في بعض مفارقات التسامح وضروراته

     من الشائع تناول فكرة التسامح، وغيرها من المواضيع الأخلاقية، بطريقةٍ أخلاقويةٍ أو دعويةٍ تشيد بالتسامح، أو بغيره من القيم، وتحض عليه، وتبرز مدى أهميته وضرورته. ومن دون التقليل من أهمية هذه المقاربة وقيمتها، العملية والنظرية، الأخلاقية والمعرفية، فمن الضروري التشديد على أهمية حضور مقاربةٍ أخرى، لا تقوم - بالدرجة الأولى- على الوعظ والتبشير، وإنما على التحليل النقدي؛ لفكرة أو قيمة التسامح، من أجل الوصول إلى فهمٍ متوازنٍ لدلالتها وأبعادها، الإيجابية والسلبية، على حد سواء.

 

     للقيام بتحليل نقدي، وتحصيل فهم متوازن الدلالة والأبعاد، يتكامل مع المقاربات الأخلاقوية الدعوية، سنركز في الجزء الأكبر من هذا المقال على فهم المفارقات التي يتضمنها مفهوم التسامح، والصعوبات التي يمكن أن تواجه تجربة التسامح، والسلبيات التي يمكن أن تكون محايثةً أو ملازمةً لهذه التجربة، قبل أن نوجز، في النهاية، بعض أسسه الأخلاقية. ولا تروم مقاربتنا معارضة المقاربة الدعوية، بل التكامل معها، والإسهام في التأسيس المعرفي المتين لها. ولأجل إنجاز ذلك الهدف، سنتناول التسامح عمومًا، بوصفه تجربةً فينومينولوجيةً فرديةً معيشةً، في محاولةٍ لإبراز الأبعاد، النفسية والمعرفية والأخلاقية، الإيجابية والسلبية، التي يمكن أن تتضمنها هذه التجربة.

       يتضمن التسامح عددًا من المفارقات. والمقصود بالمفارقة paradox هنا هو التناقض الظاهري في فكرةٍ ما، والذي يحيل على تناقضٍ ما مع رأي شائع أو سائدٍ، في خصوص موضوعٍ ما. ففي المفارقة، هناك دائمًا انقسامٌ أو تناقضٌ أو عدم انسجامٍ ما، بين طرفين. وسنلاحظ، في ما يلي، أن التسامح مسكونٌ دائمًا بهذه الثنائيات المتنافرة، في مختلف أبعاده أو جوانبه أو تجلياته. وعلى الرغم من شيوع الحديث غالبًا عن وجود مفارقةٍ واحدةٍ في مفهوم التسامح، إلا أننا سنبين وجود مفارقاتٍ عديدةٍ، في هذا المفهوم، وفي ممارسته، على حدٍّ سواءٍ. ومن الضروري أو المفيد البدء بتوضيح المعنى الأولي والعام للتسامح.

       يشير مفهوم التسامح إلى قيام طرفٍ ما بما يتراوح بين القبول الإرادي، على مضضٍ، والتقبل الطوعي، بكل طيب خاطرٍ، لأمرٍ ما أو طرفٍ آخر، على الرغم من وجود نفورٍ نفسيٍّ تجاه هذا الأمر أو الطرف، أو وجود تقييم أخلاقيٍّ أو معرفيٍّ، سلبيٍّ له، لدى الطرف الأول، وعلى الرغم من امتلاك الطرف الأول القدرة الفعلية على عدم التسامح مع الطرف الثاني، أو عدم السماح بحدوث هذا الأمر أو بوجوده. ووفقًا لهذا التعريف، يختلف التسامح عن التعصب، من جهةٍ أولى، وعن الخضوع القسري للآخر، من جهةٍ ثانيةٍ، وعن اللامبالاة، من جهةٍ ثالثةٍ. ومن المفيد الإشارة إلى الاختلاف الكبير بين التسامح والمسامحة على الرغم من جذرهما اللغوي المشترك. فعلى خلاف التسامح، تعني المسامحة الصفح عن خطأ قام به الآخر في حقنا سابقًا.

       تتمثل المفارقة الأولى في أن التسامح يقتضي أن نساوي، في المعاملة، بين طرفين غير متساويين، ولا ينبغي، من منظورٍ ما، أن يكونا متساويين. فمع التسامح، نحن نساوي، في المعاملة، بين ما نستحسنه أو نستسيغه، وما نستهجنه أو ننفر منه أو بين ما نراه حقًّا وما نراه باطلًا، أو بين ما نراه خيرًا وما نراه شرًّا. وعلى الرغم من أن تلقائيتنا النفسية والمعرفية والأخلاقية، تتجه نحو إظهار تفضيلنا للطرف الأول، ونفورنا من الطرف الثاني، ورفضنا وعدم قبولنا له، فإن التسامح يجعلنا نعامل الطرفين معاملةً متساويةً، جزئيًّا ونسبيًّا، ومن حيث المبدأ، على الأقل. وليس سهلًا على النفس، وعلى التقييم الأخلاقي والمعرفي الأولي، قبول هذه المساواة وممارستها وتسويغها. ولهذا لا يتأسس التسامح على هذا المستوى النفسي أو الأخلاقي والمعرفي الأولي، وإنما على تفكرٍ وقيمٍ أخلاقيةٍ ومعرفيةٍ مختلفةٍ. ولا تفضي هذه المساواة إلى صعوبة تقبل التسامح، أو صعوبة التسامح مع التسامح فحسب، بل يمكن أن تشكل أساسًا أو منطلقًا للتشكيك في مدى أخلاقية التسامح ذاته.

       ويمكن للتشكيك في أخلاقية التسامح أن يتخذ من مفارقةٍ ثانيةٍ نقطة ارتكازٍ له. وفي هذه المفارقة الثانية من مفارقات التسامح، نجد أن مفهوم التسامح؛ رغم أنه قد أصبح يحظى بسمعة طيبةٍ عمومًا، إلا أنه ليس نادرًا أن يتأسس ما نسميه تسامحًا على قيمٍ وأمورٍ أخلاقيةٍ سلبيةٍ. فمثلًا قد يتسامح شخصٌ ما مع مخاطبة شخصٍ، أسود البشرة أو هندي الأصل، له بنديةٍ، على الرغم من نظرته العنصرية الدونية لهذا الشخص. ففضيلة التسامح هنا متأسسة على رذيلة العنصرية؛ ولولا وجود هذه العنصرية، ما كان هناك ضرورة لوجود التسامح أصلًا، أو ما كان لفعله هذا أن يسمى تسامحًا أصلًا. لهذا ينبغي لنا أن نفحص نقديًّا ما نسميه تسامحًا، وأن نكشف عن الافتراضات والقيم المتضمنة فيه. فلماذا نرى في فعلٍ ما تسامحًا؟ هل ما نتسامح معه هو أمرٌ سلبيٌّ فعلًا، ويستحق أن ننفر منه أو أن نعتبره سيئًا، من ناحيةٍ أخلاقيةٍ أو معرفيةٍ؟ هل لدينا فعلًا القدرة على منع هذا الأمر؟ فمن دون امتلاك هذه القدرة، لا يكون فعلنا تسامحًا.

       لا ينبغي للمفارقتين السابقتين أن تعطيا الانطباع بأننا نقلل من قيمة التسامح، أو ننكر هذه القيمة وأهميتها؛ على العكس من ذلك تمامًا، نحن نعتقد أن إبراز الصعوبات التي تواجه عملية التسامح، ينبغي أن تسهم في زيادة قيمة التسامح، وأن تبين الضرورات النظرية والعملية والأخلاقية التي يمكن أن تدفع الناس إلى ممارسته والترويج له والإشادة به، على الرغم من إمكانية وجود صعوباتٍ أو إشكالياتٍ، نفسيةٍ وأخلاقيةٍ ومعرفيةٍ، كثيرةٍ وكبيرةٍ، تواجه فعل التسامح وسيرورته، وليس بسبب غياب مثل هذه الصعوبات.

       المفارقة الثالثة التي يتضمنها مفهوم التسامح تكمن في أن التسامح يعني أن نقبل أو نتقبَّل إراديًّا أمرًا ما، على الرغم من نفورنا الجزئي والنسبي منه، ورفضنا الأولي له. أن نقبل أو نتقبل ما نرفضه أو لا نستحسنه، هذا ما تتضمنه تحديدًا هذه المفارقة. ويحيل هذا الأمر على مفارقةٍ، لأنه في حين أنه يُفترض أن يفضي نفورنا النفسي أو تقييمنا الأخلاقي أو المعرفي السلبي، لأمرٍ ما، إلى رفض هذا الأمر وعدم تقبله أو حتى قبوله، فإننا مع التسامح، لا نقبل أو نتقبل هذا الأمر فحسب، بل ونشيد أيضاً بهذا القبول أو التقبل، ونرى فيه فضيلةً أو قيمةً أخلاقيةً إيجابيةً. وانطلاقًا من ذلك تحديدًا، يمكن أن نفهم لماذا رأى نيتشه في التسامح "إنكارًا للذات". لكن كيف نسوغ قبول ما يبدو، للوهلة الأولى على الأقل، أنه مرفوض أو ينبغي رفضه. ألا يتضمن مفهوم التسامح، بحد ذاته، تسويغًا ذاتيًّا أو إجابةً عن سؤال: لماذا نتسامح؟، أو لماذا ينبغي لنا أن نتسامح؟.

   للحصول على فهمٍ أكبر لهذه المفارقة، وللمفارقتين الأخريين، ينبغي التشديد مبدئيًّا على أن رفضنا المبدئي لما نتسامح معه، يقع في مستوىً مختلفٍ عن مستوى تسامحنا معه. فقد نشعر بنفورٍ من شخصٍ ما، أو نرى فيما يقوله أو يفعله ذلك الشخص أمرًا غير مقبولٍ، من الناحية الأخلاقية أو المعرفية، لكننا مع ذلك قد نتسامح مع هذا الشخص ومع ما يفعله؛ لاعتقادنا بأنه، انطلاقًا من احترامنا المبدئي والضروري، لشخصه، ينبغي أن نقرَّ بحقه في أن يختلف معنا، في هذا الخصوص، فليس من حقنا منعه من التعبير عن ذاته؛ بغض النظر عن نفورنا من اختلافه عنا، وتقييمنا السلبي لهذا الاختلاف، أو على الرغم من هذا النفور، وذلك التقييم السلبي.

ويمكن للمفارقة الثالثة أن تتكثف في مفارقةٍ رابعةٍ تتعلق تحديدًا بلا أخلاقية التسامح؛ بسبب لا أخلاقية ما يُتسامح معه. فهذه المفارقة الثالثة تشكك في أخلاقية التسامح، لكونه يتضمن قبول أو تقبل أمورٍ يُعترف بأنها لا أخلاقية. فإذا وضعنا جانبًا العوامل والحالات النفسية (النفور من أمرٍ أو شخصٍ ما)، فإن ما نتسامح معه، ينبغي أن يكون، من حيث المبدأ، ومن منظورنا، أمرًا سيئًا بالمعنى الأخلاقي أو المعرفي.

        فالمفارقة الرابعة تكمن تحديدًا في أن ما نتسامح معه هو، من وجهة نظرنا، أمرٌ منافٍ لما هو خيرٌ أو حقٌّ. فكيف يكون أخلاقيًّا التسامح مع ما هو غير أخلاقيٍّ؟

كما هو الحال في كل مفارقات التسامح، تُعالج هذه المفارقة من خلال التمييز بين مستويين، بحيث يتم التشديد على أن أخلاقية التسامح، مع ما هو غير أخلاقيٍّ، تحصل في مستوىً مختلفٍ عن المستوى الذي يحصل فيه الحكم بلا أخلاقية ما يُتسامح معه. فعلى سبيل المثال، قد نرى في عدم إيمان الأشخاص الآخرين بالعقائد الدينية التي نؤمن بها أمرًا سلبيًّا، من الناحية الأخلاقية والمعرفية، فنحكم بأنهم على ضلالٍ أو ضلالةٍ. ومع ذلك، فإننا، انطلاقًا من قيمٍ أخرى، في منظومتنا الأخلاقية أو الدينية أو المعرفية؛ بوصفها كلًّا، نرى أن قبول، أو تقبُّل، اختلافهم الديني أو غير الديني عنَّا، هو أمرٌ محمودٌ وأخلاقيٌّ  وواجبُ علينا القيام به. لكن، إذا كان ممكنًا التسامح مع ما هو غير أخلاقيٍّ، والنظر إلى ذلك على أنه أمرٌ أخلاقيٌّ، فهل يعني ذلك أخلاقية كل قبولٍ أو تقبُّل لما هو غير أخلاقيٍّ؟ للإجابة عن مثل هذا السؤال، لا بد من التطرق إلى مسألة "حدود التسامح".

       ويمكن لحدود التسامح أن تكون أخلاقيةً أو معرفيةً أو سياسيةً أو اجتماعيةً ... إلخ. ويمكن للتسامح في ميدانٍ معينٍ أن يساعد على التسامح في ميادين أخرى، لكن يمكن في المقابل، أن يحصل التسامح في ميدانٍ، وينتفي هذا التسامح في ميدانٍ آخر. ففي "رسالة التسامح" لجون لوك، التي تعد من النصوص الرائدة وبالغة الأهمية في التأسيس لمفهوم التسامح الليبرالي المعاصر، نجد أن التسامح الديني الذي نادى به لوك قد ترافق مع لا تسامحٍ سياسيٍّ، أو كان محدودًا بحدودٍ سياسيةٍ صارمةٍ. والأسباب السياسية، لا الدينية، هي التي جعلت لوك يستثني الكاثوليك والملحدين من "تسامحه". فقد قال بعدم التسامح مع هذين الطرفين، بسبب عدم إمكانية الوثوق بالطرفين، وذلك نتيجةً لولاء الكاثوليك للبابا في روما، ولعدم القدرة على ضمان أخلاق الملحدين، لمجرد أنهم ملحدين!

       يتضمن الحديث عن حدود التسامح مفارقةً خامسةً مركبةً من مفارقتين متداخلتين: المفارقة الأولى المكوِّنة لهذه المفارقة الخامسة تتعلق ﺑ "التسامح اللا محدود"، وهي تنصُّ على أن التسامح سينتهي أو سيستحيل، في حال كان لا محدودًا. فلا يمكن للتسامح أن يكون مطلقًا أو غير محدودٍ؛ لأن وجود مثل هذا التسامح ، يعني التسامح مع كل أشكال التعصب أو اللا تسامح. وفي حال حصول ذلك، فإن التسامح سيقضي على نفسه، من خلال تسامحه مع التعصب الذي سيقضي عليه. وعلى هذا الأساس نفهم عبارة أو شعار"لا تسامح مع أعداء التسامح".

       المفارقة الثانية المكونة لهذه المفارقة الخامسة تتعلق ﺑ "التسامح المحدود". للتخلص من الإشكاليات والمشكلات التي يثيرها مفهوم التسامح اللا محدود وممارسته، يتم التشديد على ضرورة وجود حدودٍ ما للتسامح. وتتمثَّل الحدود الأهم للتسامح في التعصب أو اللا تسامح تحديدًا. وعلى هذا الأساس، لا يُتسامح مع اللا تسامح. لكن ذلك يفضي إلى تحول التسامح إلى نقيضه، أي إلى لا تسامح. وإذا انطلقنا من أن اللا تسامح هو رذيلةٌ، فإن السؤال الذي يطرح ذاته هنا هو:  كيف يحتفظ التسامح بسمة الفضيلة الأخلاقية الإيجابية، على الرغم من أنه قد أصبح لا تسامحًا؟

       تثير هذه المفارقة الأخيرة عادةً المقاربةُ التفكيكيةُ لمفهوم التسامح. وفي مواجهة هذه المفارقة، وتلك المقاربة، من الضروري التشديد على أمرين أساسيين: من المهم، من ناحيةِ أولى، التمييز أو إظهار التمايز بين نوعين، على الأقل، من اللا تسامح: اللا تسامح مع التسامح، واللا تسامح مع اللا تسامح. ففي حين أن اللا تسامح مع التسامح هو رذيلة وأمرٌ سلبيٌّ عمومًا، يكون اللا-تسامح مع اللا-تسامح أمرًا مقبولًا ومسوَّغًا غالبًا، وقد يرقى إلى مرتبة الفضيلة الأخلاقية أيضًا. وقد ألمحنا سابقًا إلى أن التسامح ليس فضيلةً أو رذيلةً بحد ذاته، بل إن معناه وقيمته، من الناحية الأخلاقية، يتحددان، استنادًا إلى أسس التسامح المعني وما يتم التسامح معه، وأسباب هذا التسامح وغاياته وسياقاته ... إلخ. وينطبق الأمر ذاته على مفهوم اللا تسامح. وانطلاقًا من ذلك، لا يبدو تناقضًا القول إن اللا تسامح مع التسامح أمر سلبيٌّ غالبًا، في حين أن اللا تسامح مع اللا تسامح هو أمرٌ إيجابيٌّ غالبًا. ونحن لا نطلق حكمًا عامًّا جازمًا، في الحالتين، لأننا ندرك مدى تبعية مفهومي التسامح واللا تسامح للسياقات التي يطبقان فيها، وللمفاهيم والقيم الأخلاقية الأخرى المتصلة بكلٍّ منهما. وإذا كانت القيمة الأخلاقية الإيجابية للتسامح تعتمد على القيم التي يرتبط بها، فما هي هذه القيم؟ وما الداعي الأخلاقي و/ أو غير الاخلاقي للتسامح؟ وبكلماتٍ أخرى، لماذا ينبغي لنا أن نتسامح مع بعضنا البعض، على الرغم من وجود عوامل وأسباب عديدةٍ تدفعنا لعدم التسامح؟

       قبل الإجابة عن مثل هذا الأسئلة، من المفيد التمييز بين التسامح مع الاختلاف المعرفي، والتسامح مع الاختلاف الأخلاقي. وإذا اقتصرنا على الجانب المعرفي، يبدو أن التسامح، في هذا الميدان، مرهونٌ بمدى حضور الريبية أو الشكوكية أو عدم اليقينية؛ فكلما كانت هذه الريبية أو الشكوكية أضعف وتلك اليقينية الدوغمائية أقوى، كانت إمكانية التسامح المعرفي أضعف. وانطلاقًا من مفهوم الحقيقة ومن رؤية ترنسندنتالية له، من الضروري الإقرار أن الاعتقاد بأي حقيقة يتضمن بالضرورة نفي حقيقة المعارف المخالفة لهذه الحقيقة أو المتناقضة معها، وعدم التسامح معرفيًّا مع مضمونها. ويبدو ذلك جليًّا، عند اندراج الحقيقة في نسق أيديولوجيٍّ عقائديٍّ، كما أشار محمد عابد الجابري عند تناوله لمفهوم التسامح في كتاب "قضايا في الفكر المعاصر". في المقابل يمكن التسامح مع الاختلاف من زاويتين: معرفية وأخلاقية.

       يتبنى التسويغ المعرفي للتسامح رؤية نسبوية غالبًا. وتقوم هذه الرؤية على ما يمكن تسميته ﺑ "نظرية الحقيقتين". فإضافةً إلى الاعتقاد بهذه الحقيقة الجزئية أو تلك، وما يتضمنه هذا الاعتقاد من نفي للحقائق الأخرى المخالفة لها أو المتناقضة معها، يمكن للإنسان المتسامح معرفيًّا مع الاختلاف المعرفي أن يتبنى رؤيةً عامةً تقول بمنظورية حقائقنا ومعارفنا، بحيث لا يمكن لمنظورٍ واحدٍ أن يستنفد الحقيقة المعرفية في أي موضوعٍ. ومن الواضح التوتر والتنافر، الجزئي والنسبي، بين الاعتقاد المتعين بحقيقةٍ جزئيةٍ ما، والاعتقاد بتلك الرؤية العامة عن منظورية المعرفة والحقيقة. لكن لحل هذا التوتر أو تجاوزه، تجاوزًا جزئيًّا ونسبيًّا على الأقل، ينبغي الانتباه إلى أن الحقيقتين تحيلان على مستويين مختلفين؛ فلدينا، من ناحيةٍ أولى، مستوى الحقيقة المختصة بواقعةٍ أو فكرةٍ جزئيةٍ معينةٍ، ولدينا من ناحيةٍ ثانيةٍ، مستوى "حقيقة الحقيقة أو الميتا-حقيقة، الذي يتناول المستوى الأول. ولا يمكن الحديث عن وجود تناقض ٍ فعليٍّ بين الحقيقتين، لأنهما يقعان في مستويين مختلفين.

إضافة إلى الأساس المعرفي للتسامح، أو بعيدًا عن ذلك الأساس، ينبني التسامح غالبًا على أساسٍ أخلاقيٍّ أو عمليٍّ يتراوح بين التسامح القائم على المصلحة أو الضرورات العملية أو السياسية، أو الخوف، أو الرغبة في الأمان، إلى أن يبلغ أعلى درجاته القيمية في التسامح الذي يتخذ شكل الاعتراف، كما أوضحت الفيلسوفة الإيطالية آنا إليزابيتا غاليوتي Anna Elisabetta Galeotti في كتابها المهم "التسامح بوصفه اعترافًا Toleration as Recognition". والتسامح بوصفه اعترافًا يتضمن الإقرار بحقوق الآخرين، وبحقهم في ان يكونوا، وبحقهم في ان يكونوا مختلفين. التسامح هنا هو إقرارٌ بحقِّ الآخر أكثر من كونه تساهلًا في حقوق الذات أو تخليًّا عن هذه الحقوق. وبين هذين القطبين، يمكن أن نجد التسامح الذي يتخذ شكل القبول، على مضضٍ، أو"السماح ﺑ" أو "إعطاء الإذن"، أو التسامح القائم على كرم الشخص أو لطفه أو رحابة صدره، أو ذلك القائم على الاحترام أو على التقدير.

       وفي"التسامح الحق" أو "التسامح في أعلى درجاته" يندمج الأساسان المعرفي والأخلاقي ويتكاملان. ومن هنا نفهم تمييز بديع الكسم – في الكتاب الذي يحمل اسمه "بديع الكسم" – بين "التسامح الكاذب"، القائم على المساومة، و"التسامح الحق"، بوصفه تقريرًا "لحقيقة عليا تؤكد قيمة الإنسان وحقَّه في التفكير". فلتجاوز الرؤية الغوتية (نسبة إلى غوته) الشائعة، التي ترى في التسامح إهانةً، لا بد من ربط التسامح بقيمٍ أخلاقيةٍ ساميةٍ. وهذا ما فعله مثلًا محمد عابد الجابري، في كتابه المذكور آنفًا،  حين استند إلى ابن رشد، ليبين ضرورة أن يدخل مفهوم العدل في التسامح، بحيث لا يقتضي ذلك المساواة فحسب، بل يقتضي أيضًا إعطاء الأولوية للغير داخل هذه المساواة.

       التسامح الحق"، التسامح العادل"، التسامح بوصفه اعترافًا"، هي أسماء مختلفة للتسامح، بوصفه قيمةً أخلاقيةً إيجابيةً بالفعل. وانطلاقًا من هذه القيمة، ينبغي الاعتراف بالفرد، بوصفه شخصًا، وبالشخص، بوصفه فردًا. والاعتراف بالفرد، بوصفه شخصًا، يعني الاعتراف بأنه "سيد نفسه"، وبأنه صاحب الحق في أن يتخذ القرارات المتعلقة بشؤونه الخاصة واعتقاداته ودينه ومهنته ومستقبله. ويتضمن هذا الاعتراف تسليمًا بحق الشخص، كل شخصٍ، في أن يقع في الخطأ، في خصوص حياته الخاصة، واعتقاداته وتوجهاته الدينية والسياسية والثقافية والمهنية ...إلخ. والاعتراف بالشخص، بوصفه فردًا، يعني التسليم بفرادة كل شخص وبحقه في أن يكون مختلفًا عن الآخرين، في الأمور التي تخصه وتخص شخصه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية