الفنون والآداب شكلت المهاد الثقافي لتشكيل المعرفة والوعي الجمالي

  • الجمال والمتعة والحبور يجدد الذات ويجعلها تمتلك سمتها الإنسانية.
  • الوعي الجمالي خصوصية إنسانية تتحقق بالعقل الذكي أو الذات الفاعلة.
  • نيلوس نقل اللوحة من تصوير الطبيعة والحيوانات إلى المشهديات الدينية.
  • مع ازدهار البرجوازية انتقل اهتمام الفن إلى الإنسان بوصفه روحاً وجسداً.

 

       لا ريب أن الآداب والفنون شكلت المهاد الثقافي الناعم؛ لإعادة تشكيل المعرفة الجديدة، وإعادة صياغة الوعي الجمالي، المرتبط برهافة المشاعر، ورقة الأحاسيس، التي تتقلب بالنفس على الدوام؛ من السأم والفتور إلى الإمتاع والحبور. ما يجعل الذات تتجدد، وتمتلك سمتها الإنسانية أو قدراتها الفاعلة.

 

       ولكن، هل المعرفة الجديدة والوعي الجمالي، يتكونان اعتباطيا؟ وهل هما حالتان منفصلتان، أم أنهما متعالقتان، أو متضافرتان بعلاقة جدلية، تكمل إحداهما الأخرى؟

       المعرفة هي ثمرة العقل الذكي، والوعي الجمالي هو خصوصية إنسانية، لا تتحقق إلا بالذات الفاعلة، أي الذات التي تدرك شرط وجودها؛ باعتبارها جزء من كل، يتميز بندية متكافئة، معترف بها على تمايزها أو اختلافها، وبدورها تعترف بالآخر على تمايزه واختلافه، فتتكامل وتتفاعل معه؛ بتناغم وانسجام إيجابي، هو في الحقيقة تناغم فطري أصيل، لا يأتي من فراغ، وإنما هو جوهري في فلسفة الخلق، ويتسق مع تعدد مكونات الوجود واختلافها؛ في لوحة فسيفسائية مدهشة، باذخة الجمال والكمال، لا يدرك متعتها وفلسفة سعادتها؛ سوى العقل الذكي، الذي انبهر بجمال الوجود وغواية سحره، وفُتن بتشكيل الطبيعة، وسطوة أسرارها، التي تتكشف للوعي بمقادير سحرية؛ عندما يغمرها صفاء النور وألق الضوء، فراح الفنان بادئ ذي بدء، يحاكيها بالرسم والألوان على جدران الكهوف والمعابد، ثم انتقل إلى الجلود، ولاحقاً إلى "الكانفس" والورق. غير أن جمال اللوحة، أغرى العقل بتطويرها وتسخيرها؛ لإنتاج المعرفة؛ بالحدود الدينية، كما فعل القديس نيلوس، حيث أمر بانتقال اللوحة من تصوير الطبيعة ، إلى المشهديات الدينية؛ بشخوص القديسين والأنبياء، حسبما جاء في كتاب (Septem narrations de caede monarchorum et de Theodulo filio)، وهو عبارة عن مجموعة من النصوص، تعود إلى القرن السادس، المقروء في الماضي؛ ككتاب لسيرة القديسين، والمقروء حاليا؛ ككتاب عن الخرافات وقصص الحب والمغامرات.

       ليس معروفاً عن نيلوس؛ سوى أنه كان ابنا لعائلة أرستقراطية، تعيش في القسطنطينية، وأنه كان يشغل أحد المناصب الرفيعة في بلاط الإمبراطور ثيودوسيوس. تزوج وأنجب ولدين، لكنه ترك زوجته وابنته؛ من شدة الرغبة الدينية الملحة في العبادة، وانخرط مع ابنه في عام 390 أو 404، في رهبنة جبل سيناء، وعاش مع ابنه ثيودولوس حياة ناسك متعبد  بسيطة مملوءة بالخشية من الله. كان الأب والابن قد بلغا حداً من الفضيلة؛ لدرجة "كانت تكرههما الشياطين وتحسدهما الملائكة"، حسب تعبير ألبرتو مانغويل في كتاب "تاريخ القراءة".

       في عام 410 داهمت عصابة من قطاع الطرق الدير، وقتلت بعض الرهبان، واقتادت الآخرين إلى العبودية؛ من بينهم الشاب ثيودولوس. لكن نيلوس استطاع النجاة من حد السيف وأغلاله، ففر هاربا يبحث عن ابنه. وأخيرا وجده في مدينة تقع بين فلسطين والبتراء، "البتراء الصخرية" حيث قام الأسقف المحلي؛ برسمهما قسيسين؛ من فرط تأثره بتقواهما. عاد القديس نيلوس إلى جبل سيناء، حيث وافته المنية عن عمر مديد، مخلفاً وراءه نحو ألف رسالة؛ لأتباعه ومريديه، حسبما جاء في الكتاب المذكور آنفاً.

   لم تكشف التنقيبات عن دير نيلوس ولا مكانه بالضبط. إلا أنه يصف في إحدى رسائله العديدة، تصوراته المثلى عن زينة الكنائس، حينما اسشاره الأسقف أولومبيودوروس في شأن بناء كنيسة، وتزيينها بصور القديسين ومشاهد الصيد والطيور وحيوانات أخرى. رحب القديس نيلوس كثيرا بصور القديسين، لكنه رفض مشاهد الصيد وصور الحيوانات واعتبرها "تافهة وغير لائقة بكرامة الروح المسيحية الحقة". عوض ذلك اقترح مشاهد من العهدين القديم والجديد  "من صنع فنان موهوب"؛ من أجل وضعها على جانبي الصليب المقدس، "تقوم مقام الكتب لغير المتعلمين من أجل تقريب التاريخ الإنجيلي منهم، وإدخال شواهد الرحمة الإلهية إلى عقولهم وقلوبهم".

    كان نيلوس يأمل أن يتهافت المؤمنون، الذين لا يحسنون القراءة على كنيسته المزدانة بالصور؛ ليقرؤوا المشاهد الدينية، كما لو كانوا يقرؤون كتابا. كان يتصورهم واقفين أمام هذه الزينة، ينظرون إلى هذه المشاهد، ويربطون بعضها ببعض، ويخترعون قصصا تدور حولها، والتعرف من خلال الصور على الأفكار الواردة في المواعظ، التي كانوا يسمعونها، ووصلها، "إن لم يكونوا غير متعلمين تماما"؛ بتفسيرات الكتاب المقدس.

    بعد مرور مئتي عام، بدا وكأن البابا غريغور الكبير تبنى أفكار القديس نيلوس، حيث يقول: أن تقوم بالابتهال أمام صورة أمر، أما أن تستحضر بمعونة صورة حكاية مقدسة؛ بكل أبعادها، فأمر آخر. إذ إن ما توحي به الكتابة إلى القارئ يشبهه ما تقدمه الصور، الحدث، الذي يتعين عليهم الاقتداء به، وهكذا فإن جميع الذين لا يحسنون القراءة؛ سيصبحون وفق هذه الطريقة، قادرين على القراءة. لذا فإن الصور، وبصورة خاصة لدى عامة الشعب، تعتبر بمثابة القراءة".

  في عام 1025 أصدر المجمع الكنسي في آرّاس ما يلي: إن ما لا تستطيع عامة الشعب إدراكه؛ بواسطة قراءة الكتاب المقدس، يجب أن تتعلمه عبر المتابعة المستمرة للصور. وهو ما جعل البابا بنيدكت الحادي عشر، أن يرسل ذات يوم من عام 1302م، برسول إلى مدينة فلورنسا؛ لاكتشاف أفضل الرسامين في هذه المدينة، التي كانت تعد أشهر مدن أوروبا بفنانيها؛ طيلة فترة العصور الوسطى، وإحضار نماذج من أعمالهم الفنية، لعرضها على البابا، بعد أن قرر تزيين قصره بالصور الزيتية الجميلة.

    وقد أشير على هذا المبعوث أن يقصد "مركز جيوتو"، وهناك طلب رسمًا لعرضه على سيده، فما كان من الرسام جيوتو دي بوندوني( 1276-1337) إلا أن تناول فرشاة وغمسها في طلاء أحمر، وبحركة واحدة، رسم دائرة كاملة، قائلاً، إن فيها الكفاية؛ لكي يتبين منها البابا قدرة الفنان وموهبته، وقد كان على حق في هذا، فقد عهد إليه البابا؛ وعلى الفور؛ بمهمة رسوم "الفريسك" على جدران قصره .ولكن،  أبدع وأفضل ما حفظ من أعمال جيوتو، يمكن مشاهدته اليوم في كنيسة أرينا تشابيل، في مدينة بادوا، تلك الكنيسة الصغيرة التي بنيت عام 1305م، في الموقع الذي كان يقوم فيه المدرج الروماني الكبير.

  لقد تجلت مقدرة جيوتو الدرامية الكبرى، وبراعته في التصميم؛ فيما سجله هناك؛ من تلك المشاهد، البالغ عددها 38 مشهدًا، استمدها من حياة المسيح وأمه مريم العذراء (عليهما السلام)، ومثال على ذلك ما يشع في تصانيفه من جمال وحيوية، فالحب يشيع في رسمه للأم والطفل، والوداعة تطل من الحمار الذي يقلهما، في لوحة "الهروب إلى مصر"، كما تتجلى المقدرة والبراعة الفائقة في لوحة "قبلة يهوذا"، تلك اللوحة المكتظة بالشخوص، التي وقفت فيها قوى الخير والشر وجهًا لوجه.

 ويعتقد خبراء تاريخ الفن أن عظمة جيوتو (جيوتو دي بوندوني 1276-1337)، تأتي أيضاً من خلال قلبه للمفاهيم، التي كانت سائدة في فهم وظيفة فن العمارة والنحت، إذ كانت الآراء ترى بأن فن النحت مكمل ومتمم لفن العمارة، وأن الرسم لا يعدو أن يكون دوره زخرفي وتعليمي، حتى ظهر جيوتو، فنقل الفن من كونه فن رمزي؛ ليكون فنا وجدانيا، وربط بين الكون وعواطف البشر.

  وهكذا لاقى فن الرسم القبول؛ بدءاً من الأوساط الدينية والكنسية. ولكن مع ازدهار التجارة في العصور الوسطى بمدينة فلورنسا، انتقل الاهتمام بالفن عموما والتشكيل خصوصاً، إلى البرجوازية الناشئة، حيث راح يطغى بسحره الجمالي على العقول والمخيلات. ما دفع باللوحة إلى الاهتمام بالإنسان؛ باعتباره يشكل مركزية عقلانية في عملية اكتشاف الوجود المتواصلة؛ كهدف أسمى للإنسان؛ لأنه مستخلف في عمارة الأرض بالخير والجمال، فأضيف إلى اللوحة فن النحت، الذي راح يستعيد النزعة اليونانية والرومانية؛ لجهة الاهتمام بالجسد الإنساني، بعيداً عن الإيحاءات المدرسية الدينية؛ كون الإنسان جسد وروح؛ لا فكاك بينهما. ما جعل فن الرسم والنحت، يلعب دوراً بارزاً في نضج المرحلة، التي وصفت بعصر النهضة الأوروبية.

    أما بشأن دور الأدب، فالمؤكد أن الشعر لعب دوراً حاسماً، وهو لا يقل أهمية أو تأثيراً من فن الرسم والنحت على صياغة عصر النهضة. ولكننا لن نتوسع به كثيراً في هذه المقالة، وإنما سنتوقف قليلاً عند رسالة دانتي (1316) إلى سادن الشؤون القيصرية "كان غرانديللا سكالا"، التي جاء فيها: إن النص يتيح مجالين من القراءة على الأقل، إذ "إننا نحصل على معنى من الأحرف وعلى معنى آخر مما تصفه الأحرف. يسمى النوع الاول حرفياً، ويسمى النوع الثاني مجازياً أو باطنياً". ويتابع دانتي القول مشيراً إلى أن المعنى المجازي، يشمل ثلاثة أنواع أخرى من أنواع القراءة. كمثال على ذلك، ذكر المقطع التالي من العهد القديم، "عندما خرج شعب إسرائيل من مصر، وغادر بيت يعقوب الشعب الغريب، أصبحت يهوذا قداسته، وإسرائيل ملكوته". ثم يضيف دانتي، "إذا أخذنا النص الحرفي فقط بعين الاعتبار، فإننا نرى أمامنا خروج أبناء إسرائيل من مصر على عهد موسى (عليه السلام). أما إذا تعقبنا المعنى المجازي فإننا نرى خلاصنا عبر المسيح. فالمعنى المجازي يصور لنا خلاص النفس من حزن الخطيئة وبؤسها، وانتقالها إلى مرحلة النعمة. أما في المعنى الباطني فيظهر لنا انعتاق النفس المقدسة من أغلال الفساد، وانتقالها إلى حرية المجد الأبدي. وعلى الرغم من أن هذه المعاني الصوفية الباطنية لها مسميات مختلفة، يمكن تسميتها جميعها مجازية، نظراً لأنها تختلف عن بعضها البعض حرفياً وتاريخياً. وهو ما يسميه الجرجاني في كتاب "التعريفات" معنى المعنى.

   أراد دانتي أن يقول للسلطتين الدينية والسياسية ما معناه، إن القارئ إذا أراد أن يفهم النص ولو بصورة سطحية، يجب أن يكون عنده على الأقل؛ بعض الإلمام بنشأة النص، أو خلفيته التاريخية، أو القدرة على فهم التلميحات والظلال بالنص، حسب تعبير ابن الهيثم، أو ما يسميها توما الأكويني، تلك الأمور المحيرة بالنص، أي نية الكاتب.

    يقصد دانتي بذلك، ضرورة التسامح مع الكتابة؛ بحيث يطلق العنان للمخيلات الإبداعية، في التعبير عن هواجسها وتصوراتها الوجودية، بعيداً عن الرقيب الديني أو السلطوي غير المتخصص.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية