في الحاجة إلى مواطنة كونية متآخية

  • التآخي مرادفاً أخلاقياً وقيمياً للتسامح في الاجتماع الإنساني
  • التآخي تجسيد عملي للتسامح وركن أصيل في بناء تعايش حقيقي
  • لا معنى للحرية والمساواة دون تآخي مختلف الإثنيات والأديان المكونة لنسيج المجتمع
  • الحوار والتسامح والتعايش حقائق أخلاقية تبين دور المشتركات في بناء الحضارة الإنسانية
  • تدخل الاقتصاد في تحديد شرط التآخي والتسامح يضعف فرص التعايش بين الحضارات

 

       لازم التآخي شرط تطور البشرية، ونُظر إليه كقيمة أخلاقية سامية، أسهمت في نقل الإنسان من حالة الطبيعة؛ نحو حالة الحضارة والمدنية. وأسهم التآخي في تعزيز قيم التسامح والتعايش، وبناء النسق السياسي والاجتماعي للمواطنة والسلوك المدني من ناحية أخرى. ولذلك احتلت هذه القيمة الإنسانية مركزا أساسا في مختلف الدساتير السياسية، ودارت حولها نقاشات فكرية وفلسفية ودينية كثيرة.

 

       كيف يشكل التآخي مرادفاً أخلاقياً وقيمياً للتسامح في الاجتماع الإنساني؟ إلى أي حد يعد التآخي أو التسامح الحضاري شروطاً أساسية لتحقيق التعايش الكوني؟ وما موقع التآخي في التأسيس لمبدأ المواطنة الإنسانية في سياقنا المعاصر؟

       في مقالته الشهيرة "ما الأنوار" المنشورة سنة 1784، يدعونا إيمانويل كانط إلى امتلاك الشجاعة من أجل استعمال عقولنا. وما أحوجنا اليوم إلى إعمال عقلنا والتفكير العميق في شرطنا الإنساني المركب والمعقد؛ بمستوى تعقد الحياة المعاصرة. فمطلب التآخي باعتباره فضيلة أخلاقية مطلقة، يفرض علينا التحلي بالشجاعة الكافية؛ انتصاراً لإرادتنا الخيرة المتمسكة بالتسامح، طريقاً عملياً لمجابهة العنف والتعصب بمختلف أشكاله، وعليه، تكون الأنوار، في معنى من معانيها، دعوة إلى التحرر من أغلال الانغلاقية الثقافية والدينية، والدفاع عن كونية التآخي والتسامح، بما هو شرط اعتناق مبدأ الإنسان الكوني.

       في الواقع، ارتباط مفهوم الإخاء في منظور العديد من فلاسفة الأنوار بحمولاته الاجتماعية والإنسانية، قبل استعمالاته ورهاناته السياسية، يفرض التراجع حول مقولة الحرية، والتفكير في الشروط الموضوعية والذهنية لتمثلها وممارستها والتشبع بها في إطار خصوصيات العيش المشترك. لذلك، لا وجود لحرية خارج دائرة التآخي الإنساني والتسامح الديني. فالأول يمنحنا الإطار الثقافي لتمثل الحرية كقيمة إنسانية كونية، بغض النظر عن نوع، جنس، عرق هذا الشخص أو ذاك. والثاني يفتح المجال أمام تعايش الأديان في الأزمان والأمكنة المختلفة. وعليه، يصبح التآخي تجسيداً عملياً للتسامح، وركناً من أركانه في بناء تعايش إنساني حقيقي.

       إذا أخذنا فرنسا الأنوار وما بعدها على سبيل المثال، نجدها قد رفعت شعار "التآخي" للخروج من دوامة العنف والتعصب الديني والثقافي، وجعلته قاعدة دستورية منظمة للمواطنة الاجتماعية. لذلك، أصبح المواطن الفرنسي هو ذلك الشخص المتشبع بمقولات المساواة، الحرية والتآخي قولاً وفعلًا؛ بل لا معنى للحرية والمساواة دون تآخي بين مختلف الإثنيات والأديان المكونة لنسيج المجتمع. صحيح أن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" تعيق تحقيق هذا الشعار على أرض الواقع، إلا أن المكونات السياسية أضحت أكثر انفتاحاً على البعد الثقافي والديني للاندماج والتعايش بين الإثنيات المختلفة، وجعلت مسألتي التآخي والتسامح مسؤولية مشتركة بين جميع المكونات الثقافية والدينية، وشرط كونية الحرية والمساواة والتعايش؛ باعتبارها قيماً إنسانية مطلقة.

       أما إذا عدنا إلى حضارتنا العربية والإسلامية، فسنجد أن التآخي جزء أساس من تاريخها الثقافي والديني. في المناطق الصحراوية حيث الترحال نمط حياة الإنسان البدوي، اتخذ الانتماء شكل رابطة بالدم بين مكونات القبيلة الحاضرة والماضية، الأمر الذي جعل التآخي، رابطة الدم، تنهل من الماضي من أجل تنظيم شؤون الأفراد والقبائل في الحاضر. فالصحراوي الذي يتذكر سلالته الممتدة لقرون وقرون، يدرك مدى تشاركه في رابطة الدم مع باقي مكونات القبيلة، وحتى قبائل أخرى من خلال العودة إلى الجد الأول والمؤسس، الذي يشكل الانتماء إليه علامة على صلابة الرابطة التاريخية للتآخي الاجتماعي في عالم الصحراء.   

       أما في المناطق الحضرية، فقد سمحت طبيعة البيئة الزراعية بانتشار ظاهرة الاستقرار والاستثمار في التآخي الداخلي قبل الخارجي (الزواج الداخلي والتفاعلات المحلية داخل القبيلة). لذلك، يتخذ الانتماء طابعا جغرافيا مرتبطا بجد، ولي أو شخصية مؤسسة للقبيلة. يتفاعل الديني والثقافي بشكل كبير في هذه النقطة؛ من أجل نقل منطق التآخي من مستواه المحلي إلى مستواه الخارجي، فكل من ينتمي إلى نفس السلالة هو من حيث المبدأ "ابن عمومة" قريبة أو بعيدة، جديرة بالاحترام والتسامح والتعايش العابر للحدود المحلية. وسواء بالنسبة لمنطق الترحال أو الاستقرار، فإن التآخي الديني هو المنظم لمختلف أوجه التسامح والتعايش الثقافي والاجتماعي بين مكونات الجسم القبلي، لكونه يدل على الانتماء إلى دين واحد، يتجاوز حدود اللون والجنس والعرق والثقافة من جهة، وإلى سلالة نبوية شريفة، أو عرقية من جهة أخرى. كما لا يتوقف التآخي الديني عند مستوى تنظيم حياة الأفراد والقبائل، وإنما يتجاوزه لتنظيم التفاعلات المختلفة مع ثقافات وشعوب أخرى في إطار التجارة والتبادلات الثقافية، يجعل المنتمين إلى نفس المجال المهني إخوة في العمل؛ بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والثقافية والجغرافية.

رديف التسامح

       إن التآخي يظل نزوعاً إنسانياً نحو تفعيل قيم التسامح واعتناق الإنسان لإنسانيته الخيرة. فلا وجود لتسامح حقيقي دون وعي ثقافي بقيم التآخي في مستوياته الثقافية والإنسانية. ويقوم شرط الاجتماع الإنساني والعمران البشري على جعل التآخي رديفا للتسامح وتفعيلا لمبادئه المثلى. فإذا كان وضع التعصب والعنف والتطرف يحيل إلى كون الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان؛ بتعبير هوبز، فإن حالة المدنية تفرض أن يكون الإنسان متسامحاً ومتآخياً مع أخيه الإنسان. إضافة إلى ذلك، يشكل التآخي شرط الإيمان الديني الحق؛ من منطلق تعزيزه لثقافة الإيثار والغيرية، وجعل الإنسان واعياً بضرورة أن يفضل لأخيه ما يفضل لنفسه؛ في إطار إنساني خالص، وقائم على مبدأ الفضيلة.

       يفرض العيش المشترك، الوعي بأهمية التكامل بين الديني والثقافي، المحلي والكوني، والفردي والجماعي؛ في تحقيق تماسك المجتمع. سواء في معناه الديني أو الفلسفي، ويتخذ التآخي من المحلي طريقا للكوني، ومن الأخلاقي والثقافي مساراً نحو الإنساني. فالرهان على التماسك والتلاحم بين مكونات الجسم الاجتماعي الواحد هو، بالضرورة، دليل على المصالحة الأنطولوجية بين الماضي والحاضر، واستشراف مستقبل قائم على التسامح بين الأجيال؛ إلا أنه مع ذلك يظل عتبة أولى في طريق التآخي الكوني. 

       إن تطور الحضارات الإنسانية لازم بحث الإنسان عن الحقيقة: حقيقة الذات، الآخر، العالم، الطبيعة والكون.. وما يؤجج الفوارق والاختلافات والصراعات هو وهم امتلاك هذه الحقيقة، أو التمسك بوجه من أوجهها. لذلك، يذكرنا التصور الغنوصي والتصوفي للحقيقة؛ بأننا أجمعين نحمل؛ بالضرورة، جزءا من هذه الحقيقة في نفوسنا، وأفعالنا، وتفاعلاتنا مع الطبيعة، ومع بعضنا البعض. وكلما ربطنا بحثنا عن الحقيقة بالمشترك الإنساني، تمثلنا أن جوهر الحقيقة نفسها، يكمن في البحث عن سبل تعزيز أواصر التلاحم والتآخي والتماسك بين مكونات جسم الإنسانية؛ أليس الحوار والتسامح والتعايش حقائق أخلاقية، تبين دور المشتركات الثقافية والدينية والاجتماعية في بناء الحضارة الإنسانية؟

       يصبح التآخي الكوني ضرورة إنسانية حينما يُحَد التآخي والتسامح المحلي بنطاق الانتماءات والانغلاقات التي تُضعف فرص العيش المشترك، وحينما تعزز الفوارق الاقتصادية والاجتماعية من حدة الاختلافات الثقافية. إن تحول الشروط الاقتصادية إلى محدد أساس للإطار العام؛ لأنماط التآخي والتعايش الإنساني، راجع إلى قصور في تمثل القيم الأخلاقية الملازمة لروح الإنسانية، وعدم استثمار الأمم في التعايش الكوني؛ بديلاً معاصراً للتعايشات الإقليمية والانغلاقات المحلية. فالقيم والأخلاق ليست سلعاً أو موارد اقتصادية تتبدل أو تتغير بحسب السوق، ولا يمكن لتدخل الاقتصاد في تحديد شرط التآخي والتسامح؛ سوى أن يضعف من فرص بناء التعايش بين الحضارات. نتيجة لذلك، كلما تمثلنا قيم التآخي والتسامح كمقولات ثقافية وفكرية كونية، كلما أسهم ذلك في تجسير الحوار بين الحضارات، وتعزيز قبول الآخر والانفتاح على المشتركات الإنسانية بما هي مشتركات كونية.

إلزام التسامح

       بما أن المواطنة مقولة مدنية منظمة للاجتماع البشري في إطاره التعاقدي، فإن القيم الأخلاقية للتآخي والتسامح والحوار، هي الأساس المنظم للترابط بين الحقوق والواجبات؛ في الممارسة الاجتماعية. فالواجب من حيث هو التزام إنساني تجاه الآخرين، تفرضه متطلبات العيش المشترك، ويعززه تمثل المنطلقات الأخلاقية؛ للإيثار والدفاع عن المصلحة الإنسانية في ذاتها، والحق رهان إنساني مكفول؛ باحترام الواجبات من قبل المواطنين؛ في إطار كوني وإنساني بالضرورة. لذلك، لا وجود لمواطنة حقيقية؛ دون تسامح إنساني وتعايش ثقافي، يتجاوز حتى ثنائية الحق والواجب؛ من حيث هي إلزامات اجتماعية وقانونية نحو الوعي؛ بكونها التزامات إنسانية.

       تُنظم ثنائية الإلزام والالتزام النسق العام للمواطنة، ويقاس حدّاها بدرجة الانخراط الجمعي في احترام المشتركات الثقافية والدينية للإنسانية. يُعد الإلزام قيمة أخلاقية مشروطة؛ بقوة المُلزِم واستعداد الُملتَزِم؛ للانخراط في نسق المواطنة المحددة؛ بإمكانات المصلحة العامة. وإذا كانت هذه المواطنة قابلة للتحقق الفعلي؛ عبر قوة القانون في إطار المرحلة المدنية، إلا أنها مع ذلك لا تسير في اتجاه حماية المشتركات الإنسانية الكونية، بحيث تجعل من التآخي المحلي شرطا؛ لبناء مواطنة محدودة بشرط المدنية، قبل الإنسانية. أما فيما يتعلق بالالتزام، فنحن نتحدث عن المعنى الكانطي للقيمة المطلقة، التي تؤسس لبناء الإنسان الكوني. فالأمر الأخلاقي المطلق؛ ينتصر للتآخي الكوني، والتسامح الإنساني الخالص، الذي تتحول معه المدنية نفسها إلى حالة كونية، والمواطنة إلى سلوك إنساني يحترم الإنسانية في ذاتها، ويلزم الذات الفاعلة؛ بتقدير الفرص والإمكانات التي يتيحها التعايش الثقافي والديني في ذاته.

       نتيجة لكل ذلك، تصبح معادلة التآخي على الشكل التالي: مزيد من التآخي في أفقه الكوني، يعني مزيداً من اعتناق الإنسان لإنسانيته وبناء المواطنة الإنسانية الكونية الملتزمة بالتسامح؛ كشرط للاجتماع البشري، والحاملة لرهان التعايش، حلاً لأوضاع الأزمات المختلفة. إن هذه المواطنة المتآخية والكونية غير مشروطة بمنطق الحقوق والقوانين الوضعية فقط، وإنما متشبعة بالشروط الأخلاقية والدينية والثقافية للاجتماع الإنساني من مستوياته المحلية نحو أفقه الكوني. وتصبح المواطنة المتشبعة بقيم التآخي والتسامح، أساس تحقيق العيش المشترك، وتجاوز الاختلافات والصراعات ووضعيات التطرف والتعصب التي تنخر جسم البشرية من خلال الانتصار للأخلاق الإنسانية نفسها.

       إننا لا نفصل في هذا السياق بين قيم التآخي والتسامح المحلية والداخلية، وإنما نجعلها منطلقاً؛ لبناء المواطنة الكونية، التي تتجاوز تنميطات الاقتصاد وبواعث التطرف، وترى في مقولة الإنسان الكوني مطلبا لروح العصر. فالمرجعية الفلسفية للأخلاق كونية، والدين الإسلامي كوني والإنسان كوني، والعالم اليوم أضحى أكثر انشباكا، وفي حاجة إلى منطق مواطنة جديدة ومنفتحة على الكونية. ليست الكونية نفياً للخصوصيات الثقافية والدينية، وإنما تعريفا بهذه الخصوصيات وضماناً لاغتنائها وتفاعلها مع خصوصيات أخرى؛ في إطار إنساني، يثمن الاختلاف في إطار التعايش والحوار؛ عبر الوعي بالتآخي الثقافي والديني، والأصل المشرك للإنسانية، يتم فتح صفحة جديدة في تاريخ البشرية، عنوانها التسامح والتعايش صوتا للمستقبل.

       قصارى القول، يتكامل البحث الفلسفي والديني في قضايا الاجتماع والعمران البشري، في تثمين قيم التآخي والتسامح، والانتصار لكونية خطاب السلم الاجتماعي، الذي يحترم الخصوصيات، ويضمن التعايش العابر للحدود والانتماءات الجغرافية والمجالية والزمانية. ويتحول التآخي والحوار والتسامح إلى قيم كونية، قائمة على التزام الأفراد والجماعات بواجبهم الأخلاقي تجاه البشرية، والتي تربط مكتسبات الماضي بمطالب الحاضر؛ من أجل استشراف مستقبل أفضل، شعاره السلم الدائم. ومن خلال هذا التآخي الكوني يتم التأسيس لمواطنة إنسانية كونية ملتزمة بخصوصيات الشرط الإنساني؛ قبل متطلبات الاجتماع الوضعي والمدني، وتشكل خير حل لسراب التطرف والعنف والإرهاب و"الإسلاموفوبيا"، التي تتربص بمشروع التعايش الإنساني الكوني على كوكب الأرض.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية