التسامح وفلسفة الاختلاف

       نظرة ثاقبة مستنيرة لمشاهد الحياة وواقعها المتغير، تقودنا إلى حقيقة أن الاختلاف، أصل وجوهر في مختلف مناحي ما يحيط بنا، بل وفي ذواتنا قبل ذلك، وهو اختلاف يلبي في الوقت نفسه، لكل مختلف، احتياجاته المتنوعة، باعتباره، سنة كونية يحتاجها المختلفون، الذين يجدون في التعايش نهجاً ضرورياً ومنهجاً حتمياً؛ للبقاء المتسق مع الجبلة البشرية السوية.

       لقد اعتبر الفيلسوف اليوناني هيراقليط أن الاختلاف من طبيعة الأشياء، حيث يقول "من الاختلاف يأتي أجمل ائتلاف". ويتأتّى هذا الجمال في أحسن تقويم؛ حين نتسامح؛ لأن التسامح هو الاعتراف بحقيقة الاختلاف، الذي يتيح للأشياء راحتها؛ في أن تكون على أوجه اختلافها، الذي يهبها كينونتها ويضمن بقاءها.

       يتسم النوع البشري بالاختلاف الثقافي في الأعراف والتقاليد والعادات، والتنوع الفكري في الرؤى والمذاهب والفلسفات، والتعارض العقدي في الملل والنحل والمعتقدات، وقد شاء الله تعالى أن يجعل لكُلٍّ منا "شرعة ومنهاجا"، فكان الكائن البشري، هو الوحيد الذي تتعدد شرائع معايشه، فيتوجب عليه أن يتكيف قبل أن يتصرف في الأرض، فيصنع ويبدع ألوانا من الثقافات حسب بيئته، وأشكالاً من الروايات حسب تاريخه، وطرائق في التفكير حسب رؤيته للعالم، ولذلك لم يكن له نمط واحد من العيش، كما يقول تعالى: ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون.

       وأمام هذا التنوع والاختلاف في المعايش، صار من اللازم أن يتعايش الإنسان مع من يتقاسم معه الوجود بالمعية؛ بناء على هذا التنوع والاختلاف، ولا يحصل ذلك إلا بالتسامح، الذي ينمّ على سكينة روحية وعلى طمأنينة نفسية.

       وإذا صحّ أن الاختلاف حقيقة وجودية؛ قبل أن يصير حقيقة اعتبارية، صحّ معه أن الإنسان مدعو، إما للصراع من أجل البقاء، فيكون عليه بالتالي أن يفني عدوه، أو يتعايش معه فيضمن بقاءه الموقوف على التسامح، فهو لا يستطيع إلا ذلك؛ لأنه يحتاج لغيره؛ لاختلاف المعايش وتباين الحاجات وتعدد الخدمات، فلزم أن يتعاون من أجل المصالح الدائرة بينه وبين غيره. ذلك أن المنافع تدور بين الناس؛ حسب ضروراتهم الملحة، وحاجياتهم المتنوعة وكمالياتهم التحسينية.

       من هنا يتبدّى لنا أن التسامح ليس مجرد فضل يتفضّل به الواحد منا، وإنما هو ضرورة يدعو إليها الاختلاف، وتستلزمها موجباتُ التعايش. وهذا ما تميزت به فلسفة الاختلاف، التي أفرزت خطاب التعددية الثقافية والتنوع الفكري والاختلاف العقدي، فلم يعد مبدأ الفيلسوف جان لوك؛ "لنتسامح في ما لا يمكننا أن نمنعه" كافيا؛ بل إن فلسفة الاختلاف تذهب إلى حدّ الاعتراف المطلق بنسبية الحقيقة، الشيء الذي لا يُقبل معه ادعاءُ امتلاكها. ولهذا فإن العقيدة الصحيحة هي التي تكون أقوى تسامحا، وأكثر رحمة وأرسخ إيمانا؛ بطبيعة الاختلاف الذي أوجد الله عليه الكون.

 

 جوهر التسامح

       إننا لا نتعايش إلا بالقدر الذي نقرُّ فيه باختلافنا، وبالتالي بضرورة تسامحنا، فإذا صحّ أن المدلول الحقيقي للتعايش، هو استدامة حياة الإنسانية وصون بقاء النوع البشري، وإذا كان الإنسان اجتماعيا بطبعه، فليس من سبيل لتحقيق هذه الغاية التي تتمثل في التعايش؛ سوى بالاعتراف بحقيقة الاختلاف وبوجوب التسامح.

       يذهب بول ريكور إلى القول "أن التسامح لا يفيد أننا نسمح للآخر بأن يأتي من الأفعال ما لا نقبله، بل إن تسامحنا يبرهن بالخلف على كوننا لا نتسامح إلا إذا أقررنا بنسبية ما معنا من الحق". ورغم هذا المعطى المبني على التواضع، وعلى النسبية في الأمور الإنسانية، لا تزال البشرية تتخبط في الحروب وويلاتها، وتعْـمَه في البحث عن تنميط الثقافات وبسط الهيمنة على الفكر بلفظ التنوع الثقافي، والاختلاف الفكري والتباين العقدي.

       فرغم كوننا بتنا نشهد عصر العولمة، الذي حقق فيه النوع البشري تطوراً كبيراً على مستوى التواصل، ورغم أن هذا التقارب التواصلي صار يفرض الاعتراف بالاختلاف؛ لأن سياق العولمة أعلن عن انتماء جديد للإنسان إلى الزمان، بحيث أضحت تُطوى فيه المسافات، وتتقارب فيه الأرجاء، وتتفاعل فيه الأفكار والثقافات. لا تزال البشرية تحتاج إلى مزيد من الفهم والتفاهم من أجل التعايش القائم على التسامح والمؤمن بحقيقة الاختلاف.

       وإذا فحصنا تراثنا الإسلامي، فسنجد أن الشريعة الإسلامية قامت على مبدأ التيسير، ورفع الحرج والرفق بالناس، ودعت إلى العفو والصفح والتعامل بالمعروف، الذي لا تمُجُّه الفطرة السليمة. لذلك كان توصيف الإسلام بالحنيفية السمحة، يدلّ على السماحة التي من معانيها الكرم وعدم التّشدد أو الشّطط؛ وقد بيّن الذكر الحكيم أن الاختلاف آية كونية، يجب مراعاتها بالحرص على الألفة والإيلاف، كما اعتُبر الاختلافُ عند النُّظّار المسلمين رحمة، فجعلوا من الحكمة مراعاة الاختلاف فلا نقيس مع وجود الفارق، ولا نعمِّم أمراً من غير موجب.

طريق التعايش

       تدخل القيم الإسلامية تحت مسمى التسامح إذ من الحكمة أن نراعي الاختلاف، ومن الرحمة أن تتعدد الفهوم وتتباين المقاصد توسعةً على العقول من أجل درْك جانب من الحقيقة، ومن العدل ألا نبخس الناس حقّهم في الاختلاف فنحترم رأيهم وشِرعتهم، ومن المصلحة أن نتسامح لكي نتعايش.

       يبدأ التسامحُ، أول ما يبدأ في النفوس، ذلك أن الأنفس الشحّ، تأبى أن تتسامح وبالتالي أن تتصالح. فإذا كانت الأشياء الصّماء تتواجد وتقبل اختلافها الطبيعي؛ فمن باب أولى أن أن يكون الإنسان، وهو الكائن العاقل، متصالحاً مع نفسه، حتى يتصالح مع غيره؛ وإذا كان الخوف يُضاد الأمن والسكينة، فإنه حالة مقلقة لراحة القلب والبدن. ولذلك تمثل حالة التسامح مع الذات، ومع الغير، حالة من الطمأنينة والسلام الداخلي والخارجي.

   وإذا كانت الأشياء، كما قال هيراقليطس، تجد راحتها في الاختلاف، وكان التسامح إقرارا بالاختلاف، فلا غرو أن في التسامح راحة للقلب والبدن، تشعّ من الأنفس وتسطع على المجتمع؛ مهما كان هذا المجتمع مركبا من أفراد، تنوعت ثقافاتهم وتباينت عاداتهم واختلفت عقائدهم.

       إن المجتمع المؤلف، سواء من طوائف مختلفة، أو من أقليات عرقية، أو من ملل وعقائد متباينة، هو المجتمع الذي نختبر فيه مدى التسامح، ونكشف فيه عن الحاجة إليه؛ من أجل استدامة الحياة، وبالتالي من أجل التعايش. فلما كان الاختلاف يمثل حقيقة الوجود، وجب أن نتأمل مليّا كيف يدعو الاختلاف إلى التسامح بل ويستوجبه لجلب طمأنينة الأنفس واستقرار المجتمعات، وطيبة العيش والتعايش.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية