ومن يعيش في ثقافة من هذا النوع منذ الصغر؛ سيتشرب قيم التعايش والحوار واحترام الآخر، وكلها تدفع؛ بترسيخ التسامح في المجتمع، والتعايش بين مختلف مكوناته بأمان وسلام مستدام.

الوعي الكاذب

   ولكن ثقافة التعددية أو التنوع في المجتمع، تقتضي رؤية معينة؛ للحقيقة، يمكن من خلالها المساهمة في نشر قيم التسامح والاختلاف. ولعل من نافلة القول إن احتكار الحقيقة أو ادعاء ملكيتها؛ لن يؤدي إلى التسامح والتعايش مع الآخر المختلف فقط، وإنما إلى إصابة التعايش بمقتل أيضاً؛ لأن ادعاء ملكية الحقيقة من طرف ما، يعني ضمناً، أن الأطراف الأخرى ليست على حق. ما يؤسس لوعي واهم أو كاذب؛ بالفوقية والتمايز، يدفعه إلى فرض أفكاره ومعتقداته على الآخرين. ولقد أثبتت تجارب الإنسان المريرة؛ عبر تاريخ طويل، أن مزاعم احتكار الحقيقة، تعبر عن رؤية قاصرة جداً، وتفتقر للأدلة العقلية أو المنطقية. فلو نظرنا إلى الحقائق، سنجد هناك نمطان، الأول: حقائق موضوعية وتجريبية. والثاني: حقائق ذاتية. فالحقائق الموضوعية والتجريبية، هي التي لها حضور مادي وترى بالعين المجردة أو وسائل أخرى تقنية، ويقدم عليها الأدلة والبراهين المادية، وبالتالي هذه الحقائق في مجال التصديق بها يكون عامًا، ومن النادر جدًا أن نجد اختلافًا عليها. أما الحقائق الذاتية فهي محل خلاف بين مكونات أي مجتمع من المجتمعات، خصوصًا إذا كانت هناك ديانات ومذاهب متعددة. ويأتي الخلاف على الحقائق الذاتية؛ لكونها غير واقعية؛ بمعنى، لا يوجد دليل مادي ظاهر؛ للعيان، حول حقيقة المعتقدات، فهي عبارة عن قيم ومعتقدات وتعاليم، ذات طابع ذاتي لا وجود مادي لها، فلو كان هناك أدلة مادية قاطعة، تدعم دين أو مذهب ما؛ لحُسم الأمر، تجاه هذا الدين أو المذهب. ويدعم ذلك أن الحوار بين المذاهب والأديان، يعتمد بالدرجة الأولى على الحجج والبراهين العقلية، لا على الظواهر المادية. فاقتناع الفرد؛ بمعتقد أو مذهب ما، هو قناعة ذاتية شخصية، لا قناعة تقام على أسس مادية أو موضوعية. وبالتالي فالتنوع الديني والمذهبي والفكري يقوم على أسس ذاتية صرفه (ولا يعتمد على أدلة وبراهين مادية كما هو الحال في الحقائق العلمية)، تستند إما على قناعات ذاتية أو توارث أفكار ومعتقدات، يُسلم بصحتها الأفراد؛ لأن لها طابع القدم، فتمثل معتقداً أو مذهب أو أفكار العائلة التي ينتمي لها الفرد.

مسألة وجودية

 المعتقدات الذاتية، تتجسد في العلاقة بين الإنسان وربه، أو أي قوة أخرى كما هو الحال في بعض الأديان، وتمارس تدينها من خلال العبادات والطقوس والممارسات الأخلاقية، تجاه الآخرين. وهي في نهاية الأمر فئوية، ولا يمكن في واقع أي مجتمع اليوم، أن يسود دين واحد أو مذهب واحد فيه؛ مهما كانت نسبة المؤمنين بالدين أو المذهب.  وهناك مسألة أخرى وجودية، يمكن أن يعيها أي إنسان، تتعلق بوجوده؛ كفرد في هذا العالم أو المجتمع الذي ولد فيه. فكما هو معروف، إن قرار مجيء أي فرد لهذا العالم، لم يكن قرار الفرد، وليس من اختيار والديه، ولا المجتمع الذي ولد فيه، والوعي بذلك؛ بحد ذاته، يجعل الإنسان مدركاً؛ لمسألة كيفية الإيمان؛ بمذهب أو دين أو معتقد ما، فجميعها تأتي من وجوده في بيئة اجتماعية ما، الأمر الذي لا بد وأن يدفعه للتسامح والتعايش مع الآخر؛ لأنه كان من الممكن أن يولد في مجتمع مختلف، ولوالدين مختلفين عقائديًا وثقافيًا.

مسألة فلسفية

   وهناك مسألة ذات طابع فلسفي، تتعلق بطبيعة المعرفة ومكوناتها، وعلاقة ذلك في المعتقدات والقيم. فالمعرفة نمطان مباشر يدرك من طريق الحواس وآخر غير مباشر. وموضوعات المعرفة المباشرة مثل الأشياء الواقعية؛ كالكرسي والتلفون والحاسوب، وهي التي لا خلاف عليها في العالم؛ سوى التعبيرات اللغوية المستخدمة، التي تدل على نفس الشيء عند الأمم المختلفة. لكن المعرفة غير المباشرة، هي التي تكون محط اختلاف، والتي تميِّز الشعوب عن بعضها البعض؛ من حيث قيمتها وثقافتها ومعتقداتها وهويتها وغيرها، وهي معرفة مكتسبة. فهناك مقولة مشهورة للفيلسوف الإنجليزي التجريبي جون لوك يقول فيها "أن العقل صفحة بيضاء"، ويقصد بذلك أن عقل الإنسان عند ولادته، هو عبارة صفحة بيضاء، تمتلئ بقيم المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، حيث تتشكل ثقافته ومعتقداته وأفكاره، أي يكتسب كل ذلك من المجتمع الذي يعيش فيه منذ ولادته، فما يشكل معتقدات الفرد هو البيئة والعائلة التي يتربى فيها، ومتى ما أدرك الإنسان هذه المسألة، عليه أن يؤمن بالتسامح والتعايش مع الآخرين.

    تقتضي ثقافة التسامح أن تكون النظرة للإنسان نظرة واقعية، تخلو من المبالغة والمثالية وإضفاء الهالات عليه. فالإنسان كائن محدود القدرات مهما كانت إنتاجيته العملية والفكرية أو الإبداعية، وهو كائن غير كامل أو مثالي، بل عرضه لارتكاب الأخطاء في أي وقت. والنظرة الواقعية للإنسان، تجعل الفرد ظاهرة نسبية إن جاز التعبير، بمعنى أنه يعيش فترة زمنية ومكانية معينة من التاريخ، تختلف عما عاشه من سبقوه ومن سيعيشه من بعده، وهذا يعني وضع معتقداته أيضًا؛ في سياقها ومرحلتها التاريخية، فطبيعة الإيمان في معتقد معين تختلف في المراحل التاريخية المختلفة، وما كان ممنوعًا أو محرمًا في فترة، ما يصبح مسموحًا به، والعكس صحيح. فالمقصود هنا في هذه النقطة، هي ضرورة عدم النظرة المطلقة للمعتقد الذي يؤمن به الفرد، ويتخذه معيارًا وحيدًا للإيمان، فهذا سيساهم في إقصاء المعتقدات الأخرى وتجاوز الواقع الذي يعيش فيه الفرد، ويحول الإيمان إلى جمود عقائدي مغلق، ويقلص علاقة الإنسان بواقعه وعالمه، الذي يعيشه بشكل كبير جداً، وكأنه يعيش في عالم آخر مختلف عن عالمنا (وهذا ما يعيشه الأصوليين والمتطرفين). لكن متى ما قرب الإنسان معتقداته من الواقع، وأضفى عليها الطابع العملي لا النظري أو العقائدي الجامد، فهو يحيل مسألة الإيمان ويجعلها واقعية، عبر ممارسة معتقداته؛ بشكل عملي، وتدفعه للنظر للأمور؛ بشكل نسبي، لا مطلق،   ويستطيع بذلك التعايش مع الآخرين واحترام معتقداتهم.

النظرة الموضوعية للإنسان

   الثقافة الواقعية تتضمن النظرة الموضوعية للإنسان لا النظرة الذاتية. فالبشر عندما يعيشون في إطار مجتمع معين، ويحملون معتقدات مختلفة، لا بد وأن يُنظر للإنسان الفرد، نظرة موضوعية. فأي فرد  يعيش اليوم في مجتمع ما، يعيش  تلقائيًا في دولة  لها كيانها السياسي، وبها من الشرائع والقوانين والدساتير، ما يكفل حقه في الاعتقاد والفكر، ويضعه مع أقرانه الآخرين؛ بموقع المساواة في الحقوق والواجبات، وهذه النظرة الموضوعية للإنسان، التي جاءت من الثقافة العلمية ذات الطابع الواقعي، هي التي بددت الأوهام حول ماهية الإنسان ودوره في الحياة، وحصرت معتقداته في إطارها  الذاتي فقط،  وجردته  من استخدامها؛ للاستعلاء على الناس؛ عندما جعلت جميع البشر سواسية في الحقوق والواجبات، لا يهيمن أي طرف على المجتمع؛ بأية حُجة من الحجج. نتج عن ذلك أن القوانين والتشريعات أصبحت ذات طابع مدني لا عقائدي وتطبق على الجميع، وأرست قاعدة سواسية الناس أمام القانون. لقد وفر ذلك أرضية صلبة للتعايش والتسامح بين أفراد المجتمع؛ لأن النظرة الموضوعية للإنسان، قدمت الحقوق والواجبات المشتركة على معتقدات الفرد الذاتية التي هي محط اختلاف وتنوع في نفس الوقت.

   من جانب آخر، فإن هذا الشكل من النظام السياسي والاجتماعي، يدفع بالفعل لتعزيز التسامح بين مكوناته. فالثقافة التي تحتضن قيم التسامح يجب أن يؤمن أفرادها بتقديم الصالح العام على المصالح الشخصية والفئوية. فالصالح العام للمجتمع مظلة تستظل بها جميع مكوناته ويوحدهم في إطار واحد، ويجعل الأفراد يتسامون عن مصالحهم الذاتية، أو مصالح الفئات الاجتماعية، أو المذهبية أو العقائدية التي ينتمون لها. وفي حقيقة الأمر فإن القضايا التي يشترك فيها الأفراد؛ في أي مجتمع، هي أكبر بكثير من القضايا التي تفرقهم. فإذا كانت الاعتقادات والأيديولوجيات هي مجال للتفرقة، وتتميز بإطارها الذاتي الصرف، فإن الموضوعات الواقعية التي تمس المواطنين تكون عامة. فعلى سبيل المثال إذا كان واقع التعليم متردي في مجتمع ما، فسينعكس ذلك على جميع فئاته الاجتماعية؛ بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والاجتماعية، وهذا الأمر يعزز تجاوز الأفراد والجماعات معتقداتهم وقيمهم الفئوية والتوجه للصالح العام.

تأطير المعتقدات

    هناك مسألة أخرى، على قدر كبير من الأهمية، تتعلق في تأطير المعتقدات؛ بمعنى أنها توضح المعتقدات والقيم المختلفة، التي تكون سببًا في الاختلاف في المجتمع، ضمن إطارها الاجتماعي فقط، ولا تتجاوزه إلى الأطر الاقتصادية والسياسية. فلو نظرنا إلى الواقع الذي نعيشه، سنجده مختلف كلية عن الواقع التاريخي، الذي ظهرت فيه المعتقدات والثقافات والقيم التقليدية. فالواقع الحالي باقتصاده المتطور وأنظمته السياسية وحضارته العلمية والتكنولوجية، يدفع إلى أن توضع المعتقدات في إطارها الذاتي، أي الفردي والاجتماعي، ولا تدخل في السياسة والاقتصاد والتعليم وغيرها. فدخول المعتقدات مثلاً في السياسة، سيساهم في تكريس الخلافات الدينية والمذهبية، ويُدخل المعتقدات التي لها قدسية خاصة، في إطار المناورات والخلافات السياسية. ما يقود إلى المظاهر التي نعيشها في واقعنا الحالي؛ بعد ظهور تيارات الإسلام السياسي التي شوهت الدين، ونشرت بذور الشقاق والإقصاء والعنف في المجتمع، وقوضت الحوار والتسامح واحترام الآخر بين مكوناته.

العقلانية والتسامح

    لا شك بأن العنصر الأهم في أية ثقافة، هو العقل، وتحديدًا العقل المتفتح على الأفكار والقيم المختلفة، ويتناولها بطريقة نقدية وعقلانية. أما العقل المنغلق فيرفض الأفكار والمعتقدات، وجميه ما يتعلق بالآخرين المختلفين في العرق والدين أو اللغة. والعقل المتسامح، هو العقل المنفتح الذي لا يرفض الأفكار المختلفة عن ثقافته وقيمه ومعتقداته، بل يقوم بتفكيكها وتحليلها، وإذا وجد منها ما يناسبه، يمكن أن يأخذ به، وإذا وجد فيها ما يخالف قيمه ومعتقداته، لا يأبه له، ولكن يحترمها ويتعايش مع من يؤمن بها؛ لأن العقل المنفتح، لا تسيطر عليه المسلمات؛ بطريقة تجعله يُقصى أو يرفض الآخر ومتعقداته وقيمه. فالمسلمات إذا هيمنت على العقل جمدته، وسجنته في إطار فكري لا يخرج منه. وينتج عن ذلك، التوقف عن التطور والتجديد، فضلاً عن عدم قبول الآخر أو مناقشة أفكاره. والمشكلة الكبرى في المسلمات التي تسود في ثقافتنا، أنها تأتي عن طريق الوراثة والتلقي الشفوي، حسب البيئة الاجتماعية التي يترعرع فيها الفرد، لا عن طريق النقاش والعقل والوسائل العلمية، وهذا يحد بشكل كبير من نشر التسامح وقيمه في المجتمع.

التسامح والعقل الموضوعي

    العقل المتسامح يتميز أيضًا؛ بكونه عقلً موضوعي ومتجرد، أي لا تتحكم فيه الأهواء الشخصية والانفعالات، ولا يخضع للمعايير الذاتية، ويخلو من التعصب والانغلاق، فينظر للقضايا، ويبحث في الموضوعات؛ بشكل لا يعرف التحّيز؛ لفكر ما، أو تهيمن عليه أيديولوجية ما، أو أفكارًا ذات أبعاد شمولية أو سياسية، بمعنى، أنه يكون متحررًا ولا يخضع؛ لسلطة فكرية ما، ويقدم أفكاره ويناقش الأفكار الأخرى؛ بحجج وبراهين عقلية متجردة. وهذا يتطلب الإيمان، بالحوار مع الآخر المختلف، واستخدام مناهج وأدوات الحوار؛ للوصول إلى قناعات مشتركة؛ إن أمكن، واحترام ما هو محط خلاف بين المتحاورين. فالعقل المنفتح والمتسامح لا يظهر في بيئة ثقافية وفكرية غير متسامحة، فالبيئة الثقافية التي تسود فيها قيم التسامح والتعايش والاختلاف وتغيب عنها المسلمات الجامدة هي التي تتنج عقلاً متفتحًا ومتسامحًا، وتشجع على إخضاع الفكر والثقافة والمعتقدات لسلطة العقل؛ لتحليلها والتعامل معها بشكل نقدي، أما البيئة الثقافية المنغلقة ستظهر عقولاً منغلقة ولا تعرف معنى التعايش والتسامح.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية