وثيقة "الأخوة الإنسانية من الحوار والجوار إلى التعاون الإنساني والتآخي الوجداني

  • ما حدث في أبوظبي خلال الزيارة يعد أساساً لمنظومة حضارية من الوفاق
  • جاءت الزيارة في أوقات عسيرة مشبعة بإيديولوجيات مقيتة
  • لم يعد سراً القول بأن تحت جلد كل مؤدلج إرهابياً
  • الإمارات حاضنة إنسانية مثالية لنشوء وارتقاء أخوة الرحمة والفضيلة
  • أقوال الإمارات تطابق أفعالها حيث التسامح والتعايش واقع على الأرض
  • على أرض الإمارات مليون مسيحي كاثوليكي ينعمون بالاحترام الكامل
  • عقلية القيادة الإماراتية استطلعت باستشراف تاريخي الحاجة المستقبلية للزيارة
  • لقاء شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان ينهي تاريخ الخصام ويعزز أزمنة الوئام
  • إعلان أبوظبي للسلام العالمي يكمل وثيقة "حاضرات أيامنا"

      

    نقلت الزيارة التي قام بها البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان ولقائه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في أبوظبي، وتوقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، التقارب بين أبناء الإسلام والمسيحية، من مرحلة الحوار والجوار واكتشاف الآخر، إلى مستوى التوحد من أجل مجابهة التحديات الإنسانية الواحدة، في خندق واحد؛ لصالح خير البشرية قاطبة.

   وتطرح الزيارة، ونتاجها، لا سيما إعلان أبوظبي أو وثيقة الأخوة، العديد من التساؤلات حول شكل العلاقة الإنسانية بين الشرق والغرب، وبين الإسلام والمسيحية، ما يجعل التساؤل الأساس، محل هذه القراءة: كيف لنا أن نقرأ أبعاد ما جرى في أبو ظبي؛ خلال تلك الأيام اليوتوبية الثلاثة؟ وما هي التبعات والاستحقاقات المترتبة عليها؛ حتى لا يضحى الحدث مجرد حفل أو استقبال بروتوكولي تاريخي، بل أساساً لبناء فكري وإنشاء منظومة حضارية من الوفاق لا الافتراق، ما يمكن أن يترجم إلى أفعال على الأرض، كفيلة بتغيير شكل الحياة في زمن صعب؟

  بات فرض عين، بداية، التأمل في الأجواء الدولية التي أحاطت بالزيارة، ذلك لأنه لا يمكن، بحال من الأحوال، فصلها عن السياقات المعولمة الآنية، حيث أصبح العالم؛ بفعل ثورة الاتصالات، قرية كونية صغيرة.

    تأتي الزيارة في أوقات عسيرة على كافة الصعد؛ لاسيما مع ظهور الإيديولوجيات الضارة، ونشوء وارتقاء الهويات القاتلة، شرقاً وغرباً.

  حين حضر البابا فرنسيس إلى الإمارات، كان الرجل يترك من خلفه قوميات غربية، وتوجهات شوفينية متطرفة، تبلورت في صورة أحزاب يمينية، ذات ملامح ومعالم تعيد التفكير؛ بما جرى في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، أي ظهور النازية والفاشية، تلك الحركات العنصرية التي كلفت البشرية زهاء سبعين مليون قتيل، وضعفهم من الجرحى والمصابين، ودمار اقتصادي، احتاج إلى عقدين وأكثر لتجاوزه.

  وفيما يمضي شيخ الأزهر؛ ليصاحب بابا الفاتيكان في زيارته، فإنه يقر ويعترف ضمناً؛ بأن جماعات الإسلام السياسي قد باتت وبالاً على العالم، فالجماعات المارقة من الإرهابيين راحت تلوي عنق النصوص الدينية، وتحيل أحوال العالم إلى قلق في النهار وأرق في الليل، وذلك عبر أصوليات متطرفة، وراديكاليات سلبية، بل وايديولوجيات مغرقة في التطرف، وليس سراً القول أن تحت جلد كل مؤدلج إرهابياً.

 

       كيف لعالم على هذا النحو المتقدم أن يعرف طريقة للأخوة الإنسانية، وتضافر الجهود البناءة، ونسج شبكات التعاطي الخلاق مع أزمات الكون المستحدثة، من دون قيادة وريادة قادرة على استشراف الأحداث، وقراءة الحاضر والمستقبل؛ بذهنية مؤهلة لفهم الغد وماهرة في صناعته؟

  يمكن القطع بأن مسألة من يصنع التاريخ قد حُسمت، فقد كان السؤال دوماً، هل الأشخاص أم الأحداث من يقوم بذلك، وقد حسمت لصالح الأشخاص بالفعل.

  في هذا السياق التاريخي نحن بصدد مقاربة بين اثنين من باباوات روما غيَّرا مسار التاريخ بالفعل، أحدهما قاد العالم في طريق الافتراق، والآخر فتح عقله وقلبه للآخر بأخوة للاتفاق، وإن كانت السياقات التاريخية قد حكمت رباطاتها حول الأحداث.

   في السابع من نوفمبر من عام 1095 ألقى بابا روما "أوربان الثاني" خطاب حرب لإنقاذ أورشليم، لتنطلق ما وصفها العرب "حروب الفرنجة"، فيما سماها الغرب "الحروب الصليبية"، وقد شكل الخطاب وتبعاته فاصلاً من الكراهية.

  غير أن التاريخ المعاصر يضعنا ومنذ العام 2013 أمام بابا مغاير، اختار بداية اسم متصوف إيطالي "فرنسيس  الإسيزي"، الرجل الذي رفض الحروب الصليبية، وسعى للقاء السلطان الكامل الأيوبي في مصر، باحثاً عن السلام، وقد ترك بالفعل للأجيال المعاصرة نموذجاً رائداً تجاوز في حقيقة الأمر حالة الحوار التي نشأت بينهما، إلى شكل من أشكال التعاون الإنساني، تمثل في تعايش وتسامح السلطان مع أتباع فرنسيس وسماحه لهم بالعيش في سوريا وفلسطين ومصر، وقد جلب هؤلاء معهم طباً وعلوماً وفلسفات  حديثة أغنت معاصريهم بشكل لا يزال المؤرخون يتحدثون عنه إلى اليوم.

 

  لعل الحاجة الرئيسي؛ لنشوء وارتقاء أخوة، تسعى في طريق تعظيم قيم الرحمة، وتحث السير إلى معارج الفضيلة؛ تتمثل في ضرورة وجود الحاضنة الإنسانية، القادرة على القيام بمثل هذه المهمة الجسيمة.

 في هذا السياق، ليس أصدق من دولة الإمارات في حلها وترحالها، وأقدر منها على احتضان إعلان لتآخي الإنسانية في نهايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لاسيما وأن أقوالها تطابق أفعالها، ذلك أنها وهي تتحدث عن التسامح والتعايش وقبول الآخر، فإن سياقاتها العملية، وواقع حالها على الأرض يشهدان بذلك، فعلى أرضها نحو مليون مسيحي كاثوليكي، يعيشون حياتهم الدينية والإيمانية، في أجواء من الاحترام الكامل من قبل السلطات الرسمية للدولة، وفي فضاءات من التسامح الإنساني البناء، ولهذا حق للإمارات أن تعطي المثل والقدوة في طريق خلق عالم معاصر جديد من الجهود الإنسانية المتكاتفة، الرامية لإنقاذ الإنسانية، في عالم ما بعد العولمة.

قبل التوقف عند معاني ودلالات الكلمات التي ألقيت في "مؤتمر الأخوة"؛ بإطار زيارة البابا والشيخ، ينبغي الإشادة بعقلية القيادة الإماراتية التي استطلعت الحاجة المستقبلية لمثل هذا اللقاء، في عالم باتت الانقسامات سمته الغالبة، من جهة، و ومن جهة أخرى، التفكيك عوضاً عن الاندماج؛ وسمه ورسمه، بعد عولمة حملت أحلاماً بالوحدة والاتحاد.

   منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، وروح التعصب والتمذهب تقف وراء العديد من السياسات التي أثرت تأثيراً غير خلاق على العالم، وولَّدت الكثير من الحروب والمآسي ولا تزال.

    ولم تكن غزوتي نيويورك وواشنطن كما وصفهما "بن لادن" فرزاً مفاجئاً لعالم منقسم على ذاته، بل إن النار والدمار اللذان اشتعلا مادياً في الأبراج، كانت وراءهما رؤى فكرية، ونظريات منحولة، بل تنبؤات كاذبة، تسعى إلى تحقيق ذاتها بذاتها، تلك المعروفة باسم الـ Self-prophecy، ومنها ما ذهب إليه "صموئيل هنتنجتون"، ورؤيته لحتمية صراع الأديان والثقافات، وتقسيمه العالم إلى فسطاطين متناحرين بالضرورة.

  في هذه الاجواء، بات من الطبيعي جداً أن يجد الإرهاب والتطرف أرضاً خصبة ينموا فيها، وينتشرا، وأضحى العالم موقعاً وموضعاً لحرب عالمية ثالثة مجزأة؛ بتعبير البابا فرنسيس، من هنا تبدو الحاجة واضحة للقاء وعمل تضامني لإنقاذ العالم.

   في السابع عشر من كانون الأول ديسمبر 1965، صدرت وثيقة عن المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في روما، قدر لها أن تفتح أبواب الحوار والجوار بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، وبقية العالم، وهي الوثيقة المعروفة باسم (Nostra Aetate)، أي "في حاضرات أيامنا"، وقد استفاض الجميع في الشرح والطرح من حولها، وحان وقت العمل على الأرض، أي آن أوان وزمان ما بعد التنظير الفكري.

  لم يكن لمؤتمر الأخوة الإنسانية الذي شهدته أبو ظبي أن يرتفع من على الأرض إلا بجناحه الثاني، شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، الذي فتَّح عيون الحضور على صراعات عالمنا المعاصر، وعلى أزمة اختطاف الفكر الديني من قبل المتشددين والمتطرفين، شرقاً وغرباً، الأمر الذي يستدعي نقل العلاقة بين الجانبين من دائرة الغرف المكيفة والتنظيرات العقلية على أهميتها، إلى سياقات العمل الناجز؛ لإنقاذ الإنسانية من وهدة الهلاك المحتوم.

  الشيخ الطيب كان لا بد أن يحلل أبعاد المشهد الإيماني والإنساني، الذي خلق واقعاً مأزوماً، وبخاصة بعد العام 2001، ذاك الذي دفع الإسلام والمسلمون ثمناً غالياً، جراء كارثة إنسانية شهيرة، وأخذ فيها مليار ونصف المليار مسلم؛ بجريرة أفراد لا يزيد عددهم على أصابع اليدين، وتالياً استغلت سلبياً في إغراء الإعلام الدولي؛ لإظهار الإسلام في صورة الدين المتعطش لسفك الدماء، وتصوير المسلمين في صورة برابرة متوحشين.

  تتجاوز مشاعر الاخوة، أدبيات الحوار، وهذا هو الفارق الحقيقي الذي جرت به المقادير على أرض الإمارات، والشاهد أن الذين قدر لهم رؤية العناق الأخوي بين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان في مطار أبو ظبي، والسيارة الواحدة التي أقلتهما سوياً إلى مكان إقامة واحدة، خلص إلى أن شيئاً مغايراً يولد وينشأ؛ ليغير من معالم أزمنة الخصام، ويدخل بنا في رحابة عصور الوئام.

   في خطابه أمام مؤتمر الأخوة الإنسانية، أعطى الشيخ الطيب من خلال سرد الأحداث، نموذجاً صادقاً حقيقياً بشأن الأخوة، وذلك من خلال الإشارة إلى العلاقة التي تربطه بالبابا فرنسيس، وكيف ولدت فكرة "وثيقة الأخوة".

  الأديان السماوية، عند الشيخ الطيب، بريئة كل البراءة من الحركات والجماعات الإرهابية، كائناً ما كان دينها وعقيدتها أو فكرها، ضحاياها أو الأرض التي تمارس عليها جرائمها النكراء. فالأخوة تولِّد فكراً رائقاً راقياً، ينزع خوف العالم خارجاً، ولهذا ينفي الشيخ الطيب أن تكون الأديان كما قال أحدهم، هي "بريد الحروب" أو سببها الرئيس. مؤكداً أن الحروب التي انطلقت باسم الأديان وقتلت الناس تحت لافتاتها، لا تُسأل الأديان  عنها، وإنما يسأل عنها، هذا النوع من السياسات الطائشة التي دأبت على استغلال بعض رجال الدين، وتوريطهم في أغراض لا يعرفها الدين ولا يحترمها.

  تجاوز شيخ الأزهر في أبو ظبي مسيرة تتجاوز الحوار إلى الاهتمام بالواقع الإنساني المضطرب، ساعياً إلى تغييره، حيث خاطب دول الغرب وشعوبها، مطالباً إياهم بالاندماج في أخوة صادقة وإيجابية في المجتمعات التي أرتضوا العيش فيها، مع الحفاظ على هويتهم الدينية.

   لقد توجه الشيخ الطيب إلى أبوظبي وفي معينه، مشروع تم تنفيذه على أرض الكنانة في مصر، مشروع يجعل التآخي الإنساني واقعاً حياً معاشاً، يعمق أخوة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين، مشروع الفتاح العليم، وكاتدرائية ميلاد المسيح، على أرض العاصمة الإدارية الجديدة لمصر، ما جعل كلماته تضيئ الأمل الممزوج بالعمل للأجيال القادمة.

       أفضل مقاربة يمكن للأديان أن تقدمها للعالم، هي مقاربة السلام، الذي يعني طرد الحروب بعيداً عن سياقات البشر المتسامحين المتصالحين، سياقات النمو المستدام والازدهار والاستقرار، الذي خُلق الإنسان من أجله.

  "في هذا العصر حيث تعتبر الأديان مصدراً للصراعات، أردنا أن نعطي إشارة جديدة واضحة ومقررة، أنه يمكن أن نلتقي، وأن نتبادل الاحترام، وأن نتجاور".

       كانت تلك كلمات البابا فرنسيس التي لخص فيها رحلته إلى الإمارات، ومضيفاً في لقائه الأسبوعي الأول بعد عودته، في ساحة القديس بطرس في حاضرة الفاتيكان: شكلت هذه الزيارة خطوة مهمة إلى الأمام، في الحوار بين الاديان، والالتزام في تعزيز السلام في العالم، على أسس الأخوة الإنسانية.

       ربما يكون هذا هو الفارق الحقيقي، والمؤكد؛ لما جرى في أبوظبي، أي محاولة تغيير العالم، لا من خلال الجلسات والمنتديات الحوارية؛ بل من خلال تحريك المياه الراكدة، على الصعيد العالمي الذي تتحرك طبقاته الجيوبوليتكية في غير هدى مؤخراً.

   للبابا والشيخ الحق بأن يفاخرا ويجاهرا بما قدماه للعالم، فصيغة الوثيقة تؤكد على أنه من خلال التعاون المشترك بين الكنيسة الكاثوليكية والأزهر الشريف، سيتم العمل على إيصال هذه الوثيقة إلى صناع القرار العالمي، والقيادات المؤثرة، ورجال الدين في العالم، عطفاً على المنظمات الإقليمية والدولية المعنية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، وقادة الفكر والرأي، ونشر ما جاء بها من مبادئ على كافة المستويات الإقليمية والدولية، وترجمتها إلى سياسات وقرارات، ونصوص تشريعية، ومناهج تعليمية ومواد إعلامية.

   إن إضافة وثيقة ابوظبي للأخوة الإنسانية، لا تقل أهمية عن وثيقة "في حاضرات أيامنا"، بل تكملها، وتمضي معها، فإذا كانت الأخيرة قد شرعت عهداً من إسقاط الجدران العازلة والمانعة من الالتقاء بالآخر المسلم أو اليهودي، البوذي أو الهندوسي، فإن وثيقة "الأخوة الإنسانية"، أكدت على أن السلام العالمي ينشأ من التربية عليه أولاً، ولهذا ناشدت المؤسسات التعليمية والتربوية من أجل المساعدة في خلق أجيال جديدة تحمل من الفضائل الصالحة للإنسانية، ما يغير من واقعها، وما يجعل أطفال اليوم يؤمنون بقيم الخير والحق، الحب والعدل والجمال، مدافعين ومنافحين عن البؤساء والمقهورين.

   أفضل مثال حي للتآخي الإنساني، واحترام الأديان والأمم والشعوب، قدمه البابا فرنسيس خلال سنوات حبريته القصيرة، فعلى الرغم من أن العمليات الإرهابية التي جرت على الأراضي الأوروبية قد أججت نيران "الإسلاموفوبيا"، إلى أبعد حد ومد في العقول والقلوب، وعلى شاطئ الأطلسي معاً، إلا أن فرنسيس قُدر له أن يتكلم بلسان الأخ والصديق، كلاماً إيمانياً وعقلانياً، جعل منه الرجل المحبوب والمرغوب في العالم الإسلامي ... ما الذي تحدث به بابا روما في هذا السياق؟

       "هناك دوماً مجموعة صغيرة من المتطرفين في كل دين، وليس من الصائب القول بأن الإسلام دين إرهابي ... لا أحب التحدث عن عنف مسلم". هكذا تكلم أسقف روما إلى الصحافيين خلال رحلة العودة إلى روما من كراكوف في بولندا، رداً على سؤال عن جريمة قتل الكاهن الفرنسي المسن "جاك هاميل"، الذي تعرض للذبح أثناء احتفاله بالقداس الإلهي.

       ويضيف فرنسيس "إنني لا أحب التحدث عن عنف مسلم لأنني أقرأ عن العنف يومياً؛ عندما أتصفح الجرائد هنا في إيطاليا، اقرأ عن شخص قتل صديقته أو حماته، هؤلاء هم كاثوليك معمدون عنيفون، إذا تحدثت عن العنف المسلم، فهل يجب أن أتحدث أيضاً عن العنف الكاثوليكي".

       كثيراً ما أشار فرنسيس إلى الحوارات المطولة التي أجراها مع شيخ الأزهر، ووصف الأزهريين بأنهم يسعون إلى السلام والتفاهم.

 

 

   ما الذي تدعونا وثيقة الأخوة الإنسانية إلى تغييره حول العالم؟

 المؤكد أنه بعملية حسابية بسيطة، يمكننا أن نخلص إلى أن تعداد المسيحيين والمسلمين واليهود حول العالم، يكاد يقارب نصف سكان العالم، وعلامة الاستفهام هنا: ماذا لو اجتمع هذا العدد العرمرم على نية صادقة لتغيير العالم؟

  يمكن بداية لهؤلاء وأولئك تجاوز الاحتقانات الداخلية، الناشبة عن معتقدات إيديولوجية، تتمحور حول إشكالية "ملكية الحقيقة المطلقة"، أي رفض فكر التعددية، سياسية كانت أو مذهبية، والأخوة هنا تسقط الأنانية والشخصانية، وتمضي بنا في الـ "نحن"، وليس الـ "أنا".

  الأخوة الإنسانية التي ارتفعت رايتها في أبوظبي، كفيلة بأن تعزز القدرة على التصدي لنزاعات المتطرفين، تلك التي تنميها التنظيمات والجماعات الإرهابية التي تستخدم عباءة الدين؛ لتحقيق أهدافها، والترويج لأفكارها المدمرة.

  يمكن للأخوة أن يبنوا معاً الجسور، ويهدموا الجدران، جسور العمل الصالح، وجدران الطالح من الأفعال، وغالباً ما تنشأ تلك الجسور في العقول والقلوب، قبل أن تقوم على الأرض، ما يعني ترسيخ ثقافة التسامح في الحال والاستقبال.

  وفي عالم تتسع فيه رقعة الصراعات المسلحة، فإن الحاجة إلى مبادرات سلمية، وإعلام يحمل البشرى، وأفكار تغرس جذور السلام، تتعزز يوماً تلو الآخر، ولأبناء إبراهيم أن يلعبوا معاً دوراً رائداً في هذا الإطار.

 

   لعل واحدة من أخطر التحديات التي تواجه البشرية اليوم، وهي لا تقل ضراوة عن الانفجار النووي الموعود، تتمثل في التغيرات البيئية والمناخية، والأخطار الإيكولوجية، تلك التي يمكن أن تُهلك العالم والبشرية.

   في الثامن عشر من يونيو، من عام 2015، أصدر البابا فرنسيس رسالة حبرية عامة، تحت عنوان "كن مسبحاً"، وتتمحور حول "نموذج العدالة البيئية" الجديد، ذاك الذي يباعد شبح انعدام المساواة والإقصاء والحرمان؛ لملايين البشر من حقوقهم الأساسية في ماء وهواء وغذاء نظيف.

    كوكب الأرض بات اليوم مهدداً بما هو أشد هولاً، من القنابل النووية، فالاحتباس الحراري يقود إلى هلاك العالم؛ عبر ذوبان الأقطاب الجليدية، وحدوث موجات التسونامي، وشيوع ظاهرة التصحر، وبالتالي انعدام المحاصيل، وسيادة الجوع العالمي.

    يمكن لأخوة متحابين تحاوروا وتجاوروا، أن يتكلموا بلسان واحد في الهيئات الأممية، مطالبين بسلام العالم، وسلام الأمم، وإنقاذ كوكب الأرض مما ينتظره من مستقبل مأساوي.

  الأخوة التي تلي الحوا، تجعل الآخر أخاً وصديقاً ورفيق درب، وصديق تعايش وجداني، في أي بقعة أو رقعة على الأرض؛ من دون محاصصة طائفية، فقط هو أخي وأنا أحبه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية