التسامح في الأقوال الدارجة والأمثال الشعبية السائرة على ألسنة الناس

       التسامح فضيلة حضارية وإنسانية بامتياز. وهذا ما يجعلها إحدى القيم الضرورية للعيش المشترك؛ بل للتعايش الإنساني السعيد؛ كونها على صلة وثيقة بفلسفة الأخلاق وعلم الاجتماع والثقافة السياسية والقانونية والحقوقية، وبخاصة في العصر الحديث؛ حيث صار يعني قبول الآخر المختلف برحابة صدر، والتعايش معه بصورة طبيعية؛ دون غضب من فكره أو استياء من معتقده.

       بعيداً عن التنظير أو التأطير المعرفي، وبعيداً عن التفلسف بالمفهوم وحمولاته الدلالية والمعرفية، نجد أن قيمة التسامح تتميز بحضور لافت في الأمثال الشعبية في مختلف الثقافات، حيث تدرج على ألسنة الناس بعفوية فطرية خالصة النقاء مكتملة البهاء؛ لأنها تعبر عن صفاء الروح، وتستجيب للوجدان أو الناموس الإنساني في نزوعه المطلق إلى الجمال والمسرة.

       ولما كانت الأمثال مِلح الأقوال، كان لا بُدَّ أن تختزل خلاصة تجارب الناس، وتقطر خبراتهم، وتبلور أفكارهم وتصوراتهم عن الحياة والوجود؛ بحكمة آسرة وفلسفة ساحرة. وتتزايد غواية الأمثال وتشتد سطوتها على الوعي والمخيلة؛ عندما تقارب فضاءات التسامح وعوالمه الأثيرة. فيسكبها الحكماء بمقولات رائقات، تليق بعذوبة المعنى ورهافة دلالاته، الأمر الذي يجعل منها مقولات خالدة في الوعي والذاكرة الإنسانية على مَرِّ الأيام وكَرِّ السنين. ذلك لأن المثل الشعبي شأنه شأن الإنتاج الأدبي، فهو "ليس انعكاسا بسيطاً للوعي الجماعي الواقعي، ولكنه يميل دائما إلى أن يبلغ درجة عالية من الانسجام، تعبر عن الطموحات التي ينزع إليها وعي الجماعة، التي يتحدث الأديب باسمها.

 ويمكن تصور هذا الوعي؛ كحقيقة موجهة؛ من أجل حصول الجماعة المذكورة على نوع من التوازن في الواقع الذي تعيش فيه"، حسب تعبير لوسيان كولدمان.

       ونظن أن قيمة التسامح تزداد حضوراً في الأمثال الشعبية العربية؛ أكثر من غيرها من الأمثال والثقافات؛ لأن مشيئة الأقدار أرادت لهذه المنطقة أن تكون ملتقى حضارات وتلاقح ثقافات؛ منذ فجر التكوين، هذا من جهة أولى، ومن جهة أخرى، شاءت الأقدار لهذه المنطقة أن تكون مهد الوحي ومهبط الديانات السماوية ورسالاتها التوحيدية السامية، التي لعبت الدور الأول في غرس بذرة القيم الأخلاقية النبيلة في نفوس الناس، وأرست أسس ثقافة التسامح والوئام في المجتمعات العربية؛ بمختلف انتماءاتها العقدية. هذا فضلاً عن حقيقة أن منابت ومناهل الثقافة العربية، شكلت أهم حواضن قيم "مكارم الأخلاق"، التي كانت بمثابة دين وديدن العرب قبل الإسلام؛ بمئات؛ وربما بآلاف السنين. ولذلك يتميز حضور قيمة التسامح في الأمثال الشعبية العربية بخصوصية متفردة؛ سواء على مستوى البناء اللغوي، أو على مستوى المعنى والدلالة. ومثال ذلك قولهم، "أهل السماح ملاح".

       نلاحظ أن بناء المثل جاء رائقاً في التصوير ومحكماً في التعبير؛ بصياغة لغوية مقتضبة، بسيطة التركيب، سهلة التوقيع. ولكنها صياغة بليغة الدلالة ووجدانية المعنى، فلفظة "أهل" تحيل تلقائياً إلى الأهل الطيبين، أي العِشرة المتآلفة، أو العزوة المتناغمة، المشدودة إلى بعضها البعض؛ بوشائج باذخة في عقلانيتها وحميميتها؛ لأنها تجمع روابط القربى وعُرى المودة، المغزولة بدفء الألفة والمحبة. أما لفظة "السماح"؛ بالعامية، فهي ليست مشتقة من "السماحة" الفصيحة، أي الجود، وإنما تحيلنا بوضوح لا يحتمل اللبْس إلى "المسامحة"، أي الصفح والعفو الجميل عن المسيء أو المذنب أو المخطئ. وأما مسك ختام المثل، فلفظة "ملاح"، فهي مشتقة من ملاحة القسمات، أي من دقة الأوصاف ولطافة الألحاظ. ما يحيلنا إلى الجمال، وبخاصة أجمل الوجوه وأكثرها تحبباً وقرباً من القلب. وفي سمو التوصيف بالمثل، يكفي المعنى المجازي "ملاح" شرفاً وتسامياً؛ عندما يستعيره الشعر، بأبدع تصوير وأرق تعبير، كما خَلَّدَه قول الشاعر:

قل للمليحة بالخمار الأسود   ماذا فعلت بناسك متعبد.

       ولا يختلف الأمر كثيراً عن المثل الآخر، "المسامح كريم"، فمع بساطة التعبير ودقة التصوير، نجد مرمى القول، يرد المتسامح إلى الأصل الكريم بنفسه، المحمود بسيرته. وهذا المعنى يحيلنا ضمنا إلى آخر يقابله، إلى غير المتسامح، فهو ظلوم غشوم، أو بأقل تقدير، هو من منبت سوء. وخلاصة المثل تشجّع الإنسان على أن يكون من الفئة المحمودة في المجتمع، فئة كرام الناس، الفئة التي تصفح وتعفو عن الإساءة ولا تردها بمثلها. وكأن المثل يصنّف البشر إلى فئتين، فيعلي من شأن أهل الصفح والمسامحة، أو أهل السيرة المحمودة، وفي المقابل يضع من قيمة ومكانة الفئة الأخرى، غير المحمودة، أي أهل اللؤم والظلم.

       ومثل ذلك المثل القائل: الجار وإنْ جار. فالمثل يُعلي من قيمة الجار؛ حتى لو كان جائراً. ذلك لأن النفور ليس صفة إنسانية، وإنما هي نزعة بهيمية. أما الإنسان فيسعى للتجاور والتعايش أو التآلف؛ حتى لو اقتضت الجيرة المطلوبة تحمل الظلم أو الجور، فالصبر على الأذى والتسامح مع المؤذي أو المسيء، يساعد على تجاوز الجور، وربما يردع الجائر، ويحيله إلى ولي حميم، كما في قوله تعالى، "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم"، فالإحسان يورث الإحسان والحب يعطي الحب. وهذا أحد أجمل وجوه التسامح في الوعي العربي.

       والمثل الأخير يحيلنا إلى حقيقة مؤكدة، وهي أن الأمثال العربية شأنها شأن الأمثال الأخرى في الثقافات الإنسانية المختلفة، تأثرت بالقصص التراثية؛ بوجهيها الأسطوري والديني. ولذلك نجدها في جانب منها، تكرر أقوال الأنبياء ببلاغة شعبية مائزة. ما جعلها أقوالاً سائرة على ألسنة الناس؛ رغم اختلاف هوياتهم الدينية، أو تباين شرائحهم الاجتماعية ودرجات معرفتهم الثقافية، مثل قولهم، "إرحمو تُرحموا"، أو "إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، أو "اسمح يُسمح لك". وهي أحاديث نبوية شريفة، إلا أنها تتكرر على ألسنة الناس، وكأنها أمثال شعبية، تحث على السماحة واللين في التعامل مع الآخرين. ذلك لأن جميع الناس يعتقدون بالفطرة؛ أن المسامحة والصفح يستحقان صفح الله تعالى.

       وهناك العديد من الأمثال المطرزة بالتسامح، التي درجت على ألسنة الناس، وعبرعنها القرآن الكريم بصور رائقة، حيث وضعها بمنزلتين، سلوكية وتربوية. أما السلوكية فمثالها قوله تعالى، " وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا". وكذلك الأمر لدى أخوتنا المسيحيين في المنطقة العربية، حيث نجد بسطاءهم يرددون مقولة: "من ضربك على خدك الأيمن در له الأيسر"، ويعتبرونها مثلاً، وهي مقولة لسيدنا المسيح عليه السلام: لا تقاوموا الشر؛ بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا.

       ومن الأمثال العربية القديمة قولهم، "إذا نزّا بك الشرّ فاقعد". نزا بمعنى، تحرّك. ومعنى المثل إذا تحرك بك الغضب فكن حليماً، ولا تقدم على فعل الشر. ويضرب المثل في الحلم وكظم الغيظ، والتروّي في ردّات الفعل.

وكذلك مقولة، "العفو عند المقدرة من شيم الكرام"، فهي من الأقوال السائرة ولكنها أصبحت بمدارج الأمثال العامية. ومعناها؛ أن يكون الشخص قادراً على تنفيذ الانتقام، وإلحاق الأذى بالطرف الذي تسبب له بالإساءة ومجازاته، ولكنّه بالتسامي وكرم النفس يعفو ويصفح.

معانٍ باطنة

       ومن الأمثال العامية، ما يدعو للتسامح بطريقة مواربة، أو باطنة،  قد يُفهم منها معنى سلبي، ولكنها في الحقيقة تعبر عن فهم راق للتسامح، مثل قولهم : "إذا بدك تعيش عليك بالتطنيش"، فالمقصود "بالتطنيش" العامية، هو التجاهل أو التغافل؛ لأن الشر في فلسفة المتسامح؛ لا يستحق التوقف عنده، أو الرد عليه مطلقاً، فيقول المثل ضمناً: تسامى واجعل نفسك أكبر من الإساءة، بحيث لا تدع للشر فرصة تجرك إليه، وتغاضى عن المسيء أو تغافل عنه بشكل مقصود؛ كي لا يكدر صفوك وينغص عليك عيشتك، فالحياة نعمة؛ بل هبة من الله، نستحق أن نعيشها بفرح؛ دون كدر.

       ومثله أيضاً، المثل القائل، "الواعة الكبيرة بتساع الواعة الصغيرة"، فالمقصود بـ"الواعة" القدِر. ويعني المثل أن القِدر الكبير يتسع الصغير، أي أن صبر المتسامح وسعة صدره وكرم نفسه، يسمح له باستيعاب إساءة الجاهل أو غضب الأحمق، بمعنى آخر، المتسامح أكبر شرفاً وأسمى خلقاً، وأكرم نفساً، وبالتالي هو أعلى مرتبة ومكانة، ما يحتم عليه استيعاب الأصغر أو الأدنى مرتبة وأقل قدراً. ولذلك قالوا ايضاً، "لا يصل إلى العارفي كريمان"، فالعارفي بالعامية هو العارف بالأمور، أي قاضي الناس في الأزمنة السالفة، فاعتبروا أن الكريمين لا يحتاجان لقاض يسوي خلافاتهما؛ لأنهما بالأصل لا يختلفان، أو كرم أخلاقهما لا يسمح لهما بوصول الخلاف إلى اختلاف وعداوة، كذلك لا يصل إلى القاضي كريم ولئيم، فالكريم يتنازل للئم ويفض الخصام. ولكن يصل إلى القاضي لئيمان، فهما يحتاجان إلى من يقضي بينهما؛ لأن أي منهما لا يتنازل للآخر ولا يتسامح معه؛ لأن التسامح والعفو لا يقدر عليهما إلا من يثق بنفسه ويعتز بكرامته. فقبول الآخر على مساوئه، يدل على رفعة وتسامي في الخُلُق، وفي الوقت عينه هو تقدير لهبة الحياة، وتعبير صريح بالرغبة في عيشها بسعادة، بعيداً عن الأحقاد وردود الأفعال الحمقاء. ذلك لأن "الحياة أقصر من أن نقضيها في تسجيل الأخطاء التي يرتكبها غيرنا في حقنا، أو في تغذية روح العداء بين الناس"، كما يقول براتراند راسل.

       لا ريب أن التسامح صفة رائعة، تفيض من طهارة القلب ونقاء السريرة، وهي من مكارم الأخلاق، ومحامد الأفعال، التي يُؤجر عليها المتسامح في الدنيا والآخرة. وهو ما يحض عليه المثل الشعبي، "كن مظلوما ولا تكن ظالماً". فالمثل ينطلق من مفهوم ديني قائم على الإيمان بعدل الله وقدرته على ردّ الحق لأصحابه. وهو رفض للظلم بكل أشكاله، ولكنّ المتسامح يفضّل أن يكون مظلوماً على أن يكون ظالما، خوفاً من القصاص جراء ظلمه. ويبرر الوعي الشعبي ذلك بالمثل القائل: "الأرض الواطية تشرب ميتها ومية غيرها"، المقصود بالمثل أن الأرض المنخفضة، تأخذ حصتها وحصة غيرها من الأراضي المرتفعة؛ بحكم قانون جريان الماء؛ حتى لو حبس عنها؛ لأن الماء سوف يتسرب جوفياً إليها. ويحصل ذلك من دون جدال أو خصام أو عراك. وهو كناية عن التواضع، الذي يبدو وكأنه مفروض بحكم الأمر؛ كون التواضع ينتهي بالسلامة، ويحصل في نهاية الأمر على ما يستحق وزيادة.

الناظم الأخلاقي

       في الغالب الأعم، جاءت الأمثال الشعبية مشحونة بقيم إنسانية مختلفة، تجعلها أشبه بدستور أو قانون ثقافي اجتماعي، يساهم بقسط وافر في تنظيم حياة الفرد والجماعة؛ لأن للأمثال من الغواية المعرفية، والسطوة الفكرية والفلسفية، ومن الحضور والانتشار الشعبي، ما يؤهلها لتشكيل ضابطة قانونية، تسهر على حياة الفرد على كل المستويات الثقافية، الأخلاقية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. في حدود ما تشيعه بنية نصوصها الدلالية والرمزية من نواه وأوامر وتحريض ودوافع إنسانية؛ بالدرجة الأولى. ولكنها جميعها تلتقي على الناظم الأخلاقي في التعارف والتآلف، وإن عَزَّ ذلك، فغادر بالتي هي أحسن، كما يقول الشافعي:

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى     وفارق ولكن بالتي هي أحسن.

ومثله قول: سامح صديقك إن زلت به قدم، فلا يسلم إنسان من الزلل.  فالتسامح وتجاوز أخطاء الآخرين، ومقابلة الإساءة بالإحسان والعفو، يفترض أنه من بداهة الأمور؛ لأن الإنسان خطاء، فجلّ من لا يخطىء.

وبهذا يقول بشار ابن برد:

إذا كُنتَ في كُلِّ الأمورِ مُعاتِباً         صَديقُكَ لَمْ تَلقَ الذي لا تُعاتِبُه
فَعِشْ واحِداً أو صِلْ أخاكَ فإنَّهُ       مُقارِفُ ذَنبٍ مَرَّةً ومُجانِبُه
إذا أنتَ لَمْ تَشرَبْ مِرارا على القَذى  ظمئت وأيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه.

       لقد احتفظت الأمثال الشعبية العربية بمرتبة عالية لقيمة التسامح، وأعلت من شأن الإنسان المتسامح، رغم أن الشرائع الدينية والعادات والأعراف تُقر بحق الرد على الإساءة بمثلها؛ عملاً بمقولة، "العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم"، إلا أن الوعي الشعبي يقدم قيمة التسامح والعفو؛ لأن نزعة الخير أصيلة في فطرة الإنسان، وهي أسمى مراتب المروءة، كما يقول أحمد شوقي:

تسامح المرء معنى من مروءته         بل المروءة في أسمى معانيها

تخلّق الصفح تسعد في الحياة به        فالنفس يسعدها خلق ويشقيها

       ما يعني أن التسامح، إنما هو بكل معانيه، قيمة نبيلة وأصيلة، كامنة في فطرة الإنسان، تعود بالخير والجمال والمسرة للفرد والمجتمع على حد سواء، لا بل هو السبيل الوحيد؛ لبناء الإنسان المتناغم مع جيرانه، المتفاعل معهم بإيجابية؛ لصناعة المجتمعات الإنسانية المتحضّرة. وربما هذا ما يجعل "قيمة التسامح" من علامات الأنسنة الأولى، التي توصل إليها البشر بالسليقة أو بالفطرة الإنسانية، أو على الأقل من دون عناء كبير؛ كونها تتميز بحضور فاعل، وسطوة لافتة على الوعي الإنساني. وهو الأمر الذي جعل التسامح قيمة سائرة على ألسنة الناس، ودارجة في الأقول والأمثال الشعبية في كل المجتمعات الإنسانية، ومن ضمنها المجتمعات العربية؛ رغم ما تواجهه من عنف واحتراب وإرهاب وخراب في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا الأغبر.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية