من أجل رؤية جديدة للعالم

  • مع زيادة الأزمات البيئية سنضطر لضبط علاقتنا بكوكبنا
  • عندما نرى الطبيعة مقدسة سنكف عن استغلالها لغايات أنانية
  • القرن الجاري يداوي تشوهات روح الفرد تحت وطأة مادية سابقه
  • يمكن فهم الكون عندما نستخدم كلاً من حواسنا وقدراتنا الحدسية
  • النسبية الأخلاقية بالقرن العشرين استُبدلت بأخلاق عالمية فطرية
  • المتعددات تنبع من أرضيه واحدة وتصير إلى مآل واحد
  • يجب اختيار ما يعود علينا جميعا بالنفع بعيداً عن ثقافة الإقصاء

 

       إن الكون بأكمله نظام واع، سواء بمفرداته اللا مرئية المتجاوزة لإدراكنا، أو سواها من المحسوسات والمدركات، ما يقتضي استعادة تعاون البشرية؛ بتسامح يمنطقه وحدة المآل والمصير، وإن تعددت المُنطلقات، لذلك علينا أن نفكر جميعا، كنفس واحدة متسامحة، بعيداً عن الفكر الإقصائي البغيض. هذا هو جوهر كتاب "التغير العالمي من أجل بشرية أكثر إنسانية" لعالم النفس الأمريكي إيدموند ج بورت.

 

       يتناول إيدموند في كتابه، موضوعات عدة، لكننا سنتوقف عند الجانب الملح، وهو استعادة البعد الإنساني في سلوك البشرية من أجل عمارة الأرض بالخير والجمال والمسرة.

 

الطبيعة والكون

       يرى إيدموند أنه عندما نرى الطبيعة والكون على أنه شيء مقدس، فإننا سنكف عن استغلالها لغايات أنانية. وهذا الذي فرضته علينا الثورة الصناعية، حيث علينا أن نستغل الطبيعة ونسيطر عليها، بشكل يغلب عليه الكسب المادي. وكانت نتائج هذا الاستغلال ما نعرفه جيداً، من ارتفاع درجة حرارة الأرض، وتناقص الغابات، والتصحر، وفقد الأنواع الحية، وانتشار التلوث، والتناقص السريع لمصادر الطبيعة. ما يعني "أن كوكبنا يواجه كارثة لم يسبق لها مثيل، والأشكال الحية من النمو الاقتصادي والاستهلاك، ستصل بنا إلى حد من التدمير؛ لا نستطيع معه أن نُحيي، أو نعيد الحياة على وجه الأرض من جديد. ومع زيادة الأزمات البيئية عبر العقود القليلة القادمة، سنكون مجبرين على أن نسلك طريقة أكثر رعاية واحتراماً وتعاوناً في علاقتنا بكوكبنا. ولو حتى من النظرة الاقتصادية البحتة، سيكون هذا أمرا ضروريا. فلم يعد هناك وقت للإنسانية؛ لأن تتعجرف وتفترض؛ ببساطة، أن الطبيعة بمثابة مصدر طبيعي متاح للاستغلال المطلق". فهل سيحصل ذلك؟

 

الوعي الجمعي

       في نظر إيدموند كل شيء ممكن، بحكم الوعي الجمعي، حيث إن هوية الفرد بدأت في التحول من إدراك للذات؛ ككيان منفصل ومستقل ذاتيا، إلى معنى أرحب من المشاركة؛ في العلاقات البينية مع الآخرين، ومع الطبيعة والكون.

       وبينما تميز القرن العشرون بالانسلاخ عن الذات، حيث إن القوى العديدة التي ارتبطت بالتصنيع والمدنية، كانت قد فصلت أو عزلت الفرد؛ عن نفسه وأسرته ومجتمعه والطبيعة والروح؛ ليأتي القرن الحادي والعشرون ويداوي هذه التمزيقات. فالفرد كذات فريدة مستقلة، سيحل محلها عالم متزايد الوعي بالاتصالات البينية. وستتحول قيم وأساليب الحياة؛ بحيث تسمح للأفراد بالشعور بالود، وتقبل الأفراد من كل الثقافات والأعراق، وكذلك تقبل الحيوانات وكل كوكب الأرض. ومن ثم سنرى حياتنا كجزء متكامل من نظام كوني، مشاريعنا وأهدافنا تتسق مع المقاصد الإبداعية بالكون، وبعبارة دينية تقليديه، سنرضى بقضاء الله، حيث إننا سنشعر أن ما نريده يتسق مع إرادة الخالق.

       وبتحقق ذلك، حسبما يرى ايدموند، "يمكننا أن نبدأ في التغلب على حواجز النوع والعرق والثقافة وننغمس في القاعدة الذهبية: أن نعامل بالفعل جنسنا الإنساني، الذي ننتمي إليه، كما نريد أن يعاملونا به. وهذه ببساطة العاقبة المنطقية للوعي الذي ندركه؛ على أننا جزء لا يتجزأ منه؛ ككل عضوي واحد، وأيا كان ما نفعله للآخر فإنه سيعود علينا في تأثيره". لا شك أن هذا الوعي سيجعل عالم الغد مختلف عن عالم اليوم، وهو حلم كل من يأمل تحقيق السعادة للإنسانية جميعها.

طرق المعرفة

       وعلى هذا، فالنظرة الجديدة للعالم، تعطي مصداقية متساوية لطرق المعرفة الحدسية متضمنة –التخاطر، البصيرة، والإلهام الروحاني- مع طرق المعرفة الحسية التجريبية، التي تأُسس عليها العلم. وبتعبير ايدموند أصبحنا نقدر أن الكون يمكن فهمه كلية، فقط؛ عندما نستخدم كلا من حواسنا وقدراتنا الحدسية، واتخاذ القرار على كافة المستويات، يعتمد ليس فقط على التحليل المنطقي، ولكن أيضا على الحكمة، التي تتطلب البصيرة المكتسبة؛ من خلال الاتساق مع بعد أعلى من الوعي، تكون الأخلاق عنوانه.

       والأخلاق حسب ايدموند لم تعد ترى؛ كبناء ثقافي منتسب إلى تغيرات كل مجتمع؛ وفق قواعد وقوانين، تعلي من شأن المجتمع، حيث يقول "إن النسبية الأخلاقية بالقرن العشرين، قد حلت محلها أخلاق عالمية فطرية، تعتمد على الإدراك المتحرر؛ من الفروق الثقافية، المعتمدة على الإدراك الكوني والروحاني. فإذا كان كل الجنس البشري جزءا من كل مقدس، فإن الحنان والكرم واللطف؛ تجاه كل الموجودات –حية وغير حية- هو النتيجة المترتبة على ذلك منطقيا. إذ كلما تبزغ هذه المعضلة الأخلاقية، تظهر أسئلة عملية مثل، "ما هو أكثر شيء محبب إليك لتفعله؟ ومَن مِن المحيطين بك ستختاره لتشمله بعطفك ورعايتك؟ فالأخلاق لا تقوم فقط على أساس الأعراف والعادات الاجتماعية، ولكن أيضا على أساس احترام للعالم وحنو وشفقة تجاه كل أشكال الحياة".

       وحيث إن التنوع العرقي والديني والثقافي يشكل جزءا من عالمنا، فهذا يزيد احترام وتقبل الجنس البشري؛ لهذه الفروق مع رؤية أوسع للإنسانية جمعاء. وقد بدأ العديد منا في النظر متجاوزاً، هويتنا القومية والاجتماعية؛ كي نأخذ أنفسنا في الاعتبار بدلاً من هذا، أعضاء في حضارة كوكبية وعلى صلة عميقة وبينية ببعضنا البعض.

       وقد تطرق ايدموند إلى مسألة العالم من منظور روحاني، مفتتحاً ذلك بسؤال: ما لب المجال الروحاني الشائع والموجود قبل كل الاختلافات؟ مجيبا بأن الكون الروحاني متوقع أن يجيب على أسئلة ثلاثة أساسية:

- ما طبيعة الواقع؟

- ما الغرض من حياة الإنسان وما معنى هذه الحياة؟

- كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع بعضنا البعض كبشر؟

 

وحدة المآل

       بالنسبة لطبيعة الواقع، يرى الكاتب بأن الكون الروحاني من الممكن أن يتضمن على الأقل الافتراضات الثلاثة التالية:

       كل شيء واحد: وهنا يرى ايدموند أنه على مستوى الواقع نجد أن الأشياء غير متصلة، ولكن الأشياء المنفصلة والأحداث المنفصلة التي ندركها، هي في نهاية الأمر نابعة من نفس المصدر. وبعيدا عن الازدواجية، كوجود الخير والشر، النور والظلام، الذكر والأنثى، السائدة عند مستوى وجودنا، هناك وحدة تتخطى الأشكال المادية للأشياء، نجد أن كل شيء في اتصال بيني مع بعضه البعض، وضمنيا على هذا الأساس، نجد أن الإنسانية وكل شيء حي في الواقع، ينبثق من مصدر واحد.

كل شيء منفصل يتقاسم الوعي: بخصوص هذا الافتراض ذهب ايدموند إلى اعتبار أن الواقع منظم بطريقة ذكية عند كل مستوياته، من المستوى دون الذري إلى المستوى الكوني ككل، فحيثما تواجد الوعي – الذرة، الجزيء، الخلية، البلورة، الثقافة، الجنس (العرق)، الكوكب، الكون ككل- تواجد الوعي بشكل نشط؛ في بناء وحفظ وتكامل؛ لأي وحدة معينة في الواقع. وقد أشارت الديانات إليه؛ عندما ذكرت أن الله خالق كل شيء بحساب وقدر، فكل شيء في الكون ليس مادياً فحسب؛ بل وذاتي أيضا، ولدينا نوع من الوعي؛ أشارت إليه الديانات؛ في رؤيتها الروحانية؛ للكون من داخله؛ على أنه شيء مقدس، ينبغي تبجيله وتوقيره.

 

تنمية الحكمة

       الواقع في عمومه في تطور مستمر: بالنسبة للافتراض الثالث يرى ايدموند أن الأشياء المزدوجة والأشكال المتعددة، تنبع من أرضيه وخلفية نهاية واحدة، وبمرور الوقت، نجد أن كل الأشياء المنفصلة والمستقلة، تتطور في اتجاه إعادة التوحد مع نفس المصدر. يقول معلقا على ذلك، "الطبيعة في البداية ظهرت بشكل متعدد ومتنوع، ثم عبر دهور متعددة وبالتدريج تكاملت مع بعضها البعض، وعادت ثانية لمصدرها الأوحد. ومعظم الأديان تفترض هذه الرؤية المتطورة للكون، فالبوذية مثلا وصفت هذا التنوع، ثم الوحدة؛ على أنها بمثابة تطور وانكماش. ومعظم الأديان وصفت هذا التطور والطابع الروحاني؛ عندما تحدثت عن الإيمان بالله، وعشق الذات الإلهية، والتوحد معها والذوبان فيها؛ جلالا ورهبة وخشوعا". وهذا ما يثير السؤال الثاني: ما الغرض من الحياة؟

       يتساءل ايدموند: هل الغرض النهائي للحياة، يتجاوز مجرد إشباع حاجات الذات الأساسية؛ للبقاء والشعور بالأمن والراحة والحب والانتماء وتقدير الذات والمعرفة؟ يجيب، إن معظم الأديان والفلسفات الروحانية، تؤكد على أننا قدِمنا للحياة؛ لنمر بخبراتها المختلفة، فنتحاب مع بعضنا البعض أكثر، ونصبح أكثر شفقة ورحمة؛ لبعضنا البعض، ونتسامح أكثر، ونصبر أكثر، ونكون ودودين أكثر. ويرى أن للعديد من الديانات رسلاً، أظهروا أفكارها وبلغوا رسالتها، أمثال عيسى ومحمد، وذلك من أجل أن ينمو الجنس البشري ويتطور؛ ليصبح أكثر مثالية، بالمشي على نهج الرسل. وعلى هذا يخلص ايدموند إلى أن الغرض من الحياة في المقام الأول، هو ببساطة أن نتطور تجاه تيار الكون الطبيعي؛ نحو مزيد من الوحدة والانسجام والروحانية، وهدف الحياة أيضا أن نتعلم من أخطائنا، ومن ثمة فالحياة تعد مدرسة؛ لنمو الوعي، وتنمية الحكمة والقدرة على الحب.

       بقي السؤال الأساسي الثالث، وهو، كيف ينبغي لنا أن نتعامل مع بعضنا البعض كبشر؟ جواب ذلك في نظر ايدموند، أن نسلك سلوكاً أخلاقياً تجاه جنسنا البشري، ببساطة أن نقوم بعمل ما نريده من أعماقنا بطريقة طبيعية وعند مستوى وجونا الروحاني. لأن الذات عادة ما تسلك على فطرتها؛ بعيداً عن الخوف والأذى والجشع والحسد والتشبث بأحقية الذات، والشعور بالمنافسة؛ بدلاً من التعاون، محاولة تملق الآخرين، وعليه، فأن نسلك بطريقة أكثر خلقاً؛ تجاه الآخرين، وتجاه أنفسنا، هو أن نكون صادقين مع أعماق نفوسنا وقلوبنا، ونعبر عن الحب الصادق، التام، الخالص غير المشروط.

       وعلى الرغم من وجود عوامل تقلل من هذا، يؤكد ايدموند إننا عندما نحيا من أعماق وجودنا الروحاني وبصدق معه، فلن يكون هناك واجب أو إلزام نحتاج لأن نتعهد به، وبدلا من هذا فسيكون قانوننا، الذي نسُنه لأنفسنا في حياتنا اليومية، هو العفو والتسامح وحب الأنبياء- كل على دينه- وحيث إن الإنسانية تتحرك نحو مستقبل، يكون فيه التعاون بين كل البشر أمراً مطلوباً؛ بشكل متزايد، حيث يصبح كل منا قوة دافعة للسلام؛ بما نتضمنه في أعماقنا من شفقة وحنان، متأصلين في جوهر طبيعتنا البشرية الإنسانية.

       أمام هذه الرؤية الهادفة، نخلص إلى أن العالم لكي يكون عالما إنسانيا، يحتاج جميع من يؤمن بسعادة الإنسانية، أن يبادر بدءاً من محيطه، ثم من خلال وسائل الاتصال، إلى نشر الوعي بأننا إخوة، علينا أن نفكر فيما يعود علينا بالنفع جميعا، بعيداً عن أي منطق إقصائي، سواء كان من منطلق ديني، أو لغوي، أو عرقي، أو مذهبي، يجب الوعي إذن بأن ما نريده لأنفسنا نريده للآخر؛ بوصفه إنساناً، وليس بوصفه الآخر المختلف، الآخر الغريب، أو الآخر العدو.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية