التسامح بين الفلسفة والدين والإيديولوجيا

  • الفلسفة هي أكثر المجالات استعدادا لقبول التسامح والعمل به
  • الاجتهاد هو المجال الطبيعي للتسامح والفلسفة أرحب ميادينه
  • التفلسف هو البحث عن الحقيقة ومفهوم التسامح أحد أهم مقوماته
  • عندما ينقلب الشك إلى يقين ويحل التلقين وتعميم الأفكار بدل التحليل والنقد تفرخ الآيديولوجيات القاتلة
  • الوثوقية الدوغمائية تتنكر للاجتهاد وتلغي الاختلاف وتؤسس للاستبداد والطغيان تحت شعار الإجماع
  • يتخطى ابن رشد مستوى التسامح في احترام الرأي الآخر ويسمو به إلى مستوى العدل والإيثار
  • الآيديولوجيا تتماهى مع قضيتها وتذوب في زمنيتها، أما الفلسفة فتطرح أسئلة جديدة، تتجاوز لحظة امتلاك الحقيقة إلى زمان البحث الدائم عنها

 

       كان التسامح وسيبقى أساس التواصل الحضاري؛ بين الأمم المختلفة الثقافات، وفي غيابه تحدث القطيعة، وتبدأ القوقعة والانغلاق على الهُويات المذهبية والطائفية. ما يؤدي إلى تفريخ ثقافة التطرف والإقصاء، وتأسيس الآيديولوجيات القاتلة، التي تشرعن العنف وحروب الإلغاء. فالتسامح حاجة إنسانية، يسعى إليها كل من يريد البناء الحضاري؛ بعيدا عن كل أشكال التعصب أو الوثوقية والانحياز الدوغمائي للأفكار والمعتقدات. هذا هو جوهر كتاب محمد عابد الجابري، "التسامح بين الفلسفة والدين والإيديولوجيا". وينطلق الكاتب في معالجته للموضوع من سؤال: هل تقبل الفلسفة التسامح وهل طبقته تاريخيا؟

 

       يستهل الجابري الإجابة؛ بتعريف المفهومين، فيرى أن التفلسف يعني "البحث عن الحقيقة". أما التسامح فهو "موقف فكري وعملي قوامه تقبل المواقف الفكرية والعملية التي تصدر من الغير، سواء كانت موافقة أو مخالفة لمواقفنا". معتبراً أن "الفلسفة هي أكثر المجالات استعدادا لقبول التسامح والعمل به". ذلك لأن "البحث عن الحقيقة لا يعني امتلاكها. وما دام المرء يبحث عن الحقيقة، ولا يدعي امتلاكها، فهو بالضرورة يعترف بالتعدد والاختلاف، ويتجنب إصدار أحكام تقصي الآخر. وبهذا المعنى تكون الفلسلفة ميداناً للاجتهاد، والتسامح يتحقق في الاجتهاد، إذ هو مجاله الطبيعي". أما الوثوقية، أو الدوغمائية، فتتنكر للاجتهاد وتلغي الاختلاف وترفع شعار "الإجماع" وتشهر سلاح الخروج عن الاجماع ضد كل مخالف، وتنحو نحو الاستبداد والهيمنة، فيحل التلقين والتلقي محل البحث والتقصي، وتكف الفلسفة عن اعتماد التسامح موقفاً فكرياً وعملياً، وتفقد هويتها ومزيتها وتصبح شيئاً آخر، هو الآيديولوجيا.

 

   التسامح أساس فلسفي

        الحق، أن تاريخ الفلسفة يدلنا على أن التسامح كان دائما؛ مقوما أساسيا من مقومات التفلسف، أعني البحث عن الحقيقة. ولكن إذا ترك الشك المنهجي مكانه لليقين المطلق، وحل تعميم الأفكار محل تحليلها ونقدها، انقلبت الفلسفة إلى آيديولوجيا، أي تقرير للحقيقة التي تقدم نفسها كاملة واحدة لا حقيقة بعدها، فيزول التسامح ويحل محله اللاتسامح، أعني اللجوء إلى القوة والعنف فكراً وسلوكاً"، حسبما يقول الجابري.

        والسؤال إذن: متى ولماذا تتحول الفلسفة إلى إيديولوجيا، وتنتقل من مجال حيوي للتسامح إلى مجال يغلق الباب بقوة في وجه التسامح؟

  إن تحول الفلسفة إلى آيديولوجيا، من وجهة نظر الجابري، شيء طبيعي ولا يشكل بالضرورة خيانة، فالفلسفة بتعبيره لا يجوز لها، ولا يمكنها أن تبقى دائما متعالية على الزمان والمكان، بعيدة عن قضايا الإنسان، الاجتماعي الفاعل والمفعول به؛ بل لا بد لها من الالتزام، ويصبح هذا الالتزام "ضرورة أولية، سابقة على أي ضرورة أخرى، عندما تكون الحقيقة الإنسانية، أعني حرية الإنسان وكرامته، مهددة من هذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة. والفرق بين الفلسفة والإيديولوجيا في هذا المجال هو أن الأخيرة،  تتماهى مع قضيتها وتذوب في زمنيتها، بينما تحتفظ الفلسفة لنفسها، بقوة الدفع، التي تمكنها من استعادة ما هو جوهري فيها وأصيل، وهو تجاوز الأجوبة المقترحة إلى طرح أسئلة جديدة، تجاوز لحظة الشعور بامتلاك الحقيقة إلى زمان البحث عن الحقيقة. وبعبارة أخرى: الانفلات من سجن الآيديولوجيا إلى فضاء الفلسفة الرحب الطليق". ولكن إلى أي مدى يمكن توظيف "التسامح" في مواجهة التعصب أو "اللاتسامح" في عصرنا؟

        إن الحاجة إلى التسامح، بمعنى عدم الغلو في الدين الواحد وسلوك سبيل اليسر مع الآخر، سبيل "التي هي أحسن" من جهة، واحترام حق الأقليات الدينية في ممارسة عقائدها وشعائر دينها دون تضييق أو ضغط، إنما هي حاجة تفرض نفسها؛ بحكم تعدد الممارسات الدينية داخل الدين الواحد، وتعدد الأديان داخل المجتمع الواحد، هذا التعدد؛ بتعبير الجابري، هو "ظاهرة إنسانية حضارية لا يمكن تجاوزها ولا القفز عليها. وبالتالي فالتسامح هنا يعني التخفيف إلى أقصى حد ممكن من الوثوقية، التي تقود إلى الهيمنة المقصودة أو غير المقصودة. فالعالم اليوم يشهد تيارات وتوجهات متطرفة ليست دينية فقط؛ بل البعض منها، لا ديني بالمرة، تيارات متطرفة في عالم اليوم، تهدد أمن الإنسان وسلامته واطمئنانه على مصيره، وبالتالي تعتدي على حقوقه: حقه في الوجود، وحقه في امتلاك خصوصية خاصة به، وحقه في اختيار طريق مستقبله.

إذن فما العمل؟ يرى الجابري أنه لا بد في ميدان السياسة وقبل كل شيء من أرضية ديمقراطية صلبة، قوامها احترام الحق في الاختلاف، والحق في التعبير الديمقراطي الحر. ويأتي التسامح بعد ذلك ليعني تمكين الأقلية السياسية أو الدينية أو الإثنية من الحضور في المؤسسات الديمقراطية. أما في الميداني الآيديولوجي فعلى الرغم من الأصوات التي ترتفع هنا وهناك لتعلن "نهاية الإيديولوجيا"، و"نهاية التاريخ"، إلا أنه يرى أن الواقع يكشف يوما بعد يوم عن الطابع الإيديولوجي لهذه الأصوات؛ من خلال ما تبشر به من آراء ونظريات، تكرس ما أصبح اليوم يوصف بـ "الفكر الأحادي"، الهادف إلى فرض هيمنة فكرية آيديولوجية على العالم كله.

  وعليه يرى الجابري أن هناك أربع قضايا كبيرة وخطيرة تفرض نفسها على الفكر الفلسفي في عصرنا وهي:

- التطرف والغلو في الدين أو باسمه أو ضده.

- التطهير العرقي الذي يمارس جهارا.

- الفكر الأحادي الذي يريد فرض واقع اقتصادي فكري إيديولوجي على العالم كله.

- ما يسمى بـ "صراع الحضارات" وهي نظرية تستهدف تطويق أمم وشعوب بعينها.

 

شمولية التسامح

           والسؤال الذي يفرض نفسه الآن حسب الجابري ليس: هل يتسع مفهوم التسامح لكل المعاني الضرورية؛ لمعالجة هذه القضايا ومواجهة أخطارها؟ إن الجواب سيكون بالنفي إذا نحن تركنا هذا المفهوم كما هو عليه، أما إذا أردنا إعطاءه معنى عاماً شمولياً، يرتفع به إلى مستوى المفاهيم الفلسفية، المستوى الذي يجعله قادراً على أداء الوظيفة المطلوبة منه اليوم، وظيفة إخراج التطرف، مهما كان نوعه، وفضح وسائل الهيمنة وأساليب إخفاء صراع المصالح، فإن ذلك قد لا يتأتى؛ إلا إذا نحن حمّلناه ذلك المعنى القوي، الذي عبر به ابن رشد عن ضرورة احترام الحق في الاختلاف: من العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه؛ بمثل ما يأتي به لنفسه، سواء تعلق الأمر بالحجاج الكلامي، أو بالاختلاف العقدي، أو بالتنافس على المصالح. وإذا كان العدل؛ بمعناه العام، يقتضي المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، فإن معنى العدل هنا، يجب أن ينصرف بالدرجة الأولى إلى مساواة الإنسان غيره بنفسه: أن يعطي لغيره من الحق ما يعطيه لنفسه، ثم يطالبه بعد ذلك بما عليه.

أما فيما يتعلق بما يحول دون سقوط الفلسفة في الإيديولوجيا، فيرى الجابري أن الانفلات من سجن الآيديولوجيا واستبداد المذهبية؛ يبدأ بالمناداة بفتح باب الاجتهاد، وضرورة الاعتراف بالاختلاف. ويُذكرنا الجابري بالأصوات العقلانية الجريئة في تاريخ الفلسفة، التي كانت على الدوام، تطالب بكسر قوقعة التمذهب الضيق والتعصب وإلغاء الآخر، وفي المقدمة من هذه الأصوات، ابن رشد، الذي دافع عن علوم الغير، في الله والكون والإنسان، وأفتى بضرورة الاطلاع عليها والاستفادة منها، وعذر أصحابها إذا هم أخطأوا الصواب، سواء كان ذلك الغير مشاركا لنا في الملة أو غير مشارك. كما رد ابن رشد على المتكلمين والفقهاء الذين كانوا يرفضون "علوم الأوائل، منبها إلى الطابع التاريخي التراكمي للمعرفة البشرية. ويبلغ التسامح قمته في موقف ابن رشد من آراء المخالفين والخصوم، حينما يلوم الغزالي على كونه لا يحاول أن يتفهم موقف الخصم، بل يحكم بفساده دون اعتبار المقدمات التي أدت إليه.

           يقول ابن رشد في فصل المقال، "ينبغي لمن آثر طلب الحق، إذا وجد قولاً شنيعاً ولم يجد مقدمات محمودة تزيل عنه تلك الشنعة، أن لا يعتقد أن ذلك القول باطل، وأن يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له أنه يوقف منها عليه، ويستعمل في تعلم ذلك من طول الزمان والترتيب ما تقضيه طبيعة ذلك الأمر المتعلم". وقد اعتبر الجابري أنه لا يمكن العثور في الخطاب الفلسفي، قديمه وحديثه، على نصوص أقوى من هذه النصوص. فابن رشد يرتفع باحترام الرأي الآخر إلى مستوى أعلى كثيراً من مستوى التسامح، إنه يسمو به إلى مستوى العدل بل مستوى الإيثار.

           يعتقد الجابري أنه لكي يغدو التسامح قيمة يدخل العدل في مضمونها، وتزيد عليه، إنما "يجب إعطاء الأولوية لتقديم حق الغير، فالعدل يقتضي المساواة. أما إعطاء الأولوية للغير، داخل المساواة، فذلك هو "التسامح". ما يعني أن التسامح حين يقترن بالعدل؛ بهذا المعنى، يبتعد عن أن يكون معناه التساهل مع الغير أو الترخيص له بكذا أو ذاك الشيء، الذي يضع المسامِح في وضعية أعلى من المسامَح له؛ بل التسامح هنا، يعني الارتفاع بهذه العلاقة إلى مستوى الإيثار".

          ويختم الجابري بالقول: إن عالما يفتقر للعدل، والاعتراف بالآخر، والاعتراف بحقه في امتلاك خصوصية خاصة به، وفي تقرير مصيره، سواء كان هذا الآخر فردا أو أقلية دينية أو عرقية أو كان شعوبا وأمما، فهو عالم مبني أصلا على الظلم، على اللاتسامح، وبالتالي فلا معنى لرفع شعار التسامح ضده إلا مقرونا بالعدل، الذي ينطلق من تقديم حق الغير وحمايته.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية