تعايش الكلمات

ما أجمل ذلك المشهد! مشهد تتشوق إليه النفوس، وترنو إليه أفئدة العقلاء، وتسمو به هِمَّة الحكماء، وتتطلع إليه عيون المثقفين والمفكرين والعلماء، فعلى منصة الإنسانية، من أرض السلام، أبوظبي، وبمشاعر جياشة، تفيض تعايشاً وتسامحا خالصاً، نجد الإمام الأكبر، فضيلة شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، ورئيس الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس، يوقعان بوقفة تاريخية مشهودة، "وثيقة الأخوة الإنسانية" من أجل تعزيز السلم العالمي، وترسيخ ثقافة العيش المشترك.

       لطالما كان هذا الحدث منتظراً، من أجل مصافحة ووئام، يحوط الإنسانية، متجاوزين خطابات الكراهية والعنف، مؤمنين أن البشر جميعا؛ على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم، كرّمهم الله عز وجل؛ بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام، "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". وهو ما جعل الكرامة الإنسانية، سابقة في التصوّر والوجود؛ على الكرامة الإيمانية.

       تسعى وثيقة "الأخوة الإنسانية" التاريخية، إلى استعادة القيم الإنسانية المختطفة، والأخلاق الإيمانية المغيبة؛ في ظل النزعات الفردية، والفلسفات المادية، وجرثومة التطرف الديني، ولوثة التعصب الأعمى.

       يؤكد الإعلان على أهمية إيقاظ الحس الديني، وبعثه مجددا في نفوس ال

الأجيال؛ من خلال غرس القيم الأخلاقية والمشتركات الإنسانية، وبث خطاب المحبة وثقافة احترام الآخر، وتعزيز القيم الكونية، التي لا تختلف فيها العقول، ولا تتأثر بتغير الزمان، أو محددات المكان، أو نوازع الإنسان؛ لأن لها منابت وأصولا، تحفظها من عوادي الدهر وتعسفات البشر.

       وتأكيدا على فكرة أن "الدين لا يمكن أن يكون سببا للنزاع"، تفند الوثيقة مزاعم ربط الأديان بالإرهاب، التي لم تكن يوماً بريدا للحروب، أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، أو مثيرة للعنف وإراقة الدماء. أما المآسي والويلات، فجاءت نتيجة الانحراف عن التعاليم الدينية الصحيحة، والتأويلات الفاسدة، والفهوم الخاطئة، ونتيجة عن القصور في تعميق نظرية الواقع في فهم النصوص الشرعية والتراث، والفشل في بناء خطاب ديني جديد، يناسب الزمان والمكان، ويستجيب لتحديات الواقع والمتوقع، فحتَّمَ واجب الوقت على العلماء ورجال الدين، التعاون؛ لنزع اللبوس الأخلاقي الذي يستقوي به الخطاب التحريضي، وسلبه الشرعية الدينية التي تلبّس بها؛ من خلال تعزيز القيم الكونية، وتجديد الخطاب الديني، وتصحيح المفاهيم ونفض غبار ترسبات التأويلات الفاسدة من نصوص الأديان، وإظهار الدين على حقيقته، قوةً صانعة للسلام والمحبة، وعامل جذب بين المختلفين. وذلك من خلال إبراز الإمكانات الكبيرة؛ للعمل المشترك بين معتنقي الأديان؛ كأخوة في الإنسانية.

       تطرقت الوثيقة التاريخية إلى قضية حماية دور العبادة؛ من معابد وكنائس ومساجد، فأكدت على أنها واجب، تكفله الأديان والقيم الإنسانية والمواثيق والأعراف الدولية. وفي ذلك يشدد العلامة عبدالله بن بيه على أن حماية دور العبادة أمر مشترك بين أتباع الأديان؛ بموجب قوله تعالى: ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. فذكر تعالى المعابد والكنائس مع مساجد المسلمين، وإن كبار العلماء من أصحاب الرسول - عليه الصلاة والسلام - قالوا إنّ هذه الحماية لا تخصّ أصحاب هذه الدّيانات؛ بل إنها مسؤولية المسلمين أيضا، ارتقاءً بالتسامح إلى مستوى التضامن، وحرصا على إيجاد شروط التعددية، وإبعاد دور العبادة عن الخصومة.

       وثيقة الأخوة الإنسانية تُعَدّ نبراسا للتلاقي والتعاون بين الأديان، وتشكل نداء لكل العقلاء؛ بغرض التداعي والعمل كتفاً بكتف في مواجهة تيارات الغلو والتطرف والتعصب والتمذهب والتطيف. كما تُشكل الوثيقة رمزاً للإنسانية الجديدة، وهي تمضي في نهج تلاقي الحضارات وتعارف الثقافات، فهي صوت للحكمة والعقل والحب والإنسانية، وفرصة نادرة غير مسبوقة؛ لإعادة ترتيب الأوراق في بيت العائلة الإبراهيمية، على أسس التآخي الإنساني النبيل؛ لإنفاذ شرط التكليف الإلهي، وعمارة الأرض بالخير والجمال.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية