الفضائل والقيم الأخلاقية ميراث ثقافي إنساني سابق للأديان السماوية

  • فجر الضمير بزغ في الحضارة المصرية القديمة قبل 6000 عام
  • الأمم والشعوب جميعها تختزن فضائل القيم وفق مشاربها الثقافية
  • بعض الرذائل المألوفة لدى الشعوب القديمة ترتبط بعدم نضج الضمير
  • الفراعنة اهتموا بالعدالة الاجتماعية ومساواة الناس أمام الله والقانون
  • جميع المجتمعات الإنسانية رسخت الأخلاق عنصراً أصيلاً في التكوين الاجتماعي
  • تقدير المسؤولية الخلقية في الالتزامات الدولية يعكس تقدير الحيثيين لأهمية الأخلاق
  • فضائل الكنعانيين وقيمهم تأثرت بنظيرتها لدى المصريين والبابليين
  • كان العربي الجاهلي على وعي بفضيلة العدل ويتحراها في معاملاته

 

       كل الأمم والشعوب القديمة عرفت فضائل القيم الأخلاقية والإنسانية. ولكن كل أمة مارست القيم بطريقتها الخاصة؛ وفق بيئتها الثقافية ومعتقداتها الدينية. هذا هو جوهر كتاب "الفضائل والقيم لدى الشعوب القديمة ذوات الأديان الإنسانية"، للدكتور جلال شمس الدين.

 

       الاعتقاد بأن الأديان السماوية هي المصدر الوحيد للقيم الأخلاقية، وأن الشعوب القديمة كانت تعيش في ظلام أخلاقي دامس، فضلاً عن أن دياناتهم الوثنية لم تكن تميز بين الخير والشر، وأن الجميع كانوا يعيشون في حياة بهيمية، لا محور لها سوى اللذات، أو الإغارة على غيرهم من الشعوب؛ لغزوهم وسبي نسائهم، واستحلال ممتلكاتهم.. هو اعتقاد خاطئ، أو على أقل تقدير انحياز عاطفي للمعتقد، أو انحياز دوغمائي للخصوصية الثقافية. ولعل أول من أرخ لقيم الفضيلة والأخلاق هو جيمس هنري بريستد، في كتابه "فجر الضمير"، حيث لاحظ أن بداية نشأة الضمير، ومن ثم الأخلاق، تعود إلى حكماء الفراعنة في الحضارة المصرية القديمة؛ منذ نحو 4000 عام قبل ميلاد السيد المسيح، وألفي عام قبل نزول التوراة.

   الدكتور جلال شمس الدين، يتوسع في البحث، ولا يتوقف عند إرث المصريين القدماء والبابليين والحيثيين والكنعانيين والفرس فقط، كما فعل بريستد، وإنما يضيف إليهم بعض الديانات الإنسانية القديمة الأخرى، مثل، الزرادشتية والهندوسية والبوذية، وبعض الثقافات الأقدم أيضا، مثل، الثقافتين اليونانية والرومانية. منبهاً إلى أن تتبع تاريخ الفضائل والقيم لدى بعض الشعوب ذوي الديانات الإنسانية، لا يعني أن هذه الشعوب كانت تخلو من الرذائل؛ غير أن بعض هذه الرذائل كانت عادات مألوفة لديهم، ولم يكن الضمير عندهم قد نضج على النحو الكافي؛ ليدركوا ما في هذه الرذائل من شر.

 

فجر الضمير

       عرض الكتاب فضائل وقيم المصريين القدماء بإسهاب، موضحاً أنهم اهتموا، اهتماماً شديداً بالعدالة الاجتماعية، والمساواة بين جميع الناس، أمام الله والقانون، حيث نجد الفرعون يحذر وزيره من الطغيان قائلا: واعلم أن الوزارة ليست حلوة المذاق ، واعلم أنها لا تعني إظهار احترام أشخاص الوزراء والمستشارين، وليس غرضها أن يتخذ منها الوزير لنفسه عبيداً من الشعب، ثم يحذره من الطغيان قائلا: فلا تنس أن تحكم بالعدل؛ لأن التحيز يُعَد طغيانا على الإله ، وعامل من تعرفه معاملة من لا تعرفه، والمقرب من الملك كالبعيد عنه.

       ومن تعاليم أمينموبي: ولا توجهن كل التفاتك إلى فرد قد لبس ملابس بيضاء، بل اقبله في خرقه البالية. ولا تقبلن هدية رجل قوي، ولا تظلمن الضعيف من أجله؛ لأن العدل هبة عظيمة من الله. كما اهتم الفراعنة، اهتماماً خاصاً بتحريم الغش في الموازين والمكاييل، "فإن المكيال الذي يعطيك الله، خير من خمسة آلاف تكسبها بالبغي". كذلك حثوا على الطهر والعفة والابتعاد عن الزنا.  ودعوا إلى التعاطف مع الفقير، "فلا تمنعن أناسا من عبور النهر، وخذ الأجرَ من الرجل صاحب الثروة، ورحب بمن لا يملك شيئا". وحضوا على العطف ورعاية الأم وكبار السن وذوى العاهات، "ضاعف مقدار الخبز الذي تعطيه لوالدتك، ولا تهزأن من قزم، ولا تفسدن قصد رجل أعرج". كما اهتموا أيضا بفضائل نادرة جدا غير موجودة عند غيرهم مثل فضيلة "المهابة" التي لا يحصل عليها الأمير بالطغيان، وإنما بالعدل، "واعلم أن الخوف من الأمير يأتي بإقامة العدل". ومن ذلك أيضا الحث على صيانة الأسرار، "لا تصغين إلى أجوبة رجل شريف في بيت ثم تنشره إلى آخر في الخارج حتى لا يتألم قلبك". ومن فضائلهم النادرة أيضا الحث على عدم إقحام النظر إلى عورات الآخرين، "لا تدخلن بيت غيرك ولا تمعن في النظر إلى الشيء المنتقد من بيته؛ إذ يمكن لعينك أن تراه، ولكن الزم الصمت ولا تتحدثن عنه لآخر في الخارج؛ حتى لا تصبح جريمة تستحق الإعدام".

 

الحرب خطيئة

       أما فيما يتعلق بأخلاق الحثيين والكنعانيين، فيقول الكاتب: نحن مقتنعون تماما أنه ما وجد مجتمع إنساني قط، إلا وجدت الأخلاق عنصراً أصيلاً في التكوين الاجتماعي لهذا المجتمع؛ مهما كان هذا العنصر ضعيفاً، غير أن أبرز ما وصل إلينا من الأخلاق عند الحيثيين، هو، "ما نراه من تقديرهم للمسؤولية الخلقية في الالتزامات الدولية، التي أقرها أحد الملوك الحيثيين في القرن 13 ق.م، حيث يعترف هذا الملك بهجوم لا مبرر له، قام به ضد الدولة المصرية في عهد رمسيس الثاني، ولما كان هذا الملك يشعر بالخطأ الخلقي الذي ارتكبه، فقد نسبه إلى الوباء الذي كان شعبه يعانيه؛ جراء  غضب الآلهة عليهم، حيث جعل الوباء بمثابة عقاب على تلك الخطيئة التي ارتكبها". أما الكنعانيون فقد كانت فضائلهم وقيمهم متأثرة إلى حد بعيد بقيم المصريين والبابليين.

 

أقدم القوانين

       وبخصوص القيم والفضائل عند البابليين والسومريين والأشوريين، فيرى الكاتب أن البابليين قد عرفوا بالصدق والعدالة والعفة والبعد عن الشر والطهارة بعد الزواج، حيث كان يسمح للبابليين في العادة بقسط وفير من العلاقات الجنسية قبل الزواج، ولكن متى تم الزواج، تلاه إرغام شديد على التمسك بالوفاء الزوجي. كما تطرق المؤلف إلى العدالة والخير والفضيلة في "شريعة حمورابي".

      وفيما يخص السومريين، لاحظ الكاتب أن الإله الأعظم شمس- وهو إله العدل عندهم- يبغض الشرير، وأن الفضائل عندهم كانت عبارة عن تشوق لحياة أفضل. وكان الحكيم أو المصلح الاجتماعي "أورو كاجينا"، يعرف العدالة ويحاول تطبيقها على الرعية. ويعتبر أن الرشوة سلوك رذيل. وبالنسبة للآشوريين، الذين رغم اتصافهم بالقسوة التي قد لا نجد لها في التاريخ مثيلا، إلا أنهم لم يكونوا محرومين تماما من كل فضيلة، فكانت ديانتهم تهتم بمشكلة الخير والشر، وكانوا يؤمنون بأن هناك إلهاً للخير وآخر للشر، وهناك معركة بينهما، حيث ينتصر "مردك" إله الخير على "نيامات" الخبيث إله الفوضى.

 

العقل الخَيِّر

       الزرادشتيون من جهتهم، كان لهم كتاب اسمه " زند أستا" كما يقول الشهرستاني، وهو كتاب يجمع تعاليم زرادشت، التي يقول في بعضها، "دعوا روح الشر تخمد، واقضوا على الفساد، أنتم يا من تصونون أنفسكم بواسطة الاستقامة، جائزة العقل الخيِّر، الذي رفيقه المقدس من سيكون مسكنه في منزلك أيها الرب". ففي هذه التعاليم يدعو زرادشت اتباعه إلى التمسك بالاستقامة والفضيلة، وأن يتركوا روح الشر تخمد وتنطفئ، وأن يحاربوا الفساد للقضاء عليه، ومن يلبي هذا النداء سيكون جزاؤه أن يكون في الجنة مع الرب.

 

لا تضربوهن ولو بوردة

       لا يختلف الأمر كثيراُ عند الهندوس، فقد اهتموا بالفكر الصالح؛ لكونه مدخلاً لعدد من الفضائل، كما اهتموا بالتسامح مع أصحاب العقائد الأخرى. أما بالنسبة للنساء، فلهن مكانة خاصة عند الهندوس، حيث قررت "شريعة مانو" أنه "لا يجوز ضربهن حتى بزهرة"، وهو تشريع بلغ درجة عالية في رقته ونبله. كما عرفوا بالتسامح والبر بالفقراء والعدل والرحمة، حيث كان "هارشا" أحد ملوك الهند يعلن كل خمسة أعوام عن حفل عظيم لأعمال البر، وكان يدعو إليه كل أصحاب الديانات على اختلافها، كما يدعو إليه كل الفقراء والمعوزين في مملكته. أما البوذيون فقد ضربوا بسهم وافر في فضائلهم وقيمهم، ومن أهمها كبح الجماح ووأد الشهوات، والطهارة التي هي عند بوذا أن لا نؤذيَ مخلوقاً قط، ولا نمارس الحرام بأيدينا أو حواسنا "فالعين التي تُصان عن الحرام فاضلة، وهكذا الأذن التي تصان، والأنف الذي يصان كلها فاضلة".

       وتطرق الكتاب إلى الفضائل والقيم عند بعض حكماء الصين واليابان، فمنهم من اهتم بحرية الرأي "كدوق جد"، ومنهم من اهتم بالحرية والرحمة والسلام والصلاح "كمنشيس". كما حظيت فضائل وقيم اليونانيين القدماء باهتمام المؤلف، فذكر منها التعاطف والكرم والعطف على الموتى، وتقديسهم للنفس البشرية. هذا بالإضافة إلى العفة والطهارة والفضيلة من أجل الخلاص. وكذلك الاهتمام بالغرباء والعجزة، فقد كانت لهم هيئات للعناية بالغرباء والمرضى والفقراء والطاعنين في السن. وكانت الحكومة تقرر معاشات الجرحى من الجنود وتربي أيتام الحرب. ومن اليونان إلى الرومان الذي عرفوا بدورهم بالأمانة وعدم الغش والعدالة. وبالنسبة للعرب فقد فكانوا يمتازون بالتسامح مع الآخر ونقاء الضمير وإنجاز الوعد والعدل؛ فقد كان العربي الجاهلي على وعي بفضيلة العدل، وكان يمارسه في حياته العادية، ولذلك نصح أكثر بن صيفي أخاه العربي أن يتريث في حكمه على الأمور، حيث يقول، "ليس من العدل سرعة العدل".

       ويختم الدكتور جلال شمس الدين بالقول أن أصحاب الديانات الإنسانية، كانت لهم فضائلهم وقيمهم، وأن هذه الفضائل والقيم قد وصلت عند بعض ذوي الديانات الإنسانية إلى مستوى قريب جدا أو حتى متطابق مع الفضائل والقيم عند أصحاب الديانات الإلهية. رافضا أن يكون هناك شعب بالذات ينفرد بالقيم الصادرة عن الوحي الإلهي، وإذا كان هناك شعب بالذات مختار من الله؛ لما له من فضائل وقيم، فإن كل الشعوب في كل العصور عملت جاهدة للحصول على الفضائل والقيم وحققت نتائج طيبة.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية