لا موقع للأديان على خرائط الأحقاد والكراهية

تلتقي جميع الأديان السماوية والوضعية على التسامح، فتنبذ نصوصها الأحقاد والكراهية، وتدعو في المتون والهوامش إلى التآخي بين البشر، وتحض الإنسان على حماية أخيه الإنسان وصيانة حياته وممتلكاته؛ لأنه مُكرّم على العالمين في مقاصدها وأصولها وفروعها.   

  جاءت الأديان بأياتها السمحاء، تمجد الإخاء الإنساني الذي يحمي الحياة، بعد أن جرى دمها؛ منذ أن تلقت طعنتها الأولى؛ بمدية قابيل، ثم تحولت الدماء إلى أنهار ومحيطات، جراء حروب، أصبح فيها قابيل أمماً وطوائف ومذاهب، تتناحر وتقتتل من أجل مصالح ومطامع، برئية منها المعتقدات السماوية والوضعية؛ بدليل أن الحربين العالميتين الأولى والثانية تقاتل فيها الأخوة الأوربيون أنفسهم؛ رغم أنهم من ديانة واحدة، فكان القاتل والمقتول مسيحياً. وفي أماكن أخرى نشبت معارك عربية وغير عربية قتل فيها المسلم مسلماً. ونجزم بالقول أنه حتى المعارك الأخرى التي قامت بين شعوب أو أفراد من ديانات مختلفة؛ كالتي سميت بالحروب الصليبية أو غيرها، فإن ديانات المعتديين على اختلافها وتعددها، بريئة من كل ما نشأ عنها من إزهاق للأرواح الحية أو نهب للثروات وتدمير للمنشآت.

برهان ساطع

   انطلقت من أبوظبي منذ فترة قريبة دعوة الإخاء الإنساني؛ بوثيقتها التاريخية الإسلامية المسيحية، وفيها برهان ساطع على براءة الأديان؛ لأن هذه الوثيقة من ضمن ما تحمله في توجهاتها الإخائية، هو عدم ترك الحقد والكراهية العمياء، تملأ الصدر الإنساني؛ كي لا يهيم في الأرض قتلاً وعبثية وتخريباً، وهي عبر هذا الفحوى، تمضي؛ بمؤمنيها وغيرهم إلى فطرتهم الأولى الصافية النقية؛ ليبلغوا جوهرها الإلهي وأركانه الأساسية، التي قامت ونشأت عليها غاية رسالتها السامية، الداعية إلى الإيمان بخالق الحياة سبحانه، والماضية إلى نشر المحبة والتسامح بين سائر مخلوقاته، بعيداً عن القتل والاقتتال، الذي يدور في غير مكان وبقعة في كرتنا الأرضية، والذي يتنافى في عدائيته ليس مع القيم الإسلامية والمسيحية وحدهما؛ بل مع قيم الديانات الأخرى، السماوية وغيرها، كما أشرنا آنفاً.

حقيقة الأديان

   حتى لا يعتبر البعض أننا مغالون وبعيدون عن الحقيقة في هذه الأحكام، التي نأتي عليها ونؤكدها، يمكن لنا – ولغيرنا - العودة إلى تعاليم جميع الأديان وإلى جوهر دعوتها؛ لنتبين منها وجوه الحقيقة على نحوٍ موضوعي ودقيق. ولنا في هذا السياق أن نتأمل في المبتدى، العديد من آيات التنزيل التي وردت في الخطاب الإلهي عبر سوَّر متعددة من القرآن الكريم؛ لنرى بتعبير صريح الاحتفاء، بالعفو والتسامح والحث عليهما، من الخالق سبحانه، حيث جاء في سورة الحجر:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾

وأيضاً قوله تعالى في سورة الشورى، (الآية 40-43):

( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (...)  وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

   نلاحظ هنا وسط هذا السياق القرآني، طلب الصفح والحث عليه ووصفه بالجميل في الآية السابقة من سورة الحجر، كما نلاحظ تزكية العفو والصلح والغفران  في الآيات الأخرى من سورة الشورى، ظاهر بتعبير جلي؛ من دون مواربة، وهو ما سنجد أصداءه في المسيحية (بطرس 18: 4): قبل كل شيء،‏ لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة؛‏ لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. ‏أيضاً جاء في رسالته (روما 12: 9): امقتوا ما هو شر،‏ والتصقوا بما هو صالح.

وفي هذا السياق تحضر مقولة السيد المسيح: لا تقاوموا الشر بالشر، وإذا ضربك أخاك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.

  ونجد هذه المقولة المتسامحة، وكأنها تجري على لسان هابيل في قوله تعالى بالقرآن الكريم: لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين - سورة المائدة.

 

 

الأديان الوضعية

  إذا كان كل هذا الفيض من التسامح، يمثل توجهاً عاماً للرسالات السماوية؛ من دو استثناء، فما هو توجه الديانات الوضعية، وفي مقدمتها البوذية والهندوسية، نظراً لانتشارهما في عدد ليس بالقليل من الدول، وصولاً إلى الكونفوشيوسية والزرادشتية، وغيرها؟

 هل تتحلى هذه الديانات بدعوة مؤمنيها إلى التخلّق بهذا السلوك التسامحي النبيل، أم أنها تختار نهجاً آخر مختلفاً عنه، ومتبايناً عن غيره من العقائد؟

  معلوم أن الهندوسية والبوذية كانتا ديانة واحدة، إلى أن جاء "سيدارتا غاوتاما" أو "بوذا"، الذي يعني الشخصية التاريخية التي اتصف بها، وباتت لقباً له؛ بعد أن غادر حياة الترف عند والده الأمير، إلى التقشف والزهد، ومضى بعدئذٍ باحثاً عن الطمأنينة الداخلية، متلمساً حالة التيقظ من خلال "اليوغا"، التي تعني الاستنارة، وكان من نتائجها خروجه من دورة التناسخ وعدم الإيمان بها؛ رغم أنها تمثل ركناً أساسياً في تقاليد الهندوسية، معيداً الإنسان إلى حياة أخرى؛ سيتم فيها الحساب والجزاء، حسب "الكارما"، أي الأفعال التي يقوم بها الكائن الحي، وجعل من ذلك منطلقاً له؛ لحث أتباعه على عدم الانخداع بمظاهر الحياة الخداعة، والابتعاد عن زخرفها وملذاتها الطارئة المؤقتة.

تسامح البوذية

  ترك بوذا لأتباعه جملة من التعاليم والوصايا، سميت "الدارما"، ومنها شُكلت القواعد الأساسية للبوذية، ومن أهم ما جاء فيها: الكف عن القتل، وعدم أخذ أي شيء ما لم يأذن صاحبه بأخذه، والابتعاد عن الكلام السيئ، وعدم ممارسة السلوكيات المشينة، والابتعاد عن تناول المخدرات، وكافة المشروبات المُسْكِرة .

   كل ذلك يأخذ بالمؤمن البوذي إلى جنته الموعودة "النيرفانا" التي يتحقق له فيها نعمة التيقظ والخلاص من الآلام والقلق والجهل والحقد.

افتراق وتسامح

  رغم أن الإيمان بتناسخ الأرواح وانتقالها من جسد إلى آخر بعد الموت، تسبب بمفترق بين الهندوسية، التي تؤمن به، وبين البوذية التي افترقت عنه، إلا أن الكثير مما أوردناه من تعاليم بوذا، يعتبر من الأركان المشتركة بين الديانتين، وفي مقدمة هذه الأركان، يأتي تحريم قتل أي إنسان، مهما كان دينه ومعتقده، إضافة إلى نبذ العنف والابتعاد عن السلوك الأخلاقي غير الحميد.

قبول الآخر

   ما يلفت الانتباه في هاتين الديانتين، عدم اشتراطهما على معتنقيهما؛ رفض الأديان الأخرى، وهو الأمر، الذي يفسر استشهاد الزعيم الهندي الشهير المهاتما غاندي؛ بآيات من القرآن الكريم والإنجيل، في أحاديثه وخطبه الموجهة إلى حشود كبيرة من الجماهير الهندية، البوذية والهندوسية والإسلامية. ويعتبر أن من واجب المثقفين معرفة جميع الأديان. ولا يختلف الأمر كثيراً؛ عند الأب الروحي البوذي المعاصر الحائز على جائزة نوبل: الدالاي لاما الرابع عشر "تنزين غياتسو"، الذي يعتقد البوذيون أن روح بوذا قد حلّت فيه، فهو لم يتردد بمدح القرآن الكريم، مؤكداً أن ما لفت انتباهه فيه حين اطلع عليه، افتتاح كل سوره، "باسم الله الرحمن الرحيم" معتبراً أن ذلك يشكل دلالة قطعية على تركيز القرآن على التسامح والرأفة والرحمة، التي تتكون منها القيم الأساسية للديانة البوذية، والتي يتأكد منها على حد تعبيره، أن جميع البشرية في أصلها هي عائلة واحدة، يجب أن تخدم "أناها" الفردية، "الأنا" الجماعية؛ لأن السعادة ليست جاهزة الصنع؛ بل تنبع من الأفعال التي تقوم على عدم الضرر بالآخرين.

من هذا الفحوى تنطلق البوذية في صياغة حكمتها، الموجهة إلى أتباعها، ومن وصاياها: يجب أن تنقذ نفسك، وتحسن لنفسك أولا؛ قبل أن تعطف على سواك، فالكوب يجب أن يمتلأ أولاً؛ قبل أن يفيض ويصبّ في الآخرين (...)، فلا أحد ينقذنا سوى أنفسنا، ‏لا أحد باستطاعته ذلك، ‏ولا أحد قد يفعل ذلك، نحن أنفسنا علينا أن نسير في الطريق.

ملتقى المقاصد 

   إن ما تتوجه به البوذية والهندوسية، وما تحث مؤمنيها عليه، تلتقي مقاصده السلوكية مع مقاصد الديانات السماوية، كما أنها تلتقي مع التوجهات الأخلاقية للديانات الأخرى غير السماوية، فكما توجه بوذا إلى أتباعه بالتحلي بالفضائل وقيم العفو والتسامح، فإن كونفوشيوس دعا أتباع الديانة الكونفوشيوسية إلى الإيمان؛ بالفضيلة الكاملة، التي تساعد المجتمع على اتقاء الشر والقتل والقسوة والعنف، الذي يهدم كل أركان الحياة، التي تتبع الأحداث الكونية فيها الأخلاق التي تسود الناس وملوكهم، معلناً لهم إن كان الاعتدال والانسجام والفضائل تسود في معاملاتهم، وتربط العلاقات بينهم؛ برباط من المودة والرحمة، فالكون سائر في فلكه من غير أي اضطراب، ولكن إذا حادوا عن سمة الحق والسلوك القويم والفضيلة، اضطرب بعض ما في الكون؛ لمخالفة القانون الأخلاقي. واعتبر كونفوشيوس الزلازل في الأرض وكسوف الشمس وخسوف القمر والقحط والاضطراب الكوني، ناتج عن الفساد الأخلاقي، بينما السلوك القويم يجلب الخير، ويجعل كل ما في الكون يجيئ على رغبة الإنسان. وهذه الرؤية لا تختلف في جوهر توجهاتها مع الرؤية التي انطلقت منها الديانة الزرادشتية، التي دعا من خلالها زرادشت إلى العديد من المبادئ الأخلاقية، ومنها أن كل إنسان مسؤول عن عمله، وأن الأعمال الطيبة تسجل له، كما تسجل الأعمال السيئة عليه، وسوف تكشف هذه الأعمال يوم البعث؛ ليحاسب عليها وينال ما يستحق من جزاء. ومن هذه المبادئ الأخلاقية: الوفاء بالوعد والابتعاد عن إيذاء الناس وعدم خداعهم والكذب عليهم، وحَثّ على وجوب أن يكون التعامل مع الآخرين، تعامل الأخوة الذين ينحدرون من أسرة واحدة .

إعلاء مكانة الإنسان

إن ما مضى إليه زرادشت، وما طالب به كونفوشيوس، وما جاءت به البوذية والهندوسية، وما أجمعت ديانات التوحيد، يُعْلي من مكانة الإنسان، ويدعوه إلى نبذ كل ما يسيئ لأخيه الإنسان، وكل ما يهدد أمنه وحياته، ويطلب منه التحلّي بالسموّ في تعامله مع نفسه ومع الآخرين؛ بحب الحياة الكريمة له ولهم . ما يعني أن جميع الديانات السماوية والوضعية، تُجْمِع على التسامح، ولا موقع لها على خريطة الأحقاد والكراهية، ومن يمضي من الأفراد والجماعات والدول إلى قتل أو سلب أو نهب غيره، لا أخلاق ولا عهد ولا دين له؛ لأن كل الأديان أقرت على أن الإنسان أخو الإنسان، وأكدت على وجوب صون حياته وممتلكاته، مُكرّمة إياه على العالمين.

 


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية