التآخي .. هل يقابل التسامح أو يتأخر عنه؟

الأُخوَّة صفة تُحيل إلى المشترك الإنساني؛ باعتبارها الرَّابطة الإنسانية، التي تتمثل في الاشتراك في المصدر، والمصير. وتبدو رحلة الفرد، قصيرة؛ بالنّظر إلى عمر الكون والموجودات، لكنها تتحقّق مع وعي بهذا الجانب المؤقّت، في الوجود الإنساني الفردي، والخالد إلى أجل مسمَّى للوجود الجماعي، وللحضارة الإنسانية. ما يجعل هذا الوعي حاسمًا في اختيار طبيعة العلاقة مع الآخر؛ لصالح علاقة أُخوّة قوية بين بني آدم، تقوم على رابطة، قوامها الانتماء إلى البشرية؛ لتصبح الفروق الآيديولوجية مجرد تفاصيل تغني الحياة الإنسانية، وتثري التواصل.

الأخوة الإيمانية

    في الهاجس الجماعي للمسلمين، تتردّد هذه الجملة كمحدد أساسي: "إنّما المؤمنون إخوة"؛ والإيمان في هذا الحديث غير محدّد الوجهة، رغم أنّه في مفهومه الأخصّ يقصد الذّات الإلهية، لكن أليس الله خالق الإنسان؟ وفي خلقه جعل النّاس سواسية كأسنان المشط – ثم وضع أُس الاختلاف بينهم في التّقوى، أي درجات الإيمان- وفي الإيمان ترفُّع عن الماديات، وارتقاء إلى اللّاملموس والوجداني، إلى ما في الصّدور، وإلى أن تُحب لأخيك ما تحبّه لنفسك: "لن يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبه لنفسه".

هذه المحبة غير المرتبطة بقيد أو شرط، التي تعني أن الآخر بالنّسبة لك؛ قد يهمك أكثر من نفسك، فتُؤثره على نفسك في أنواعٍ كثيرة من الحب: حب الأم لأبنائها. وأن تساويه بك على الأقل: أن تحب لأخيك..

أخلاقيات التآخي

   هنا يأخذ التآخي الإنساني شكلًا أخلاقيًا قيميًا، يُحيل إلى صفاء النّفس، وخلوّها من الحقد والآفات، ما يجعلهُ سمة أخلاقية، تنطلق من دوافع ذاتية قائمة على إحساس فردي؛ بقوة الرّابطة الإنسانية، التي قامت الأديان على تعزيزها، في إطارها العام. فيما التّسامح في المقابل، انتقل من هذا البعد الأخلاقي، إلى بعد حقوقي، وقيمة إنسانية لها شروط قانونية، تُنظم مبادئ التّسامح، وتؤطّرها في قواعد، تأخذ طريقها؛ لتصبح مجالًا قانونيًا، ومؤسساتيًا؛ يؤسّس لعلاقات انسانية، لا يقتصر فيها احترام الآخر على كونه مرآة للذات؛ بل باعتباره عضواً في جماعة، له ما لك، وعليه ما عليك.

  هكذا اتخذ التسامح صفة الوسيلة البراغماتية الجديدة، التي تكفل القيم الإنسانية الأخرى في السّياق المكاني والزماني، حيث نتسامح مع الآخرين؛ ليتسامحوا معنا. بشكل يصبح فيه التّسامح مؤسسًا؛ لصيغة التّعايش بين الأطراف المتنافسة، حسب مارك ميرسر في كتابه عن أسس التسامح الليبيرالي.

الحصافة والتسامح

  يستند جون لوك في كتاب "رسالة في التّسامح" على الحصافة؛ كأساس للتسامح؛ لكونها تقتضي من المرء أن يأخذ في حسبانه؛ نتائج التّصرف بتسامح، تجاه غرض التّسامح المعني، فمن يستهجن أحد المعتقدات أو التصرفات، ويرغب بقمعه، عليه أن يقوم بحساب بسيط للتّكلفة والمنفعة، يكفي لمنعه من التصرّف على نحو متعصب. إذ يلاحظ المعني بالأمر أنّ التصرّف على نحو متعصب، يكلّفه أكثر بكثير من المنافع التي يمكن أن يجنيها من قمع غرض التّسامح. لكن لابد من توفّر حالة ذهنية معينة تساعد على بروز التسامح؛ لأنّه إذا كان يرفض غرض التنازع، فإنّه يعتبر التنازع غير مشروع، وبالتالي لن يتعامل بحصافة تدفعه إلى التسامح.

الضمير والتآخي

  انطلق لاحقاً توجه يستند إلى الضّمير، والاقتراب من التآخي. فالمرء الذي يعمل وفقا لمبدأ ما، لا يكون دافعه في ذلك ما يحقّقه هذا العمل من السّعادة؛ لأكبر عدد من الناس، إنما يتمثل دافعه في أن هذا الفعل هو الفعل الصائب. ولذلك فإن كون منهج العمل هذا أو ذاك صائباً، يعد سبباً كافيًا للتصرّف وفقا له، حتى وإن كان معاكسًا للمصالح المباشرة، وأن الناس قد يمنحون المبادئ مكانة متقدّمة على المصلحة الذاتية والعاطفية؛ كمصدر للتحفيز. لكن هذا لا يعني أن المبادئ تعلو دائمًا على المصلحة الذّاتية، وإنّما يعني ذلك أنه يحصل من حين لآخر، وهذه المبادئ أطلق عليها بيجان شاهين اسما آخر هو الضمير.

أسس التآخي والتسامح

   رغم وجود توجّه فلسفي متشائم، نعثر عليه في كتابات تولوستوي، فالحياة بنظره جدولٌ يتحرّك باتجاه واحد، أو محيط ساكن، تُحرك مياهه هبّات الهواء بين الحين والآخر. هناك عدد ضخم من العوامل التي تجعلها على ما هي عليه، حسب تعبير أيزايا بيرلن، مضيفًا أن السّعي إلى تغيير الأشياء تغييرًا جذريًا وفقًا لمعرفتنا، يعد أمراً غير واقعي، بل يصل إلى حد السّخف العبثي، إذا لا يمكننا مقاومة التيارات المركزية؛ لأنّها أقوى منا، ولا يمكننا سوى تغيير اتجاه الرّيح، وتجنب الاصطدام مع المؤسّسات الكبرى الثابتة في عالمنا، وقوانينه، والمؤسّسات البشرية التي تعمقت جذورها في الماضي، "معتقدات، عادات، أعراف..".

  وفق هذا الرأي المتشائم، فالمأزق الإنساني الذي يتمثّلُ في عدم التناسب بين مخططاتنا الطموحة، ووسائلنا الضّعيفة، هو المسؤول عن معظم المعاناة والظلم في العالم، ومن دون رعايةٍ إلهية لن ننجح في ذلك؛ لذا يجب أن نتمسّك بالتسامح، وتفهم موقف الآخر، وتجنب حمق الاتهام والاتهام المضاد، الذي سيعرّضنا لسخرية أو شفقة الأجيال اللاحقة.

لكن برلين يقابل هذا التوجه، بفكرة أن هذا التّصحيح الدوغمائي، مثل نقيضه، مبدأ الانحياز المحتوم، ينقل المسؤولية إلى ضعف البشر وجهلهم، وتعريف المأزق الإنساني نفسه؛ بوصفه العامل المركزي النّهائي في التاريخ البشري، الذي يقودنا إلى الموقف نفسه عبر سبيل مختلف. وهو المأزق الإنساني الذي أشار إليه ريتشارد باومان في كتاب "الحداثة السائلة"، والذي يعانيه البشر في صور متنوعة، وبأسماء مختلفة في مختلف أنحاء الكرة الأرضية.

صناديق سود

   يهدد هذا المأزق الاستقرار الذي يسعى إليه الإنسان المعاصر، في وجه التحوّلات السريعة في أنماط العيش، التي تنشئ أنواعًا جديدة من الصّراعات. والذي يقترح المرونة كشعار لهذا الزمن، الذي تُهدد فيه الظروف الاقتصادية والاجتماعية، المحفوفة بالمخاطر والمجازفات، التي تدرّب الرجال والنساء، أو تجعلهم يتعلمون الطريق الشاق إلى إدراك العالم؛ بوصفه وعاء حافلًا بالأشياء التي يمكن التخلّص منها. وهي الأشياء التي سماها باومان بـ "الفوارغ Disposable"، أي الأشياء التي تستعمل مرة واحدة، في العالم بأسره؛ بما في ذلك البشر. إنّها الأشياء التي يتم التخلّي عنها بيسر؛ لأنّها معدة للاستعمال المؤقت، وهي غالبًا زهيدة الثمن.

   بهذا المنطق يبدو العالم كأنّه يتألّف من صناديق سوداء مغلقة بإحكام، لا يفتحها من يستخدمها أبدًا، ولا يحاول الانشغال بها أو إصلاحها؛ عندما تتعطل، حيث تتحوّل الروابط الإنسانية إلى قطع غيارٍ قابلة للاستبدال، فلماذا "هدر الوقت لإصلاح ما يمكن استبداله"، حسب تساؤل باومان.

الروابط الإنسانية

  هنا تظهر الحاجة إلى الرّوابط الإنسانية، التي تتعزّز بالتسامح والتآخي؛ لتعطيل ماكينة الاستهلاك العالمية، التي تبتلع كل ما هو أناني؛ لصالح كلّ ما يدعم الشركات العملاقة، التي تتعامل مع الإنسان؛ كرقم استهلاكي لا غير. وما دامت الالتزامات تقف أمام فُرص الغد، فكلّما كانت خفيفة وسطحية قلّ الضرر المحتمل الآن، هذا هو شعار سياسة الحياة؛ بصرف النّظر عمن تطبق عليه هذه السياسة، وعما يمكن أن توحي به، ففي عالم يفتقر إلى الأمان والاستقرار، تتهدّد الرّوابط الإنسانية والمجتمعات الإنسانية بالاضمحلال، والعلاقات الإنسانية بالذبول، والتداعي، والتفسخ؛ لأنها أصبحت شيئًا نستهلكه ولا ننتجه. في عالم يعرض عليك عند شراء سلع معمرة، إعادتها إذا لم تكن راضيًا. هكذا تُصبح العلاقات الإنسانية مرحلية، وقابلة للانقطاع في أوّل منعطف، وحينها لن يكون لقيم التآخي أو مبادئ التسامح أي معنى.

طبيعة الفرد والسعادة

  تشكل العودة إلى المبادئ التي يقوم عليها التسامح لتأطير العلاقات الإنسانية، بدافع التآخي، والمساواة، وتثمين الوجود الإنساني المشترك، دفاعًا صلبًا ضد مكننة الرّوابط الانسانية. حيث طور جون ستيوارت ميل دفاعه عن التّسامح في كتابه حول الحرية، فكان من أوائل تبريرات التسامح عنده، الاستناد الى حجة الاستقلالية. وإذا ما رجعنا الى الفصل الثالث من الكتاب، الموسوم بالفردية؛ كإحدى عناصر الحياة الطيبة؛ سنجده مخصصاً للتفصيل حول هذه المحاججة، ويمكننا أن نختصر ما طرحه بالقول، إنَّ المرء يحقق السعادة من خلال تطوير طبيعته. ويرى ميل أن الفردية تعتمد على هذا التطّور، وعلى هذا الأساس فإن اكتساب الفردية، واكتساب السعادة؛ كنتيجة لها، يحيل المرء لأن يتمتع بالحرية، وأن يعزز التسامح؛ بالموازاة مع تجاربه الحياتية، التي تحيد عن السبل المعتادة.

    بما أن السّعادة أو الحياة الطيبة، تشكل المصلحة الرّئيسية في حياة أي فرد، فهي تشكل الأمر الذي تهدف؛ لتحقيقه كل الأمور الأخرى، التي يفعلها المرء، ولهذا فالميزة الأساسية للطّبيعة البشرية، تتمثل في أنّ كل فرد فريد من نوعه؛ بالنّظر إلى إمكاناته المتوقّعة، وهو أمر لا يتحدد من خارجه، وليس هناك هدف ثابت يتطوّر نحو هذا الأمر، وإنما هو أمر غير محدّد حتمًا، ولذلك فهو متاح ليتحسّن في الكثير من الاتجاهات، التي تتشعّب على نحو غير محدد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية