"التّعايُش" في الفكر الخلدونيّ

  • فكرة التّعايُش تقوم على مفهوم المدنيّة والوسطية ونفي التعصّب
  • الدّرس الخلدونيّ اهتم بالقيم الإنسانيّة وصاغ المنوال الجامع لحياة النّاس
  • الفكر الخلدوني رصد التحوّلات التّاريخيّة واشتغل على حوار الحضارات
  • أطروحاته التاريخيّة والحضاريّة والفلسفيّة ترسم طريق التقدّم وإعادة بناء الهويّة
  • ابن خلدون تخطى الحَيّز التاريخيّ والجغرافيّ ليَطَالَ الكينونةَ البشريّة والمجتمعَ الإنساني
  • نظريّته في تاريخ الأمم وأحوال الاجتماع تعزز التواصل والانفتاح على الاخر
  • بناء الإنسان يتطلب التعايش مع الآخر والتحالف معه في المشترَكات

 

    ماذا بقي من ابن خلدون؟ سؤال محيّر، يَطال علاقتنا بتُراثنا وذاكرتنا، ببُرَه الصَّحو ونقاط الضوء في حضارتنا وتاريخنا، وببعض ملامح الحداثة في قَدامتنا. طرح هذا السؤال، يحتّم المراجعةُ والدّرسُ والتّمحيصُ، مراجعة ما بلغه العرب من نهضة في العمران وأطواره، والسّياسة وأوضاعها، والمعاش ووجوهه، والمعارف وأصنافها؛ لما تكتسبه هذه الأنشطة، في حال تطوّرها من علامات الرقيّ ومواكبة الحداثة.

 

   لا شكّ، إنّ المقاربة الخلدونيّة المرتبطة؛ بسياق عصرها، تطرح علينا أسئلة حارقة؛ سواء من ناحية المنهج أو من جهة مدى مزامنتها؛ لأحوال المجتمع العربي الإسلامي الحديث في بنيته التكوينية، ولئن كان لابن خلدون زمنُه وسياقاته المعرفيّة في إنتاج نظريّة في التاريخ، فما القولُ إذا اكتشفَ الباحثُ، بَعد النظر والتحليل، أن فكر ابن خلدون مازال مواكباً لزماننا؟

        لقد كان فكر الرجل شاملاً لمختلف المجالات ذات الصّلة؛ بموضوع الحياة الإنسانية في مختلف مظاهرها. وإذا كان ابن خلدون في بداية عطائه العلمي مجرّد متأثر بأسلافه، فقد بلغ، في قمّة ذلك العطاء، مستوى الإبداع غير المسبوق، بغلقه باب الإلهيّات الذي اعْتُبِر البحث فيه طمعاً في مُحَالٍ لا يخرج الفكر منه بطائل، إلى فتح باب الإنسانيّات من خلال، تأسيسه لعلم التاريخ وعلم العمران البشري، على قواعد عقلانيّة استقرائيّة ثم استنباطيّة.

       ما أحوجنا اليوم، ونحن نتلمّس طريق التقدّم وإعادة بناء الهويّة بطريقة عقلانية، إلى تسليط أضواء قويّة على فكر هذا العَلَم الرائد، نستلهم منه روح الإبداع الفكري والثقة بالنفس دون تعصّب ولا غرور، من خلال أطروحاته التاريخيّة والحضاريّة والفلسفيّة. وأن نحتفي بها، لا تشبُّثاً بالماضي ولا هرباً من هزائم الحاضر، بل لأنّ بعض هذه الأفكار والمفاهيم يحتفظ بفعاليته الإجرائية إلى اليوم. فكيف نفهم رؤيته للعلاقة بين الفلسفة والعلم وبين الدين والدولة؟ أين هذه الرؤية ممّا يحدث اليوم، وأين هي ممّا وصلت إليه العلوم الإنسانية الحديثة؟ كيف نفهم "المقدّمة"؟ وكيف نقبل زَعْمَهُ أنّها مقدّمة العلوم كلّها؟ ماهي عناصر الابتكار في فكره، في الدّرس الخلدوني الآسر؟

        في هذا السياق، اعتبرَ الباحث نبيل خلدون قريسة في كتا ب "ابن خلدون مرآة الجوكندا" ظاهرة ابن خلدون من صنف تلك الظواهر الإنسانيّة الخالدة، لا يفتأ المرء يكتشف فيها الجديدَ، كلّما أمعن النظّر في دقائق أمورها، وأرهَفَ السّمع لاستيعاب حديثها، وهو، في تقديرنا، اعتبارٌ منهجيٌّ مُقنع، إذ ميّز الباحثُ بين الوظيفة التاريخيّة والدّور التاريخيّ.

         إنّها بعضُ أسئلةٍ عن التواصُلِ مع "الآخر" وعن تواصُلنا مع ابن خلدون، عبر علاقات متشابكة خلافيّة وإشكالية، لكنّها أقانيم فكريّة ضروريّة تنفتح، بالضرورة، على الرموز الرائدة في ثقافتنا؛ كابن خلدون وابن رشد وغيرهما، مُحدِثة جدلاً عميقاً أحياناً، ثرّاً ولودًا، أحايين أخرى. فإذا بابن خلدون لاَ يَقْبَعُ في أسْرِ حَيّزٍ تاريخيّ أو جغرافيّ أو ثقافيّ مّا، وإنما يتعالى؛ ليَطَالَ الكينونةَ البشريّة والفكرَ والمجتمعَ الإنساني.

         وباعتبار اهتمامه بعلم الاجتماع والعمران البشري، وبحثه في بنية المجتمعات وآليّات اشتغالها، كان طبيعيًّا أن يهتمّ ابن خلدون باللغة؛ باعتبارها أحد أهمِّ أنظمة التّواصل الاجتماعي؛ منذ نشأتها إلى مراحل اكتمالها ونضوجها، باحثاً عن دورها، مُعرِّفًا وظيفتَها. لكن أن يُضَارِعَ ابنُ خلدون المختصّينَ وعلماءَ اللغة، فذلك أمرٌ يدعو إلى الإعجاب. أمّا أن نجد في تلافيف المدّونة الخلدونية تحقُقَ شروطَ علمٍ، وأن نجدَ مبادئَ نظرية وأنساقاً فكريةً مكتملةً، تدّل على الاختصاص وتشي بالتّبريز، فذلك أمرٌ يدعو إلى الدَهَشِ.

         لقد ربط عضويًا بين وظيفةِ اللغة؛ تعبيرًا وإبلاغًا، وخصوصيّةِ انبناء المجتمع البشري في أساسه. فعنصرُ اللغة عامل حيويّ في وجود الفرد بحدّ ذاته، وفي سلامة وجوده ضمن المجموعة؛ بل إنّ الاجتماع الانسانيّ بأكمله، ما كان له أن يتأسّس بما هو متأسِّسٌ عليه لولا اللغة.

        بذلك وُفقّ ابنُ خلدون توفيقاً مدهِشًا، في تحليله لهذه الوظيفة الحضارية للغة، مُبيّناً تلازُم قوّتِها بقوة أهلِها، وارتباط إشعاعها بإشعاع الأمّةِ التي تتداوَلُها. "فاللغةُ يسقط أكْثَرُها ويَبْطُلُ؛ بسقوط دولةِ أهلها، ودخولِ غيرهم عليهم.. فإنما يفيد لغةَ الأمة وعلومها وأخبارَها قُوّةُ دولتها". هكذا يُعيدنا ابنُ خلدون مرّة أخرى من حديث عن التواصل، إلى حديثِ التَواصُلِ اليومَ. تَواصُلِنَا مع واقعنا، واقعِ العرب في عصر يعيشونه مَذْهُولين منفعلين، لا يفعلون فيه إلاّ بمقدار. وما التواصُلُ إلاّ الفعْلُ في التّاريخ. فَحَريٌّ بهم أن يتدبّروا نظريّةَ التّواصل في معناها الأول، وأن يبحثوا سبل تفعيل لغتهم وتقوية نفوذها. وعليهم بالتوازي مع ذلك، أن يقتنصوا أو يفكّروا أو يجسّموا أفعالَ التواصُل في معناها الثاني، مع الآخر، مع الإنسان.

 

ماذا بقي من الفكر الخلدونيّ؟

       لقد بقيت فكرة التّعايُش، مبدأ مركزيّاً ومحوراً دوّاراً، وهي فكرة تقوم على مجموعة من المبادئ الفرعيّة والمفاهيم "المتعاشقة" بتناغم، يمكن إجمالها في: مفهوم المدنيّة باعتبارها اجتماعاً وتعاوناً، مفهوم نفي التعصّب، مفهوم الوسطيّة والاعتدال، مفهوم حوار الحضارات وتكاملها، مفهوم الوعي بالحركة والإيمان بالنسبيّة وفهم التحوّلات التّاريخيّة ورفض الجمود.

       بهذه الشبكة من المفاهيم، ومن خلال تدبّرها وقراءتها، لكأنّنا بابن خلدون يتكلّم باسمنا اليوم، ويعبّر عن هواجسن،ا ويعرّي زيفَنا وأحلامنا الخادعة، يكشف عن مخاوفنا وكوابيسنا، فما أحوجنا، اليوم، إليه أو إلى نظيره!

يذكّرنا بأنّنا دخلنا عصراً جديداً وألفيّة ثالثة، يذكّرنا أو يحذّرنا بقوله "وإذا تبدّلت الأحوالُ جملةَ، فكأنّما تبدّل الخلقُ من أصله، وتحوّل العالَمُ بأسره، وكأنّه خلقٌ جديد، ونشأة مستأنفَةٌ، وعالَم محدَثٌ".

       هكذا يمكن أن نتعلّم من الدّرس الخلدونيّ مجموعة من القيم والمشترَكات الإنسانيّة، بها فَهِم "المناويلَ" المجتمعيّة، وبها تجرّأ على صياغة "المنوال الجامع" لحياة النّاس، بها فَهِم الآليّات المتحكّمة في "الاجتماع البشريّ". لم يكن ذلك إسقاطاً ولا تعسّفاً، بقدر ما كان استقراء موضوعيّاً، تلته الاستنتاجات العامّة.

       انطلق من الخصوصيّات مِرْقَاة إلى صياغة القواعد، فكان مُنجزه الفكريّ، مزيجاً من المقاربة الاجتماعيّة الّتي أسّست لعلم الاجتماع، ومن المقاربة الأنثروبولوجيّة التي قامت على تراشح العلوم الإنسانيّة والعلوم الدّقيقة؛ بطريقة تبعث على الدَّهَشِ، كما أسلفنا آنفاً.

         لذلك احتفى الفكرُ البشريّ به، أيقونةً للتّعايش ومعلّماً للسّؤال. ها هنا يتحتّم على "الانتلجنسيا" العربيّة أن تستلهم مُنجزه، وأن تعيد قراءته مرّات، وأن تسعى إلى تدريسه للنّاشئة، ضمن ما يُمكن أن نسمّيه بـ" بيداغوجيا الفكر الخلدونيّ". ولن نتمكّن من ذلك إلاّ إذا عمِلْنا بمبدإ التّعايش مرّة أخرى، بأن نستثمر حشداً من العلوم والحقول المعرفيّة، كالأنثروبولوجيا واللّسانيّات وعلم النّفس وتاريخ الأفكار والعلوم السّياسيّة والتّاريخ والجغرافيا وغيرها. وبأن نجعلها تتعايش في "آلتِنَا" المنهجيّة وفي مقاربتنا للفكر الخلدونيّ، باعتباره فكراً "عابراً للتّاريخ"، أي أنّنا محتاجون، في ذلك، إلى "آلة" أو "مِعْوَل" أو "إزْمِيل"، مقْدُود من شَتيت الاختصاصات المعرفيّة المعاصرة.

       بذلك يمكن أن يكون ابن خلدون بصْمَة ًفارقة جامعة مانعة لـ "حداثتنا". وما أحوجَنا إلى ذلك نحن العرب!، حتّى نتعايشَ مع "الآخر" و"نَتنافذَ" معه، أو نتحالف معه في المشترَكات، نستفيد منه ونفيده؛ دون الوقوع في عقدة العلاقة بين الغالب والمغلوب. بذلك نسهِمُ في بناء الإنسان أيّا كان.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية