التسامح بين شرق وغرب بالمفهوم والدلالة في الوعي الراهن

  • كينونة البشر هشة وميالة للخطأ وخيارنا الوحيد تبادل التسامح
  • التسامح لا يخضع للأهواء والأمزجة وإنما هو خيار أخلاقي
  • التسامح هو حق الآخرين بالتمايز والاختلاف وهو واجب علينا نحوهم
  • نظرية الحقوق تقوم على حق كل فرد في احترام مصالحه الأساسية.
  • لا يمكن الاقتراب من الحقيقة دون وجود درجة كبيرة من التسامح بين المختلفين
  • العنف المشرعن باسم الدين هو أقبح وجوه اللاتسامح وأخطرها

 

       التسامح بين شرق وغرب، هو موضوع خمس دراسات في التعايش وقبول الآخر، شارك بها كل من: سمير الخليل، وتوماس بالدوين، وبيتر نيكولسون، وكارل بوبر، وألفريد آيير، حيث قدموا مقاربات وإضاءات متعددة الوجوه.

 

       في المقاربة الأولى يعرض سمير الخليل مفهوم التسامح بالعربية، الذي يحيل إلى السماحة والكرم؛ وأحياناً الجواب بأريحية، وهو ما يميز الشخصية العربية. ولكن المعنى يتباين في الثقافات المعاصرة. ما يجعل الكاتب يتساءل: هل هناك ما هو مزعج في واقع أن الانجليزية والعربية تتناقضان في تعبيرهما عن فكرة لها أهمية فكرة التسامح؟

       يقول الكاتب إننا نتوقع في العادة أن يكون ثمة الكثير مما هو مشترك في اللغات السياسية المستخدمة؛ لدى مختلف الثقافات؛ طالما أن الكائنات البشرية تتشارك في نفس الاحتياجات، وفي نفس المشكلات؛ في أغلب الأحيان. ولكن الخليل يرى من ناحية أخرى، "أن اللغات تخفف من سأم العالم، وتثريه؛ عبر وصفها وإبداعها للفروقات التي تفرضها مجريات الحياة، وأحداث التاريخ، والتقاليد الكتابية المغايرة، وشتى الكلاسيكيات وما إلى ذلك، أما الموقف الذي نقفه إزاء ما يجعل الناس على حدة، بالتعارض مع ما هو مشترك فيما بينهم، هذا الموقف هو الذي يتوغل في صميم فكرة التسامح الحديثة، فنحن نتسامح مع الآخر، (أي) مع ذلك الذي لا نحبه، (أو) مع ذلك الذي لا نعتبره كأنفسنا".

التسامح كمثال أخلاقي

       بيتر نيكولسون تناول بمقاربته موضوع "التسامح كمثال أخلاقي"، معتبراً أن التسامح هو ما يمكن أن يمارسه الأفراد أو الجماعات سواء بسواء، وبوسع الرجال والنساء أن يكونوا متسامحين في حياتهم الخاصة أو لا يكونوا، الأمر الذي ينطبق في المجال العام، على المجتمعات وسائر الدول.

       ويرى نيكولسون أن مكونات تعريف التسامح بوصفه مثالاً أخلاقياً، شاعت في الثقافة العالمية على خمسة مستويات:

  • الإنحراف، فما يتم التسامح معه، منحرف عما يعتقده المتسامح، أو يفعله أو يظن أنه يجب فعله.
  • الأهمية، فصاحب الانحراف ليس تافهاً.
  • عدم الموافقة، فالمتسامح لا يوافق أخلاقياً على الانحراف.
  • السلطة، فالمتسامح يملك سلطة؛ لكي يحاول كبح أو منع، أو على الأقل، أن يعارض ويعرقل ما يتسامح معه.
  • الصلاح، فالمتسامح صائب والمتسامح جيد.

       ويعلق نيكولسون على هذه المكونات بالقول "إن التسامح خيار أخلاقي، ولا أهمية معه؛ لأذواقنا ونزعاتنا. ولئن كان لا بد من أخذ تحيزات الناس ومشاعرهم الطارئة (أو المتبدلة) - إقبالا ونفورا - في الاعتبار؛ عند محاولة تفسير تسامحهم أو عدم تسامحهم، فإن هذه المشاعر لا تسن (أو لا تقونن) أساساً أخلاقياً، كما لا يمكنها أن تشكل أساسا لموقع أخلاقي". وهذه ملاحظة دقيقة، فالتسامح لا ينبغي أن يخضع للأهواء والأمزجة، فهو خيار أخلاقي؛ بل هو حق الآخرين، أي هو واجب علينا نحوهم.

       ويرى نيكولسون أن التسامح هو فضيلة الإمساك عن ممارسة المرء سلطته في التدخل بآراء الآخرين وأعمالهم؛ رغم أن هذه الآراء والأعمال تختلف عن آراء الشخص المذكور في ما يظنه مُهما، إلى حد أنه لا يوافق عليها أخلاقيا. وأما نقيض التسامح فهو عدم الاكتراث، وعدم قبول الآخر.

ولكن كيف يمكن بدء النقاش للبرهان على أن التسامح صالح؟

يقول الكاتب: ثمة فئتان من الأسباب يقررهما ما إذا اعتبر التسامح صالحاً ذرائعياً أو جزءاً من كلٍّ صالح أكبر، وإذا ما اعتبر، من الجهة الأخرى، صالحا بذاته وبداخله. بالنسبة لوجهة النظر الأولى، يلوح التسامح صالحا إما لأنه وسيلة ضرورية لشيء آخر بذاته وبداخله، أو شرط له، وإما لأنه جزء من كلٍّ صالح أكبر. وقد يكون هذا الصالح بذاته وبداخله هو الحرية أو العدل أو المدنية أو الصدق أو أي جمع بين هذه المفاهيم.

       يعرض نيكولسون بعض الآراء التي اعتبرت التسامح هو نظير الحرية، مثلما فعل رفائيل(Rafael Domingo) أو جزءاً من العدل، حيث أن مبادئ العدل تجمع معنى التسامح ودوره، كما يقول جون رولز (  RAWLS JOHN)، فكل شخص لديه حقه في التسامح المساوي لحقوق الآخرين فيه، ولا يستطيع أحد أن يقصر التسامح على آرائه وأعماله، منكرا اشتمال الناس الآخرين به، محتفظا في الوقت نفسه بعدالة حكمه. وأما آخرون أمثال ميل (J. s. Mill) فيدافعون عن التسامح؛ باعتباره ضرورة للتقدم الإنساني، وتطور المدنية على النطاقين التقني والأخلاقي.

       ويعلق نيكولسون على ذلك، فيقول "كل واحد من هذه الأفكار يملك نظرة إيجابية إلى التسامح؛ لأن الحجج التي يحملها تستدعي التسامح مباشرة، إلا أن هذه الأفكار ذات حدود؛ تهدد بجعل التسامح يقتصر على واقعة، أو على نوع من قيم أخرى، وفي هذا تعجز عن أن تنظر إليه كمثال أخلاقي مستقل، وأن تثمّن مساهمته الأخلاقية المتميزة".

       أما وجهة النظر الثانية حسب نيكولسون، فتحمل طرحاً ايجابياً أقوى، حيث يلوح التسامح صالحاً؛ بما يميزه عن كل صالح آخر، فحين يجد المرء نفسه مطالبا بالانتباه إلى أفكار الآخرين، التي وردت بشكلها البسيط كآراء، أو انطوت في أشكال عيشهم، يكون هذا المرء معهوداً به لأن يتعلم ويتثقف. فهو بهذا، يتم إعلامه أن بعض القيم الأخلاقية، وبعض معاملة الوسائط الأخلاقية الأخرى ، يكمنان في منح الاهتمام الجدي لآرائهم. أما عدم قيام المرء بهذا مع مطالبته بالاهتمام الجدي بآرائه هو، فذلك ما يتعدى الأنانية أو التنطح غير المشروع للحصول على امتيازات، إنها اللاأخلاقية، وعدم احترام الشخصية الإنسانية.

       ويخلص نيكولسون إلى أن المثال الأخلاقي للتسامح، لا يتطلب من المتسامح الاعتراف بالآراء التي لا يوافق عليها؛ باعتبارها جديرة ووجيهة، وإنما المطلوب منه احترام شخصية حاملي هذه الآراء، ومعاملتهم؛ كوسطاء (أو شركاء) عقلانيين وأخلاقيين.

 

مبدأ الحق

       يتناول توماس بالدوين موضوع "التسامح والحق في الحرية"، معتبراً أن هناك ظروفا عدة، يكون فيها من الحكمة للدول أن تكون متسامحة تجاه مواطنيها، وفي بعض الظروف، على أي حال، لا يكون التسامح مجرد مسألة حكمة، بل مسألة واجب. ويفسر هذا الواجب؛ باعتباره حقاً يمتلكه المواطنون، في أن يتم التسامح معهم. وغالبا ما نظر إلى هذا الحق على أنه الحق في الحرية. مضيفاً: إذا كان لحقنا في الحرية أن يحوز على محتوى متماسك، يتعين على هذه الحرية أن تكون محددة، منذ البداية، انطلاقا من معايير حقوق الآخرين (القانون الطبيعي الأساسي). على هذا النحو فقط يمكن لمسألة التأسيس العقلاني للحق في الحرية، أن تبرز ضمن إطار

محتوى التأسيس العقلاني للحقوق الأساسية الأخرى.

       يضيف بالدوين "وبما أن محتوى هذه الحقوق يتحدد، من جهة الاحتياجات والرغبة الظرفية، إذا كان لشيء ما أن يكون له أساس عقلاني صرف، فإنه لن يكون سوى مبدأ للحق أكثر تجريداً. وبهذا نصل إلى الفكرة القائلة بأن نظرية الحقوق تقوم على أساس مبدأ الحق، مجرد ومفرد، حق كل فرد في أن نحترم مصالحه الأساسية". وبذلك يتضح أنه كلما كان الاحترام يكون التسامح معه حاضراً، وبعبارة دقيقة، الاحترام هو التسامح.

 

ماهية التسامح

       يستهل كارل بوبر موضوعه المعنون "التسامح والمسؤولية الفكرية"؛ بتساؤل: ما هو التسامح؟ فيستعير قول فولتير، إنه "نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية. إننا جميعا من نتاج الضعف: كلنا هشّون وميالون للخطأ. لذا دعونا نسامح بعضنا البعض ونتسامح مع جنون بعضنا الآخر بشكل مبتادل. وذلكم هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة: المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة".

       يبدي بوبر إعجابا كبير بتعريف فولتير، معتبراً محاججته  المتماسكة مؤسسة على نظرة سقراطية تقول: "إنني أعرف أني لا أعرف.. وبالكاد أعرف هذا" وفي هذا ما يكفينا للمطالبة بضرورة أن نتسامح مع بعضنا البعض بشكل تبادلي. لكنه لا يكفي للدفاع عن التسامح إذا ما شُنّ ضده هجوم ما.

       وأثار بوبر مسألة جوهرية؛ قليلا ما ننتبه إليها ونوليها الأهمية التي تستحقها، فقال "إن التسامح والديمقراطية، والمحاولات العظمى، التي نقوم بها من أجل تحسين شروط العيش للجميع، تتعرض لهجمات دائمة، فإذا ظلت هذه الهجمات عند حدود النقد المعقول، يتعين علينا بالطبع أن نرحب بها. ولكن يتوجب الرد عليها بالطبع إن كانت مخطئة، ولا سيما إن أتت من لدن أفراد وجماعات يطالبون بحقوقهم؛ دون أن يكونوا على استعداد لضمان حقوق من يطالبون بحقوقهم الخاصة. في حالات كهذه، من الواضح أنه ليس من حقنا فقط؛ بل من واجبنا كذلك، أن ننكر التسامح على أولئك الذين يتآمرون لتحطيمه. ومسؤوليتنا في هذا السياق خطيرة للغاية". وعليه يرى بوبر، أنه لكي ندافع عن التسامح ضد أعداء التسامح، يتعين علينا أن ندافع عن الديمقراطية وعن مؤسساتها وعن إنجازاتها.

ويلاحظ بوبر أن هناك ثلاثة منطلقات تؤسس للتسامح، هي:

  • قد أكون أنا على خطأ وقد تكون أنت على صواب.
  • دعنا نتفاهم حول الأمور بشكل عقلاني.
  • قد يكون من شأننا أن ندنو من الحقيقة؛ حتى ولو لم نصل إلى اتفاق.

 

       في تعليقه، يرى بوبر أن المنطلق الأول يتطابق مع فهم كل من سقراط وفولتير؛ لجهة افتقارنا إلى المعرفة. والمنطلق الثاني، يلح على دلالة اللغة والكلام المنطلق في تعبيره عن نفيه، وهو، بهذا، يكون على علاقة وثيقة بالتسامح، بيد أنه يشير أيضا إلى حدود الكلام المنطلق، ولا سيما في العلاقة مع حدود التسامح. إنه هدفه ينبغي أن يكون الوصول إلى النقاش العقلاني، أي، إلى استكشاف الحقيقة بدلا من الاكتفاء بالحض على الأهواء، أو الوصول إلى الانتصار في المساجلة. وأما المنطلق الثالث، فيرى بوبر أنه يقوم على قاعدة، أننا عبر التخاطب، سيكون من شأننا جميعا، الاتفاق على الاقتراب من الحقيقة؛ حتى لو لم نصل إلى اتفاق. ومن الواضح أن هذا الاقتراب من الحقيقة لا يمكن الوصول إليه خلال النقاش؛ إلا بفضل التسامح المتبادل؛ وبفضل التبني المتبادل للموقف القائل بأن ما يقوله الطرف الآخر قد يستحق، على الأقل، أن ننصت إليه، بل وربما أكثر من مجرد الإنصات. والتسامح هو الشرط المسبق للوصول إلى هذا الموقف، هو الشرط المسبق لإمكانية الوصول إلى تصحيح متبادل بين الطرفين، ومن ثم إلى الدنو من الحقيقة. لكن ما يمكن التأكيد علينا هو أن الدنو من الحقيقة لا يكون ممكنا؛ من دون وجود درجة كبيرة من التسامح المتبادل.

 

لا عقلانية اللاتسامح

       يرى ألفريد آيير أن "منابع اللاتسامح" لها مصادر عدة: منها ما هو ديني، أو عرقي، أو اجتماعي أو أخلاقي... ومن الممكن أن يبرز كل منها بمفرده، أو متواكبا مع غيره من المصادر. ويلاحظ أن بالإمكان تبرير اللاتسامح أحياناً، ولكن يستحيل ذلك في معظم الأحيان. والأمر الذي يؤكد ذلك، هو "أن النتائج التي تترتب عليه غالبا ما تكون في منتهى السوء". وهنا تكمن خطورة اللاتسامح؛ حتى عند وجود مبررات، فهو سلوك وتعامل سلبي يضر بالعلاقات الإنسانية؛ كيفما كان نوعها.

       أما بخصوص منابع اللاتسامح الأخرى، فيرى آيير أنها تتمظهر بوجوه عدة؛ دون أن يكون لذلك علاقة بدرجة كثافته، أو بطبيعة موضوعه فحسب، بل كذلك بالعلاقة مع الظروف التاريخية لأولئك الذي يظهرونه. فيؤكد الكاتب أنه حالما يسلط الضوء الكافي على منابعه، فإنها تبدو لا عقلانية على العموم. ولكن من سوء الحظ أن هذا الواقع لا يكون كافياً للوصول إلى إزالته أو حتى إلى التخفيف من آثاره. ويختم آيير بالتأكيد على أن أخطر الأشكال التي يتخذها اللاتسامح، هو "اللاتسامح الديني"، حيث يتسبب بحدوث القدر الأكبر من الأذى. وهذا ما يفسر الحاجة إلى التعاون بين الأديان؛ بغية نشر قيم التسامح وبناء تعايش عالمي يراعي إنسانية الإنسان


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية