الأخوّة القبليّة تحمل في أحشائها بذور الفتنة والتفتيت الاجتماعي

  • العصبيّات قارضة التآخي ومحرقة الأنسنة المتجددة في سيرة البشرية
  • العصبيات لا تعترف بالقوانين الإنسانية أو الأخلاقية أو الروحانية
  • لا تتردد العصبيات باستخدام العنف، فدينها الغلبة وأخلاقها نفعية
  • بنية العصبيات الفكرية لا تجمع الناس على معنى واحد وإنما تفتت مبدأ الوحدة الانسانية التي يقوم عليها الإسلام كما المسيحيّة
  • العصبيّات تحارب الرسالة الدينية المبنية على التآخي الانساني الأوسع؛ بسبب الاختلاف الجوهري القائم بين المنظورين
  • الأخوّة القبليّة تحمل في أحشائها بذور الفتنة والتفتيت الاجتماعي
  • لا تتردد العصبيات باستخدام العنف فدينها الغلبة وأخلاقها نفعية

 

       التآخي مفهوم يتمتّع بفرادة معرفية تعود الى العصور البشرية الأولى، فهو المفهوم التأسيسي للوعي الانساني. ولقد رافق افتراق المسار الانساني عن المسار الحيواني منذ فجر التاريخ، وأدخل فكرة التسامح الى التعامل بين الناس في حياتهم اليومية والعملية.

 

       في البدء كانت الأخوّة، ثم بعدها جاء التآخي. والفرق كبير بين المفهومين، فالأخوّة مفهوم بيولوجي، يربط بين جماعة محصورة من البشر؛ برابطة الرحم أو الدم؛ لأن الأخوّة مفهوم شديد الالتحام بالطبيعة. لذلك بإمكاننا رصده في عالم الإنسان كما في عالم الحيوان. فهو قاسم مشترك تفرضه طبيعة عمليّة هي الولادة البيولوجية. فتماما كما أن هناك الأبوّة البيولوجية والأمومة البيولوجية، هناك أيضا الأخوّة البيولوجية. ويرث كل عنصر من هذه العناصر المعنيّة بهذه الوضعيّة - شاء أم أبى - هذه الصفة.

       في العالم الحيواني لا تذهب مفاعيل الأخوّة بعيدا، حيث إنها تتوقف وتتحوّل إلى افتراق بعد مرحلة البلوغ. الأمر الذي يجعلها تقتصر على بعدها البيولوجي الطبيعي. و كل ما يجيء في سياقها، يبقى محكوما بسقوف الغريزة؛ مهما بدا متطوّرا. لذلك تأتي الأخوّة في العالم الحيواني معدومة الأفق. تنشأ كما هي وتبقى كما هي؛ ما دامت على قيد الحياة. أما في العالم الانساني، فالأخوة اتخذت أبعادا أخرى مختلفة. وتعني داخل العائلة الممتدّة التي تشكّلت عليها العشيرة، لحمة أسريّة قوية وفاعلة، تدفع جميع الأفراد، وليس فقط الأخوة، الى التعاضد في تأمين بقاء العشيرة، والمحافظة على أمنها. أي أن فهما جديدا تمّ إدخاله على مفهوم الأخوّة داخل العشيرة؛ بحيث صار يشمل جماعة ممتدّة بعينها، ويلزمها بآليات تأمين بقاء وأمن جماعيين.

 

هوية نوعية

       تواؤماً مع هذه العملية، أعطي للأخوة بعد اجتماعي، أدّى الى منح هذه الجماعة البشرية الصغرى، هويّة نوعية مختلفة عن تلك التي كانت تحملها جميع الكائنات الأخرى على وجه الأرض. وغدا لها اسم مميّز هو العشيرة، حيث غادرت ونهائيا تسمية القطيع البشري الأول، الذي كانته قبل ذاك.

       فالأخوّة البشرية التي أطلّت حينذاك في أحضان العشيرة، شكّلت أول قطع إبيستمولوجي مع العالم الحيواني؛ إذ أعطتها معنى تجاوز البيولوجي باتجاه الاجتماعي. وعلى هذا الأساس راح هذا التضامن الاجتماعي يتوسّع، بحيث تمأسس داخل العشيرة، وأصبح عرفا بقوّة قانون. بات على جميع أفراد العشيرة الالتزام بأخوّة معنوية دفاعيّة الطابع، ومنطوية على جماعة أهليّة بعينها. فنشأت العصبيّة وعمّت بعد ذاك العشائر والقبائل كافة.

       إلاّ ان هذه الأخوّة الاجتماعية المتطوّرة جاءت سياسية، فانتظمت ضمن علاقات العشائر والقبائل على قاعدة تفريقيّة، مضيفة اليها معيار النسب. الأمر الذي جعلها عاموديّة وداخلية وخاصة بكل وحدة أهلية. لذلك لم تأت هذه الأخوّة جامعة أو عابرة للقبائل، بل أتت معززة للفواصل بين العشائر والقبائل، بحيث أن كل أخوّة نمت وترعرعت على حدى، تدير ظهرها للأخوّات الأخرى. و قد تجلّت هذه الوضعة الذهنيّة المنطوية على الوحدات الصغرى في المثل المعروف الذي يقول، "أنا وأخي على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب".

       لذلك عندما أطلّت الأديان السماوية بمفهوم التآخي، تزعزعت دنيا العصبيات؛ لسبب وجيه، وهو أن مفهوم التآخي كان يشكّل تجاوزا نوعيا؛ لمفهوم الأخوّة القبلي المتجسّد بالعصبييّة.

   التآخي..

       قدّمت الأديان السماوية التآخي؛ كمفهوم نقيض للحمة الأخويّة القبليّة، العاجزة عن الخروج من دوائرها الصغرى، التي كانت بمثابة دوائر وعي محدودة ومسوّرة، محبوكة على مقاسات العشيرة والقبيلة الحصرية، فجاء مفهوم التآخي عابرا للعشائر والقبائل، يجمع ولا يميّز، يضمّ ولا يفرّق.

       وقد تمكّن مفهوم التآخي، الديني المصدر في البداية، من تجاوز مستوى الأخوّة القبليّة، القريبة من كيانها البيولوجي والطبيعي الأول، كما تجاوز تركيبها الاجتماعي الأول، الحصري، المنطوي على جماعة أهلية ضيقة؛ بإضافة بعد أخلاقي مبتكر، نابع من شكل جديد للوعي الانساني، ألا وهو البعد الروحاني.

       ما يعني أن التآخي يتوجه الى الدائرة الانسانية الكبرى، ولا يقيم وزنا لما هو دونها. فالأخوّة القبلية ابتكار متقدّم للوعي البشري، لكنه يبقى، إبيستمولوجياً، ابتكاراً ذهنياً تكرارياً، في حين أن التآخي، الذي هو أيضا ابتكار ذهني بشري؛ يتميّز عن الأخوّة العصبيّة؛ بكونه موقفاً ذهنياً مفتوحاً على الإنسانية كلّها. ما يجعل الابتكار فيه شحنة مبدعة وخلاّقة؛ كون أخلاقيّاته تستهدف البشر أجمعين، وليس جزءاً منهم فحسب. لقد شكّل التآخي بديلا خطيرا بالنسبة الى الأخوّة العصبيّة، حيث طرح منظورا جديدا للدنيا، فلا يعترف بالتمايزات السياسية ووحداتها الصغرى؛ بل إنه نادى بالوحدة الإنسانية، ذات المنظومة الأخلاقية الكبرى، غير المقتصرة على الأعراف.

 العصبيّات..

       على رغم أن التآخي الديني، الإنساني الواسع، قد دكّ أسوار العصبيّات السائدة قبله، وعلى رغم أنه شكّل بديلا استراتيجيا لها، بخاصة في الإسلام والمسيحية، إلا أن العصبيّات عادت في العصور الأخيرة الى الساحة؛ بأخوّاتها المحصورة والمنغلقة، تحت ستار الدفاع عن الدين. ومنذ مناورتها السياسية التاريخية هذه، وهي تشكّل الدخيل العدوّ للإيمان ببعده الروحاني.

       تحارب العصبيّات الرسالة الدينية الحقة، المبنية على التآخي الإنساني الأوسع؛ بسبب الاختلاف الجوهري القائم بين المنظورين. فالعصبيّات على أشكالها (القومية والعرقية والقبلية والدينية والمذهبية) سياسيّة الخيط والحياكة، هدفها ليس الخلاص الروحي؛ بل تحقيق الغلبة. وعليه، فهي نفعية المقاصد ومادية المرامي، كما أنها تعجز عن نشر الأخوّة التي تتغنّى بها على جميع مكوناتها، حيث يبدأ أولا، العداء بابن العمّ، قبل انتقاله الى الغريب، حسب المثل الشعبي القبلي المذكور آنفاً. ما يعني أن العنف والعداء قائمان في كل مكان؛ حتى داخل الأخوّة العصبيّة غير القادرة، وغير الراغبة بالانتقال إلى رحاب التآخي الانساني العام.

مسارات عنيفة

       لا تتردد العصبيات باللجوء إلى العنف لتحقيق أهدافها. فالعمل العسكري يرافق مساراتها السياسية وأطماعها الأرضية العمل على نحو طبيعي، وكأن العنف شأن عادي. وبذلك لا تعترف بأي قانون إنساني أو أخلاقي أو روحاني المنبع. فقانونها الوحيد هو، الغلبة، الذي لا يستتبع أيا من المفاهيم الأخلاقية السامية، كمفهوم التآخي؛ لأنه لا وجود للأخلاقيّات في قاموس العصبيّات. وما تعتبره أخلاقيّاتها، لا يعدو كونه أعرافا نفعيّة تمّت ترقيّتها، ضمن كل دائرة صغرى من دوائر العصبيّات؛ الى رتبة أخلاقيّات. إلاّ أن التداول اليومي بالأعراف، مهما طال أمده، لا يمنحها صفة المبادىء.

       يستحيل أن نبني قانونا إنسانيا على عرف، في المقابل بالإمكان بناء قانون إنساني شامل على مفهوم نوعي كمفهوم التآخي. وهذا ما حصل على سبيل المثال إبّان الثورة الفرنسية (1789)، حيث تحوّل التآخي إلى شعار أسمى من شعاراتها التأسيسية. بينما من المستحيل أن يحصل أمر كهذا لو أن المطروح كان مفهوم الأخوّة العصبيّة، قبليّة المنطق والفلسفة. فالأخوّة العشائرية أو القبليّة تحمل في أحشائها بذور الفتنة والتفتيت الاجتماعي لأنها في الأصل مبنية على مصلحة، لا على أخلاقيّات. هي مبنية بشكل ثابت على مصلحة أهل العصبة السياسية ولا شيء سواها. فكم شهدنا بأم العين في النزاعات والحروب الداخلية في العالم العربي المعاصر من عمليّات تبخّر فجائي للأخوّة العصبيّة بين فريقين، كنّا نعتقد أنهما من مشرب واحد، كما كانا يعلنانه قبل نشوب الاقتتال "الأخوي" بينهما، للدلالة على أن الأخوّة العصبيّة مجرّد وهم و شعار كاذب. فلماذا تقاتل بالسلاح حتى الموت؛ فريقان مسيحيّان مارونيّان (القوّات اللبنانية والتيّار الوطني الحر)، وكذلك فريقان مسلمان شيعيّان (حركة أمل وحزب الله) إبّان الحرب الأهلية اللبنانية، إلاّ على قاعدة الغلب السياسي؟

 قارضة التآخي والتسامح

       لا مكان للتآخي في العصبيّات، تدفع هذه الأخيرة المجتمعات باستمرار الى محرقة بشرية متجددة. فهي تعمل على تفتيت منظومات التآخي الأخلاقية في المقام الأول؛ حيث إنها على الدوام تسخّف الديني في مجال الشؤون السياسية، الذي تعتبره ملكيّة خاصة مطوّبة باسمها. فتؤكد العصبيّات دوما على استتباع الدين والمؤسسات الدينية ورجالاتها الى أقصى الحدود الممكنة، محتفظة بالقرار السياسي بقوّة وثبات. فالتذاكي السياسي العصبي يقوم على إعلان ولاء شكلي للدين؛ من دون التنازل عن الاستئثار بالقرار السياسي، الذي ينعكس مباشرة على السلوك الأخلاقي العام. الأمر الذي يؤدي الى شطب معنى المبادىء الأخلاقية الدينية العليا واستبدالها بقيم الأعراف العصبيّة. وشتّان بين هذه وتلك.

       كما تعمل العصبيّات على تعزيز الانطواء الاجتماعي؛ لأنها على الدوام تحصر أهلها فكريا ومعيشيا، ضمن دوائر صغيرة، تريدها متعارضة؛ بل متناحرة عند اللزوم. إن فكرة المجتمع العضوي الكلّي غائبة عن المنظور العصبيّ، ولا تحتمل بنيته فكرة جمع الناس تحت معنى واحد، فمنظور العصبيّة يفتت الكلّ الى أجزاء، ويضرب مبدأ الوحدة الانسانية التي يقوم عليها الإسلام كما المسيحيّة.

  أخيرا، تعمل العصبيّات على ضرب فكرة التسامح في صميمها؛ من خلال ممانعتها لمعاني التآخي الانساني والاجتماعي غير المشروط. فالأخوّة العصبيّة معصوبة بأهل وعصبة، بينما التآخي مفتوح على التسامح مع الناس أجمعين.

       الأخوّة العصبيّة مفهوم مسقوف سياسيا، ونفعي، ومرتبط بأعراف حديدية، بينما التآخي مفهوم لا سقوف له، فهو أخلاقي الى أقصى الحدود الإنسانية، وإنساني الى أقصى حدود التسامح. لذلك فإن البناء على الأخوّة العصبيّة كما البناء على الرمل، بينما البناء على التآخي الانساني كما البناء على الصخر.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية