العيْن بالعيْن ويُصبح كلُّ النّاس عميانا!

       تميّز العربيّة بين الشّقيق والأخ. فشقيقك هو من يشترك معك في الأب والأمّ، أمّا الأخ، فقد يكون من الأمّ أو من الأب فقط. ولكننا لن نتوقف عند موضوع الأخوّة من منظور النّسب البيولوجيّ، وإنّما سنبحث في التّآخي؛ بصفته استعارة لها إحالات متنوّعة، نزعم أنّ التّسامح أهمّها.

       في الواقع، لا يجمع بين التّآخي والتّسامح الوزن الاشتقاقيّ "تفاعل"، الّذي يفيد اتّخاذ الصّفة فقط، وإنّما العلاقة بينهما دلاليّة عميقة؛ إذ إنّ التّآخي هو أساس التّسامح، وذلك من ثلاث وجهات نظر، تحيل الأولى والثانية منهما إلى ضروب شتى من التّعامل مع الآخر المخطئ، وتحيل الثّالثة إلى مستويات التّعامل مع الآخر المختلف. 

 

  • الآخر المخطئ - من الحكم السّلبيّ إلى التّسامح أو "التمس لأخيك عذرا".

       كثيرا ما تحملنا تصاريف الحياة، وتعقّد العلاقات بين البشر، إلى إصدار أحكام سلبية على بعضنا بعضا، قوامها أنّ الآخر هو المخطئ، وأنّ "الأنا" أو الذات على صواب. ونرى أنّ الحكم بالخطأ على الآخر، هو حكم فاسد بالضّرورة؛ لأنّ كل مِنَّا يحكم انطلاقا من منظومته القيَميّة، ومن رؤيته المتمايزة أو المخصوصة للكون والوجود.

       يقول أحد الفلاسفة، "لا تكن قاسيا في حكمك على الآخرين، فقد يكون طريقهم أشدّ مشقّة من طريقك". باعتقادي أن هذه المقولة، هي من أجمل ما يعبّر عن الأسّ الأوّل؛ لتجنّب الحكم على الغير، فقد أسلفنا أنّ كلّ فعل أو نمط من أنماط السّلوك متّصل بالأسباب والعوامل الّتي ولّدته. ولكلّ منّا حكايته الفرديّة المختلفة عن حكايات الآخرين، وبديهيّ أنّ كلّ حكاية تحوي أحداثا وأفعالا وضروب علاقات متنوّعة. فهل من المنطقيّ أن تحكم على حكاية الغير من منطلق حكايتك؟

   كثيرة هي القصص الّتي تصوّر لنا "مذنبا"، ثمّ تغوص القصّة في أعماق حياته، أحداثها وسماتها وعلاقاتها؛ فنجد أن المتلقي يتحوّل من موقع "الحاكم على المذنب" إلى موضع "المتعاطف معه". وليس جان فالجان في "بؤساء" هيغو، أو سعيد مهران في "اللّص والكلاب" لمحفوظ، إلاّ مجرّد أمثلة فنّيّة. إنّ الحياة تعجّ بمواقف وأنماط سلوك، نُصدر على أصحابها أحكاما موغلة في السّلبيّة، فإذا بنا نكتشف، إذ نتعرّف إلى سياقات وأحداث كنّا نجهلها، أنّ أولئك الأشخاص، هم بشكل مّا "ضحايا" ظروفهم وواقعهم المعيشيّ. عندها، وإذا غمرنا الصّدق، قد نتساءل: لو سرنا على خطى الأشخاص الّذين حكمنا عليهم، ألن نكون صورة طبق الأصل منهم؟ بأيّ حقّ نحكم على غيرنا من موضع مختلف عن موضعهم. ولذلك نظن أن كل حكم سلبي على الآخر هو فاسد. وعندما يستحيل أن يكون أحدنا في موضع الآخر، فإن كلّ أحكامنا فاسدة بالضّرورة.

رتبة التسامح العالية

  ما يعني أنّ البشر - بشكل ما - متآخون في الخطأ، ألسنا جميعا خطّاؤون؟ والتّآخي في هذا المستوى، هو تذكّر أنّ لكلّ خطأ أسباباً وظروفا.         إذن، التّآخي هو أن تضع نفسك موضع الآخر، وتسير على خطاه؛ لأنّ استحضار إمكان الخطأ، الّذي يسم المنزلة البشريّة من جهة، وتذكّر أنّ كلّ خطأ، هو نتاج ظروف وأسباب من جهة أخرى، يمكّنان المرء من أن يندرج في رتبة من التّسامح عالية، تحوّل النّزوع الشّائع إلى الحكم على الآخر "المخطئ"، إلى بحث عن الأعذار له. وهذا ما يعكسه قول جعفر الصّادق: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلاّ قل لعلّ له عذرا لا أعرفه". فالتماس الأعذار للغير لا يعني البتّة التّشجيع على الخطأ؛ بل لعلّه، على العكس من ذلك؛ إذ ربما يكون من سُبُلِ حمل الآخر على الابتعاد عن الخطإ وتجنّبه.

إنّ التّفهمّ المتآخي والقبول المتسامح يمكّنان من الإصلاح والتّغيّر نحو الأفضل. وفي هذا السّياق نفهم قوله عليه أحسن الصلاة والسّلام، "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، وإذ سُئل: "أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره، قال: تحجزه أو تمنعه من الظّلم فإنّ في ذلك نصره". ليس من الصّدفة أن نجد مرّة أخرى مفهوم الأخوّة متّصلا؛ بالرّفق في التّعامل والمساندة؛ بالسّعي إلى إصلاح الخطأ؛ دونما أحكام قاسية ومواقف عنيفة. وليس أدل على ذلك من قوله تعالى، "لو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك".

  • المخطئ تجاهي - من ردّ الفعل إلى العفو أو "العين بالعين ويصبح الجميع عميانا".

   عندما هاجم أحد ابنيْ آدم أخاه ناشدا قتله، أجابه أخوه: "لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّي أخاف الله ربّ العالمين". إنّ هذا السّلوك يمثّل التّسامح في حدّه الأقصى، أي رفض العنف تماما؛ حتّى تجاه من يسعى إلى تعنيفك. ما يفيد أنّ الأخ المسالم المتسامح لم تكن أخوّة النّسب دافعا لسلوكه، كما لا نتصوّره أن يهاجم شخصا "غريبا بالنّسب"؛ لو اعتدى عليه؛ لأنّ منطلقه في المسالمة قائم على التّآخي في معناه الشّامل. 

     هذا التّآخي يقوم على منع النّفس عن إلحاق الأذى بالآخر؛ مهما يكن الآخر، وذلك حفاظا على الجوهر المشترك بين البشر، ذلك أنّه في حال غياب التّسامح وردّ الفعل الفرديّ على كلّ خطأ يرتكبه الإنسان، فإنّ العالم قد  يتحوّل إلى ساحة وغى، يتقاتل فيها النّاس فيفني بعضهم بعضا. من هذه الوجهة نقرأ قول غاندي: "العيْن بالعيْن ويُصبح كلُّ النّاس عميانا". لو افترضنا أنّ كلّ من تصاب عينه من طرف شخص يصيب عين الآخر في سلسلة لا تنتهي، فالنّتيجة على المدى الطّويل هي أنّ البشر جميعا سيفقدون حاسّة البصر. إنّ التّآخي هو أن تستحضر الرّابطة اللاّمنظورة بين كلّ النّاس، فتغلّب التّعايش الجمعيّ على الغرور الفرديّ. التّآخي في هذا المستوى، هو التّسامح؛ بمعنى العفو عند المقدرة. فيُستبدل العنف بالسّلام ويستبدل الحقد بالعفو. وليس من الغريب، والحال تلك، أن يؤكّد القرآن في وصفه لصورة الجنّة الأخرويّة أنّ ما يحدّد الأخوّة هو أن تخلو القلوب من الغلّ. يقول الله تعالى، "ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخوانا على سرر متقابلين". وليس من الغريب أن يحيل أهل مكّة عند الفتح على التّآخي بصفته أساس التّسامح. فالخبر ينقل أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم إذ قال لأهل مكّة بعد الفتح، "ما تظنّون أنّي فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم".

 إنّ الأخوّة هنا تتجاوز معنى أخوّة النّسب؛ لتحيل على التّآخي بالمعنى الإنساني الواسع. هذا ما كان يتوقّعه أهل مكّة، وقد جسّمه الرّسول الكريم أحسن تجسيم؛ عندما تسامح معهم وعفا عنهم، مستلهماً قول الله تعالى، "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين".

ولعلّنا نتبيّن هنا أنّ الرّسول يؤكّد في سلوكه العمليّ مع أهل مكّة من المشركين، ما كان أشار به شفويّا على الرّجل، الّذي أتاه بقاتل وليّه، فقال له عليه الصّلاة والسّلام: اعف عنه، فأبى، فقال: خذ الدّية فأبى، فقال: اذهب فاقتله فإنّك مثله.

إنّ التّآخي في هذا المستوى يشيع العفو، والعفو هو من وجوه التّسامح، الّتي تنأى بالنّاس عن التّقاتل والصّراع، وتؤكّد أنّ الانتقام وردّ الفعل لا يزيدان إلاّ في إذكاء نار العنف والحقد والكراهية.

  • الغير المختلف أو الهشاشة البشريّة الجوهريّة:

   سواء أخطأ الآخر تجاهك أو لم يخطئ، ومهما يبدو لك الآخر منتميا إلى دين مختلف، أو موسوما بلون مختلف، أو حاملا ثقافة مختلفة، فإنّ في الغير شيئا مّا يذكّرك دوما؛ بأنّه - بشكل من الأشكال- أنت.

اختلافاتنا الصّغيرة والكبيرة، خلافاتنا البسيطة والعميقة، تتخلّلها حقيقة واحدة، ننساها حينا ونتناساها أحيانا، ولكنّها قائمة دوما. هذه الحقيقة هي أنّنا جميعنا بشر فانون. هذه هي الهشاشة البشريّة الّتي نشترك فيها كلّنا. وقد اشتغلت فلسفة ليفيناس (Lévinas) على هذه الهشاشة الجوهريّة، وعبّر عنها رمزيّا بالوجه. الوجه هنا لا يحمل معناه المادّيّ، عينين وأنفا وشفتين وأذنين، وإنما الوجه هنا أعمق، فالوجه عند ليفيناس هو المحمل الرّوحانيّ، الّذي يحدّد الهويّة البشريّة. تنقل لنا كثير من الحكايات، أنّه من العسير أن يقتل شخص شخصا آخر وهو ينظر في عينيه، وكأنّ نظرة المعتدى عليه تقول للمعتدي، "أنا بشر مثلك، وأنت إذ تقتلني أو تعتدي عليّ إنّما تقتل البشريّة المشتركة بيننا. إنّك في واقع الأمر تقتل نفسك". لهذا السّبب أيضا تجد كثيرا من النّاس ميّالين إلى الغيبة؛ بما فيها من قتامة أكل لحم الأخ ميتا. ولكنّ الغيبة عندهم أخفّ الضّررين؛ إذ أنّهم يجدون صعوبة في مواجهة الآخر بعيوبه في "وجهه"، وكأنّ اللّقاء المباشر يغلّب الجامع بين النّاس على ما يفرّق بينهم.

يقول ليفيناس، "إنّ موضعك كإنسان يفيد بالضّرورة التّآخي وفكرة الجنس البشريّ". ومن هنا يكون المشترك البشريّ بيننا هو قوام التّآخي.  ولعلّ أقصى درجات الوعي بهذا المشترك، هي أن يغيب التّمييز بين الأنا والآخر. أليس أنّ المؤمن مرآة أخيه كما يقول الرّسول الأكرم؟ طبعا لا نعني بغياب التّمييز بين الأنا والآخر فقدانا للهويّة الفرديّة، ولكنّنا نعني به؛ انتقالا من الهويّة الفرديّة الأنانية المنغلقة؛ إلى الهويّة الجمعيّة المنفتحة، القائمة على العطاء.

وهكذا لا يكون التّآخي فحسب أساسا للإيمان وإنّما يغدو شرطا له. يقول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه". إنّ التّآخي يفتح باب التّسامح، فأن يكون الآخر وجها آخر من ذاتك، يجعلك تحبّ له الأفضل وتغفر له الأسوء، وأن يكون الآخر وجها آخر من ذاتك، يجعلك تقبله بتناقضاته وصفاته، خصالا وعيوبا؛ بالضّبط، مثلما تقبل ذاتك؛ بتناقضاتها وصفاتها السّلبيّة والإيجابيّة.

    وهكذا يتبين لنا ممّا سبق، أنّ للتّآخي وجوها مختلفة، قائمة على عدم الحكم على الآخر، أو على العفو، أو على استحضار المشترك البشريّ، وهذه الوجوه جميعها هي أساس التّسامح. وليس من المبالغة في شيء أن نقرّ أنّ المتسامح هو المستفيد الأوّل من التّسامح. فمن له قلب مليء حقدا وكراهية وأنانية؛ سيكون أوّل المكتوين بنار الحقد والكراهية والأنانية. لذلك نجد الله تعالى يؤكّد أنّ التّآخي من نعمه عزّ وجلّ، "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا". صحيح أنّ هذه الآية في قراءتها الخصوصيّة تحيل على الأوس والخزرج، لكنّها في قراءتها العامّة تشمل جميع البشر وتؤسّس للتّآخي والتّسامح بين البشر. وتذكّر بأنّنا جميعا، مهما نتنوّع وتتضارب مصالحنا الآنيّة البسيطة، مجرّد أشكال عرضيّة متعدّدة، تشير جميعها إلى الواحد الأحد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية