قانون التسامح.. التعايش بسلام موقف روحي ينبع من النفس أولاً

  • بماذا أساهم في سبيل عالم متناغم.. ألسنا بحاجة إلى أنسنة العولمة؟
  • الجميع مدعوون للعمل بشجاعة ووضوح على إقامة نظام سماحة عالمي
  • القرآن يوافق على التعدد ويترك الاعتراف بالإسلام لقرار الإنسان الفرد
  • القاعدة الذهبية للسماحة يختزلها انجيل متى: كل ما تريدوه أن يفعل الناس لكم فافعلوه أنتم لهم.
  • تسامح الهندوس ينبع من موقف روحي فطري وليس محكوماً بكتاب مقدس
  • السماحة مثل العشب علينا أن نرعاها كى تنمو وتظل خضراء باستمرار
  • عندما ينظر الله من السماء لأرضنا أتمنى أن يرى خلائقه صاروا أناسا لهم قلب أكبر وسماحة أكثر ورحمة أوسع.
  • التسامح موقف ايجابي تجاه العقائد والأفكار ويسمح بتعايش المختلفين
  • قانون التسامح.. التعايش بسلام موقف روحي ينبع من النفس أولاً

 

       لا جدال أن الحضارة البشرية حققت إنجازات هائلة في جانبها المادي لاسيما خلال العقود القريبة الماضية. ولكن إذا كانت العولمة أرست قواعدها في مجالات عديدة؛ كالمال والاقتصاد وخلافه، فهل تقدمت عولمة العلاقات بين البشر على اختلاف ثقافاتها، وتباين مساحات التفاعل الإنساني فيما بينهم، فزادت نسب التسامح والاحترام والحب والسلام والتعايش المشترك؟ ألسنا بحاجة إلى أنسنة العولمة؟ لاشك أن هذا ما يجب أن نسعى لتحقيقه؟

 

       هناك رغبة جلية، تعانقها إرادة واضحة وقوية، تتنامى يوما بعد يوم وعاما بعد آخر؛ لدى حكماء ومصلحو العالم وشجعانه، من أجل جر العالم أكثر، نحو دائرة التسامح والتعايش والسلام والتقارب، لا بل تجاوزت تلك الرغبة إلى أفعال ملموسة، رأيناها ونتابعها في تدشين الكيانات ونشر المبادرات وعقد اللقاءات والموائد للحوار والمناقشة، وكذلك في سعي الحكماء والعقلاء الدائم من مختلف الجنسيات؛ لإطفاء الحرائق المشتعلة في العالم، ونبذ الأحقاد وتحرير العالم من قبضة المتشددين وخطباء البغض واحتلاله بالمحبة والتسامح، والحفر في المناطق المشتركة بين الشرائع والأديان والثقافات، من أجل الخروج بما يشبه دستور أو قانون عالمي أو شرائع تسامح عالمية، ينعم البشر تحتها بتفاعل وتعايش سعيد.

       يُعد الألماني  د. هوبرتس هوفمان، أحد هؤلاء المنشغلين بصنع دوائر سماحة جديدة، ويهتم بإعلاء ما يسميه "قانون التسامح"، وتقديمه للعالم؛ في صورة قواعد للآباء والطلاب والصحفيين ورجال الدين والسياسيين والرياضيين  والمثقفين وغيرهم؛ من فئات المجتمع. ويرى أن العالم ربما لا يحتاج الآن إلى مبادرات وبروتوكولات واتفاقيات؛ بقدر ما يحتاج إلى مبادرات فردية؛ بمعنى أن يسهم كل إنسان أيا كان موقعه في العالم الواسع؛ بوضع حجر يخصه في بنيان السماحة العالمي.

       يطرح الباحث في كتابه "قانون التسامح" عددا من التساؤلات والهواجس والأفكار، تصب في هذا السياق؛ عبر الحفر في تاريخ المعرفة البشرية، ومسارات الأديان والعقائد الكبرى، ويضيء على النماذج الناصعة في السماحة والاعتدال، مقابل النماذج المتشددة في مختلف الأديان والثقافات؛ لتلقف الأولى الثانية، كما لقفت عصا موسى أفاعي فرعون الزائفة.

       يمكن توصيف الكتاب بأنه صرخة في وجه الصامتين، أو غير المكترثين في هذا العالم؛ من أجل دفعهم خطوة في مواجهة المتشددين والمتطرفين؛ لتحرير العالم من قبضتهم الجهنمية، ومن ثم احتلاله بالمحبة والسماحة والاعتدال. و"كل واحد منا يمكنه أن يضيف قطعة في تركيبة السماحة العالمية، ولا يجدر بنا أن نظل نشكو، بينما نترك لهم المجال؛ بصمتنا لتوسيع دائرة الشر"

 

الثمار الذهبية

       أفرد الباحث مساحة واسعة من الكتاب؛ للحديث عن ما سماها "الثمار الذهبية للسماحة والاحترام في الأديان العالمية الكبرى"، فاستعرض تاريخ السماحة والاعتدال والرحمة في الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية والبوذية. وتوقف عند النماذج الإنسانية المضيئة في تاريخ الأديان الكبرى؛ باعتبارها علامات استرشادية على طريق السماحة، بدأها بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ كمنوذج أعلى لاحترام الآخر في الإسلام، مستدلا بسيرته وأحاديثه وآيات كثيرة من القرآن؛ للدلالة على موقف الإسلام المعروف من احترام الآخر المختلف. وأضاء على النماذج الأخرى في مختلف الأديان، وتوقف أمام آيات القرآن والعهدين القديم والجديد، التي يتكئ عليها المتشددون دائما في تبرير أفعالهم وسلوكياتهم العنيفة، كاشفا عن فهمهم الخاطئ، ومستدلا على وجود التعصب في التفسير؛ كقاسم مشترك بين جميع متشددي الديانات. وطالب الكسالى وغير المكترثين بالتحرك الفاعل، وعدم ترك العالم في قبضة المتشددين من مختلف الديانات. وربما لا نحتاج إلى المزيد من الاسترسال في توصيف التسامح وشخصياته في الأديان؛ إلا أنه يجدر التوقف عند ما سماه الباحث "السماحة الكبيرة" في الهندوسية. فالهندوس ليس لديهم كتابا مقدسا واحدا، يحتوي على الفرائض؛ كما حال المسلمين والمسيحيين واليهود، وإنما مجموعة شعائر حرة، تستحق الكثير من النظر، لا سيما أن الهند تعيش فيها فسيفساء ثقافية متعددة، قوامها أكثر من مليار شخص، كل مجموعة إثنية تعتبر أقلية بالنسبة لمجموع السكان فمثلا: هناك 23 لغة و22 ألف لهجة، موزعة على مختلف أرجاء الهند؛ حتى اللغة الرسمية لا يفهمها إلا 40 في المئة من السكان. وهذا ما يجعل الكاتب يرى أن التسامح الواعي في الهند تجاه الآخر، نشأ نتيجة عملية اختمار دامت آلاف السنين، مزجت فيها  ثقافات وأديان ولغات وأساليب تفكير مختلفة. ما يعني (بنظره) أن التسامح نابع من موقف روحي؛ لأنه يصعب أن يعيش ويتعايش داخل تلك اللوحة الفسيفسائية المدهشة، سوى بشر أصحاب مواقف روحية، وليس ضرورياً أن يحكم ذلك الموقف الروحي كتاب مقدس؛ كي يستطيع الإنسان أن يحيا بسلام، فالتعايش والسماحة ينبعان كما يرى الباحث من داخل النفس أولا؛ قبل أن ينص عليها كتاب مقدس. وهو ما نادى به المرشد الروحي سادغورو جاغي فازودف، في خطاب له حين تكريمه 2008 بجائزة إنديرا غاندي، حيث يقول، "لماذا نحن نحتاج إلي السماحة؟ كل واحد فينا يفكر أن الآخر على ضلال ويجب تنحيته، ولكن في الحقيقة لا يعرف بعضنا بعضا بطريقة كافية، علينا أن نخلق السلام في أنفسنا قبل أن نتوجه به للخارج". ولعل ذلك الموقف الروحي في الهندوسية، الذي ينبع من داخل الإنسان؛ أكثر مما ينبع من خارجه، هو الذي يقصده أو يسعى إليه المؤلف، حين يقول، "، فيقول الكاتب أيها القارئ.. أيها المواطن مارس أنت شرائع السماحة، وروج لها أنت".مستنتجاً شبه مبادئ للتسامح في الهندوسية، نذكر منها:

- ليس هناك عقائد إيمان وتعاليم دينية ملزمة للجميع. ما يعني (في نظر الهندوسي) ليس هناك  معنى للمناقشات الدينية المعروفة في الإسلام واليهودية والمسيحية؛ حول سؤال: من هو على حق في تعاليمه؟

 -  كل واحد صانع سعادته وعليه أن يهتم بخلاصه وبأفعاله الشخصية. 

ولم يغفل الكاتب عن بعض موجات العنف التي تعصف بالمجتمع الهندي من وقت لآخر، فلاحظ أنها ممارسات أصولية، يقوم بها بعض الهندوسيين، كما هول الحال لدى أصحاب العقائد الأخرى. واعتبر أن هؤلاء شأنهم شأن المتطرفيين في المسيحية والإسلام واليهودية؛ لا يعبروا عن صحيح دينهم؛ بل عن سياسة متطرفة بغيضة. ولكن ما يميز الهندوسي (بشكل عام)، أنه لا يرى نفسه متفوقا دينيا، كما هو الحال في الأديان الأخرى، فالهندوسي يرى جميع الأديان مجرد طرق مختلفة؛ للفهم الفردي والحياة الفردية، كما مارس ذلك المهاتما غاندي، معبراً عن كراهيته الشديدة للمتطرفين، وموسعاً دائرة إيمانه الهندوسي؛ بمحبته للأديان الأخرى، وكأنها دينه الخاص، حيث يقول، "فرض ديني على كل إنسان مثقف أن يقرأ جميع الكتب المقدسة".

       كما توقف الكاتب عند البوذية في الفصل الأخير  من القسم الأول؛ تحت عنوان "البوذية والدلاي لاما ليّن الجانب" مضيئاً على دعوة الدلاى لاما؛ لممارسة البساطة في الإيمان، مستدلاً بقوله "ديني بسيط جدا، ديني هو التأدب، وفلسفتي هي التأدب، لا نحتاج إلى هيكل، ولا نحتاج فلسفات معقدة، فهمنا وقلبنا هما هيكلانا". وهي المعاني التي تتماس مع سابقتها في الهندوسية، فالدين والفلسفة في البوذية هى التأدب، والعبادة ليست في المسجد أو المعبد أو الهيكل، وإنما في العقل المستنير والقلب العامر بمحبة جميع خلق الله. ويذكر المؤلف تعاليم بوذا في القرن السادس قبل المسيح: من يتأمل في شجر أو عشب يكتشف أن هناك منها أجناسا كثيرة، هذا يصح أيضا في الحشرات والطيور والسمك، فإن تأملت البشر لا أجد أن هناك أنواعا كثيرة منهم، في الواقع يشبه بعضهم البعض الآخر؛ مع ما هناك من فوارق طفيفة، وأكثر الفوارق عند البشر تتعلق بالأخلاق والعادات". وكان بوذا يطالب أن يُحكم على الناس حسب أفعالهم وأخلاقياتهم.

       في القسم الثاني، توقف الباحث أمام ميثاق الأمم المتحدة 1945، الذي انضمت إليه 192 دولة حتى الآن، وتصريح "اليونسكو" حول السماحة عام 1995، فاعتبر الميثاق يتضمن عدة مبادئ شهيرة ومعروفة، تصون كرامة الإنسان وحريته ومعتقداته، وهي مبادئ، تمثل أسس نظام السماحة العالمي المرجو. كما اعتبر أن "اليونسكو"، وضعت معايير للسماحة في ضمير الجماعة العالمية. وأشار إلى إعلان القاهرة 5 أغسطس 1990، الذي وافق عليه وزراء الدول الإسلامية، معتبرا أنه إيجابية؛ لتشديده على أن جميع الناس أسرة واحدة.

       وفي القسم الثالث تحت عنوان "النسبية الأخلاقية والمادية الضخمة" تناول الباحث مقولة البابا بندكتس السادس عشر، "أن النسبية الأخلاقية أكبر خطر على البشرية"، موضحاً أن النازيين والشيوعيين في القرن العشرين حولوا كل شيء في وقت قصير، فانقلب الظلم إلى حق والحق إلى ظلم، والسيء إلي صالح والصالح إلى سيء، وقتلوا وأعدموا بنسبيتهم الأخلاقية، الملايين دون تعكير ضمائرهم. مؤكداً أننا بحاجة إلي عالمية مسؤولة تقف ضد النسبية الأخلاقية، وتدعو لقدر أكبر من التسامح؛ كبديل عن إغراق عالمنا في الأنانية والمادية والانتهازية.

       لكن هل السماحة أمر مطلق؟ أليست لها حدود واضحة؟ بكل تأكيد؛ فلا شيء مطلق، وهو ما وضحه الباحث بشكل مختصر في القسم الرابع، مؤكدا أننا حين ننادي بممارسة السماحة فلا يعني ذلك الصبر والقبول بكل شيء، أكان خيرا أم سوءا؛ فكل شيء يتوقف عندما يصيب ضرره أناس آخرين.

 

علم النفس والسماحة

       إذا كان هوفمان توقف في الأقسام السابقة مطولاً حول السلوكيات الظاهرة للتطرف أو للسماحة، ففي القسم الخامس "علم النفس والسماحة"  ألقى الضوء على بواعث السماحة والتطرف من وجهة نظر علم النفس، مشيراً إلى ما كتبه إلكسندر متشرلخ، الذي يرى أن السماحة ليست موهبة يولد بها الإنسان، وإنما هي موقف شخصي ونفسي باطني يتخذه المرء من العالم، ومن الوسط الذي يعيش فيه. وهي فلسفة تقترب كثيرا من الموقف الروحي في الهندوسية والبوذية، ولهذا الموقف كما يبدو وجهان: وجه صالح وسوي وطيب ومعتدل، يُنتج السماحة والاحترام والتعايش السعيد وقبول الأخر المختلف، ووجه آخر، سلبي غير سوي مليء بالهواجس والأحقاد، يُنتج النفور والاشمئزاز والتباعد ومن ثم التعصب والكراهية. فالسماحة، حسب مفهوم ألكسندر هي ارتياح  القلب ومحبة النفس أو بغضها لذاتها أولا ثم للعالم. ذلك لأن مشاعر المودة تتوجه من الذات أو النفس أولاً؛ باتجاه ما هو قريب ومعروف لنا، ثم ينمو الجفاء والتباعد والاشمئزاز والنفور والبغض من الذات؛ باتجاه ما هو بعيد وغريب عنا، ويتطور الأمر وتزداد المشاعر السلبية، تجاه المجهول بسبب خوفنا منه. وهو ما أشار إليه برتراند راسل، "خوف الإنسان واندفاعه؛ كاندفاع قطيع الغنم، ومعاملته بقسوة لمن لا يعدون جزءا من قطيعه الخاص".

       يرى هوفمان أننا نقترب من دائرة السماحة؛ كلما استطعنا تنحية الحواجز والتغلب على الجهل بالآخر، والارتكاز على الحوار والنقاش. وبذلك نكون قريبين من الانفتاح على العالم. وهنا يشير هوفمان إلى مسؤولية خاصة تقع على عاتق رجال الإعلام والقادة السياسيين والدينيين؛ إذ عندما يثيرون المخاوف لدى الناس، يضاعفون القدرة على عدم التسامح. رابطاً بين الكراهية وعدم التسامح، وبين الشعور بالضآلة وعدم تقدير الذات وغياب الأمان، كما يقول إيرك هوفر، فعدم السماحة والتعصب ينبعان بالأساس من فقدان الشعور بالقيمة الذاتية وعدم الشعور بالأمان، وكذلك الشعور بالخوف وضآلة القيمة وبالتهديد والكبت. ما يعني أن التسامح من دون تقدير الآخر أو الاهتمام به، ليس تسامحاً بالمعنى الحقيقي، فالتسامح يعني الاكتراث بالآخر واحترام إيمانه واهتماماته.

       ويتساءل هوفمان: هل جينات عدم التسامح مغروسة فينا بالأساس؟ هل الخوف من الغريب متأصل في جيناتنا؟ وهل هو أيضا آلية حماية ضرورية؟ متوقفا أمام ما أفضى إليه العلم في أحوال الدماغ، مشيراً إلى أن الكثير من سلوكياتنا لا يديرها الوعي، وأن عوامل آلية تطلق ردود أفعال مختلفة تجاه الأخر. ما يجعله يرى أن العقل وحده قد لا يكفي في فهم التسامح، "علينا أن نفكر في السماحة ونفهمها ليس فقط بالدماغ، بل أن نشعر بها بالقلب"، مستعيناً بمقولة القس ألفونس نوسل: "قلب مفكر وفهم محب". موصياً بالابتعاد عن الشك في كل ما هو جديد وغير معروف؛ فنحن لا نصير أصدقاء فورا، بل علينا أن نجتاز قبل ذلك مرحلة الوصل بين الصديق والعدو، وأن نتلمس انفعالاتنا ونتعارف، فتكون المرحلة الأولى مرحلة التربص وعدم السماحة، وتكون مرحلة التعارف جازمة بالنسبة إلي إقامة السماحة، فنحن نحتاج إلى أكبر عدد من الإشارات الإيجابية عند ذلك فقط تنشأ الثقة والاحترام والتسامح، وعلينا أن نتعلم السماحة من داخلنا ونتمرن عليها، ونعرف بعضنا ونتحدث معا، علينا أن نوقف الحركة الدائمة الناتجة عن عدم الاهتمام بالآخر، فالسماحة أمر يمكن أن نتعلمه والبغض كذلك يمكن اكتسابه وتلقنه، لذلك فإن كل واحد في هذا العالم الذي صار قرية واحدة عليه أن يمارس سلوكا لطيفاً. يتعين علينا أن نفتح الأبواب المغلقة بين الأديان والأعراق والأقليات والأكثريات ونتعرف إلى بعضنا البعض، كما أننا بحاجة إلى مثل عليا في ميادين الدين والرياضة والثقافة والسياسة، يدعون إلى السماحة ويسبقون بمثلهم الصالح، كما نحن بحاجة إلى أخلاقيات عالمية جديدة، وإلى مبادئ عامة وشرائع للسماحة. وهو ما يناقشه في الفصل السابع، حيث يعتبر هوفمان أن "السماحة مثل العشب الأخضر، يجب الاعتناء بها وممارستها يوميا تماما مثلما نفعل مع العشب، فنقصه وندحله بانتظام، ونرش عليه السماد كل وقت محدد؛ هكذا يجب أن نعتني بالسماحة وبهذا المسلك يمكن أن تنبت رويدا رويدا أخلاقيات عالمية جديدة وأن تزهر المحبة، علينا أن نسقي دائما أعشاب السماحة كي تظل خضراء وتنمو. ولكنه يرى أننا نحتاج إلى انطلاقة عالمية جديدة، تكون بقوة "تسونامي تدفع السماحة في الوعي العام"، وإلى تحويل الأفكار الذهبية إلى وقائع، ونحتاج كذلك إلى أمثلة منيرة متعددة للسماحة في السياسة والعلم والثقافة والرياضة ووسائل الإعلام، وأكثر من ذلك إلى أبطال للسماحة من جميع أجزاء الأرض ومن جميع الأديان، فالسماحة كهدف لا يزال غائبا عن العالم والمحاولات الماضية ليست كافية حتى الآن.

 

شرائع السماحة

       يدعو الكاتب إلى تحريض دائم على الفهم، ودعوة فاعلة في سبيل التسامح تجاه الأديان والأعراف والأقليات، وهي تصح لكل الناس، المسيحيين فى روما، والمسلمين في مكة، والهندوس في مومباي، وتتوجه إلى النخبة المسؤولة فى جميع أرجاء الأرض. مشيراً إلى موجة من السماحة، تدفقت في السنوات الأخيرة، من خلال محادثات عديدة في العالم، قام بها قادة دينيون وسياسيون وعلماء يدعمون التعايش السلمي. وتحدث عمَّا سماها "شرائع السماحة لكل واحد فينا"، فيقول: لا تنتظر أن تتحرك حكومتك أو آخرون. كن أنت نشيطا وعامل الناس المنتمين إلي إيمان آخر وأقلية أخرى وعرق آخر بأدب خاص وباحترام وبإنسانية. غادر الجماعة الخاملة والأكثرية الصامتة، لا تترك المجال للقلائل المتشددين وخطباء البغض، وقم بالمساعدة في بناء أخلاقيات عالمية جديدة"، اهدم جدران عدم الثقة، بادر أنت للقاء الغرباء، اكبت الشعور السلبي القائم على البغض وطلب الثأر، كن حريصا على قناعاتك، كن متواضعا ومتسامحا محبة لذاتك، والتمس الله بواسطة شركائك. وذكر بمبادرة قامت بها عائلات مسلمة 2013 في بريطانيا، حيث دعت عددا من مؤمني الأديان الأخرى إلى الإفطار في شهر رمضان؛ بمنازلهم، ومن ثم نظموا تعارف، وقد أسس هذا التعارف مؤسسة " din@mine" الناشطة حتى الآن في تعميق الحوار والتسامح مع المختلف. وقدم تصوراً عما سماه، "شرائع السماحة للوالدين":

عامل كل ولد كما تعامل ولدك الخاص؛ بكل الحب، لا ترب أحدا من أولادك على البغض، لقنه احترام الحياة والإيمان بالثقافات الأخرى، ينبغي لأولادك أن يلعبوا مع أولاد ينتسبون إلى فرق دينية أو فئات إثنية أخرى ،وأن يتعارفوا في المساكن وفي روضة الأطفال. مذكراً بنموذج مؤسسة " أمهات الحارة" الألمانية، التي تقدم أسر اللاجئين؛ كمرشدات في منطقتهن، وتهيئة الأجواء لهن للتأقلم في الوطن الجديد. وفيما يتعلق بتصوره عن" شرائع السماحة للمربين والمدارس" يقول: ينبغي لنا أن لا نكتفي بتلقين علوم المعرفة، بل بتلقين أيضا علم معرفة القلب والمسؤولية، لا ينبغي أن تتضمن الكتب المدرسية مقولات بها أحكام مسبقة ضد الأديان والأقليات الأخرى، التربية على المحبة واللطف تنتج السماحة، والتعود على مواجهة النزاعات بطريقة سلمية. مستعرضاً مبادرة " التربية على التفاهم المتبادل" في شمال أيرلندا، التي تعمل على التقارب والمصالحة بين الكاثوليك والبروتستانت. كذلك ذكر "المعهد العالي للاختلاف" في الولايات المتحدة، الذي يساند برامج مختلفة في عدة بلدان، تدعم التفاهم والتعدد. و"معهد الأخلاقيات العالمية" الذي أطلقه البروفسير هانس كونغ في توبنغن بألمانيا، و"المعهد الملكي للدراسات حول الأمور المشتركة بين العقائد"، الذي أسسه الأمير حسن بن طلال في عمان بالأردن، معتبرا أن كليهما قاما بمبادرات ممتازة وفعالة لتعزيز السماحة والاحترام تجاه الآخر المختلف.

       أما فيما يتعلق بشرائع السماح للقادة السياسيين، فذكر النموذج الأجمل للتسامح في التاريخ المعاصر، الزعيم التاريخي نيلسون مانديلا، بطل السماحة الذي انتصب من رماد النظام التفرقة العنصري، وانتخب كأول رئيس أسود لجنوب إفريقيا المتعددة الألوان، فقاد المصالحة الوطنية عبر لجنة للاعتراف والصفح سميت، "لجنة الحقيقة والمصالحة"، مذكراً بمقولته الخالدة، "لا يولد أحد وفي قلبه بغض لعرق أو دين، الناس يتلقنون هذا في زمن تابع، عند ذلك يمكنهم أن يتعلموا المحبة أيضا". وختم البحث في القسم السابع من الكتاب، بما سماه "شرائع الثقافة"، فتوقف مطولاً عند فنون، وبخاصة الموسيقى، باعتبارها عابرة للغات والهُويات، على اختلافاتها وتناقضاتها الثقافية. معتبراً أن ما قدمه كشرائع للتسامح، لا تدعي أنها دستور أخلاقي كامل، وأنما هي اقتراحات عملية، تحرض على النشاط وزيادة الوقائع المثالية، وتذكير بالنماذج الناصعة، التي تشكل قدوة حسنة؛ لخلق عالم متناغم، يعيش الجميع باحترام ومحبة لبعضهم البعض. فمن أجل أولادنا والمستقبل الذي نريده لهم، نتمنى عندما ينظر الله من السماء لأرضنا يرى بسرور كبير أن خلائقه صاروا أناسا لهم قلب أكبر وسماحة أكثر ورحمة أوسع.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية