التسامح والاعتراف

  • التعددية الحقة تتجاوز التسليم بالوجود الفعلي لأشخاص مختلفين إلى تغلغل معتقد الوجود المشروع لمعتقدات أخرى
  • تحول المعتقدات إلى هويات هو ثمن التعددية التي ذهبت إلى أبعد حدودها
  • يشكل التسامح اللامحدود الفضيلة المثلى التي يجب على الجميع التحلي بها
  • التسامح كان وسيبقى الحل الأنسب لمشاكل الفوضى خصوصا تلك التي لها علاقة بما هو ديني أو طائفي

       كلما علت لغة الصراع وتزايدت حدة العنف، يبرز موضوع التسامح؛ باعتباره السبيل الأنجع لتحقيق التعايش والوحدة؛ رغم الاختلاف في الدين والمذهب واللغة واللون. وإذا استطعنا إحلال التسامح محل التنافر والتعصب، سنكون حقاً إمام مجتمع أكثر نضجا، همه الوحيد هو بناء الوسط الذي يعيش فيه؛ ليظل صفاً صامداً في وجه كل ما من شأنه أن يحاول النيل من وحدته المتماسكة الصلبة. هذا هو جوهر كتاب "التسامح والاعتراف" للكاتب الفرنسي مارسيل غوشيه.

       يرى غوشيه أن المجتمعات المبنية على الإيمان الديني، تقدم أوضح مثال ممكن لهذه التحولات، سواء فيما يخص علاقة الشخص بانتماءاته، أو فيما يتعلق بمصير هذه الانتماءات في المجال العام. فيقول: لقد كان الإيمان خياراً لموقف حر، ثم ازداد تعبيره على الخيار الحر شيئاً فشيئاً؛ بمقدار ما تعززت شرعية وجود الفرد على حساب التدين الجماعي التقليدي؛ وفق الطريقة القديمة، وكذلك بمقدار ما سمحت معاداة المتدينين، لفكرة عدم الإيمان بأن تكون ممكنة، في الجهة المقابلة.

       من هنا يأتي هذا التناقض الذي يكمن في أن الإيمان عندما اكتسب من دون دراية منه؛ قيم الحداثة الفردانية، أصبح يميل لأن يكون أشد صلابة وأشد تسلطاً مما كان عليه من قبل؛ عندما كان "عقيدة الآباء"، والتعبير عما يؤمن به الجميع. والواقع أنه ليس للإيمان معنى في هذه المرحلة، التي توقف فيها عن أن يكون نتيجة للعرف والعادة، حيث أصبح خياراً للفرد، سوى العمل على فرض نفسه في العالم؛ باعتباره حقيقة وحيدة وحصرية. وهو ما يستوجب انسلاخ المؤمن عن مادة ما ينتسب إليه، ويستوجب في الوقت عينه، الرغبة في التبشير والنضال من أجل ضم الآخرين إلى عقيدته.

       لكن هذا الأمر تغير مع الثورة الفكرية التي عرفها القرن التاسع عشر، هذه الثورة التي لم تقتصر طبعا على الإيمان فقط، بل تعدته إلى نظام الاعتقاد بوجه عام. ما أفرز لنا نوعاً من التعددية. يقول غوشيه معلقاً على هذا التحول، "لا أعني بالتعددية مجرد التسليم بالوجود الفعلي لأشخاص لا يفكرون مثلك، وإنما أعني أن يُدرج المؤمن في عقيدته الخاصة، في الوجود المشروع لمعتقدات أخرى. لنقل ذلك بشكل مباشر. التعددية بوصفها معطى وقاعدة يقوم عليها المجتمع شيء، والتعددية الموجودة في ذهن المتدينين شيء آخر". ويعطي غوشيه المثال لذلك بالتعددية الدينية في الفضاء الأمريكي، حيث أن كل رد يسلم بحرية الآخر، لكن ذلك لا يمنعه من أن يحتفظ لنفسه؛ بنمط من الإيمان الراسخ، الذي يستبعد احتمال وجود معتقدات أخرى. وهذا هو الفرق الكامل بين التسامح بوصفه نظاماً سياسياً والتعددية باعتبارها مبدءاً فكرياً. وهكذا فإن نسبية الفسحة الرمادية الخاصة هذه هي النتاج المميز لعصرنا الحالي، إنها ثمرة تغلغل الروح الديمقراطية داخل كرة الإيمان نفسها. وتحول العقائد إلى هويات دينية هو نتيجتها المباشرة.

       هذه النتيجة في نظر غوشيه، تسجل خطوة إضافية، لأنه داخل التعددية، وعلى الرغم من الانحراف الناجم عن الأخذ بعين الاعتبار وجود خيارات أخرى، لا يزال الأمر يتعلق باختيار إيمان يتم في الكونية؛ انطلاقا من شرعية ذاتية، تعترف بموضوع الإيمان؛ سواء صدر هذا الإيمان عن نعمة خارقة جاءت عبر الوحي الإلهي، أم أتى على أسس مبنية على العقل. ما يبقى في الاعتبار، هو البعد الكوني موضوعيا؛ لما نؤمن به من انتماء، يتحرك انطلاقا من بعد ذاتي أكثر ما هو كوني في ذاتي. يقول غوشيه، "وتبقى عملية النسبية نسبية، إذا جاز التعبير، إذ تصبح جذرية في الوقت التي يتوصل فيها الإيمان إلى فرض نفسه تحت شعار الهوية. فالادعاء بالكونية أمر مستبعد حكما. المهم هو الوجود الموضوعي لمعطى ما، لوجود تراث، لوجود تقليد من بين تقاليد أخرى- هنا يكتسب بعدا التاريخ والذاكرة أهمية قصوى، على مستوى الانسحاب الكوني. تقليد أستطيع من خلاله أن أتعرف شخصيا إلى ذاتي، إرث أستطيع أن أمتلكه. إذن يوجد هناك خيار، وأكثر من أي وقت مضى. ولكنه خيار أنا بالذات، فعليا، موضوعه: الرهان الذي يقدمه ليس في جهة حقيقة الرسالة التي ألتحق بها، وإنما في جهة التعريف الذاتي الذي يعطيني إياه. فالتقليد يتخذ قيمته بالأساس من كونه تقليدي أنا، ولأنه يكونني ضمن بناء هويتي الفردية". ما يريد غوشيه ايصاله هنا، هو التأكيد على مبدأ اعتبار الانتماء أو الإيمان بتعبير أدق هو ذات الإنسان، وهويته الفردية، طبعا كل ذلك في إطار أخذ مسافة من الآخر واحترامه وعدم اقصائه.

 

جمود الطوائف

       لأهمية ذلك، يرى غوشيه أنه يجب علينا أن نرى جيدا أمرا يُبعد نهائياً شبح انتماءات الماضي المتعصبة، وهو أن البحث عن الهوية داخل الطائفة يصبح أقوى؛ بقدر ما يتعلق بالموافقة الضمنية على تعددية الطوائف. فطائفتي تخصني؛ بقدر ما أنا أقر، بأنها ليست سوى واحدة ضمن طوائف أخرى. إن تحول المعتقدات إلى هويات هو ثمن التعددية التي ذهبت إلى أبعد حدودها؛ إلى نقطة تفقد عندها كل نزعة شمولية وجامعة معناها. وهذا ما يُفسر التماسك الصلب والمرن في الوقت نفسه الذي تبديه هذه الهويات. إنها متصلبة من دون أن تكون عدائية. وهذا يعني مباشرة فتح الباب رسميا للنقاش بالحجج والأدلة بدل الإكراه والعنف والترهيب.

       ويتساءل الكاتب، هل هناك حاجة للتشديد على مقدار "الدنيوة" الذي تضمنه التعريف الجديد للديانات على أساس الهوية، الذي يضعها في مصاف "الثقافات"، بغية إدخالها في منظومة مجتمعاتنا "المتعددة الثقافات"؟ يرى غوشيه أن مظاهرها قد تكون خداعة، لكثير من الأسباب. فإعادة الاعتبار إلى أبعاد النّسب، والانتماء، والطائفة، تُسهم كلها في إعطاء الانطباع على سُنة محدودة ومُماحكة.  يقول "إن الاهتمام بمراعاة الطُقوس، والتعلق بإعادة اكتشاف العادات، وإعطاء الأولويات للعَلامات التي تفصل داخل المجموعة عن خارجها، كل ذلك، يوحي، أحيانا، ومن الخارج، بالجمود والانغلاق اللذين كانا عند طوائف تعود إلى زمن قديم. هنا بالضبط نجد أن الانتماء فخّ. فالتأكيد على المظاهر الخارجية، أو على أنماط العيش، يزداد بقدر ما يتراجع التشديد على النّواة الحقيقية السامية للإيمان، وهذا لا يعني غياب الانضواء الفردي، بل على العكس من ذلك تماما، فهو حاضر بقوة- ونحن لسنا هنا بإزاء شكليات صُورية. إلا أنه لا يتوجه أولا نحو السماء. فدافعه الأساسي هو تحديد هويته على الأرض".

       يرى غوشيه أنه يجب علينا أن نرى جيّدا أمرا يُبعد نهائيا شَبَح انتماءات الماضي المُتعصبة، وهو أن البحث عن الهوية داخل الطائفة يصبح أقوى بقدر ما يتعلق بالموافقة الضمنية على تعددية الطوائف. طائفتي تخصّني بقدر ما أنا أقرّ بأنها ليست سوى واحدة من ضمن طوائف أخرى.

       ومن ثمة يخلص غوشيه إلى أن "تحول المعتقدات إلى هويات هو ثمن التعددية التي ذهبت إلى أبعد حدودها، إلى نقطة تفقد عندها كل نزعة شمولية وجامعة معناها، ويُصبح عندها أيُ تبشير بالدين مستحيلا، وهذا ما يُفسر التماسك الصلب والمرن في الوقت نفسه الذي تُبديه هذه الهويات". ومن هنا ندرك قيمة وأهمية التعددية لأنها تقضي على كل ما يؤدي إلى التعصب والاقصاء وبالتالي نكون أمام مجتمع إنساني بغض النظر عن الانتماء.

التسامح والتنمية

       يرى غوشيه أن الجانب المهم الآخر في ظاهرة التعددية، هو جانبها المدني، حيث يقول "هنا أيضا من السهل الوقوع في خطأ الوصول سريعا إلى نتيجة "الانطواء الطائفي". فمجتمع الطائفة الدينية من هذا المنظار ليس من قدره أن يعيش منغلقا على نفسه. ذلك أن السعي إلى الانصهار الاجتماعي أمر جوهري بالنسبة إليه. ولا تنفصل إرادته في تأكيد هويته الانشقاقية عن رغبته في أن يتم الاعتراف به بصفته مكوناً لا جدال فيه من مكونات المجتمع"

انطلاقا من هذا التصور يرى غوشيه إن المنطق المنظم هو منطق التعددية الراديكالية. فكل امرئ يعلم بأنه ليس في خصوصيته سوى جزء من كلِّ أوسع تكون التعددية فيه غير قابلة للتجزئة. إنه ينهل منها الرغبة في تأكيد تميزه، على قدر رغبته في تأكيد وجوده، وفي أن يكون هناك إقرار صريح وعلني بأنه جزء فاعل في المجموعة. وهذان المساران بتعبير غوشيه يتلازمان ولا يتقدم أحدهما على الآخر. إذ ليس لتحديد الهوية الشخصية معنى وفقا للانعكاس الاجتماعي الذي يتخطاها. وتكمن الجدة في أنه على عكس القاعدة القديمة التي تقضي بالتخلي عن المميزات الخاصة من أجل الدخول في المجال العام، تصبح الهوية الخاصة هي الأساس الذي يدخل المرء باسمه في المجال العام.

       هكذا، فإن الاعتراف بالهويات في تمازجها وبالمعتقدات في تعدديتها يمدان أصحاب السلطة بوسيلة سهلة لتحديد الاختلاف في وضعهم. فكلما كان هنالك تعددية شرعية أكثر، وكلما كانت السلطة بعيدة عنها، كلما كان جليا للعيان أنه يجب عليهم القيام بعمل آخر في مجال آخر. ومن هنا، يشكل التسامح اللامحدود الفضيلة المثلى التي يجب على الجميع التحلي بها، ففي ذلك محافظة على الذات الوطنية، وهو ما يترك المجال لعملية التنمية التي يساهم فيها الجميع، بدل الانشغال بالأزمات والصراعات الطائفية التي شتت كيان وأمن واستقرار دول كثيرة.

       وهنا يتوقف غوشيه مع نقطة هامة وهي دور الدولة، حيث يرى إن الدولة من خلال تمثيلها المجتمع المدني، مدعوّة في الواقع إلى القيام بدور المؤسس للهويات التي يتألف منها المجتمع. فمن خلال العلاقة معه تُصنع هذه الهويات. يقول موضحا ذلك أكثر "كنت أردد بصوت عال أن الدولة لا تقيم شرعيتها إلا من خلال سعيها المتواصل للمشاركة في خلق مكونات المجتمع المدني. يجب أن نضيف بالاتجاه المعاكس: هذه المكونات التي ترغب في أن تكون بؤرا للهُويات، لا تتمكن من الانتشار بشكل فاعل كهويات إلا من خلال مساحة التمثيل التي تؤمنها الدولة". وهذه ملاحظة جد هامة، فالدولة لها دور مهم في التوجيه والضبط، إذ هي تمنع كل ما من شأنه أن يثير النعرات الطائفية والعنصرية التي قد تؤدي إلى انحلال المجتمع وتفككه، فسلطة الحاكم ضرورية لبناء مجتمع يؤمن بالبناء الحضاري الذي يفيد الإنسانية جمعاء.

       التسامح إذن كان وسيبقى الحل الأنسب لمشاكل الفوضى خصوصا تلك التي لها علاقة بما هو ديني أو طائفي.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية