الأخوة الإنسانية ومستقبل العالم

  • التسامح هو حقيقة تجمع الفلسفات والقوانين الوضعية والأديان السماوية
  • التسامح يَنظم نغمة الذات الفردية بانسجام مع نغمات الكون والوجود
  • زيارة البابا تأتي ضمن إطار مفهومي فكري ونظري وجد في أرض الإمارات ترجمة عملية له
  • يجب أن تُقرأ زيارة البابا للإمارات عبر مفرداتها المنسجمة مع "وثيقة الأخوة الإنسانية"

 

       البشر محكومون بالتواصل، بالتعارف، بالتعاون، بالاستجابة إلى قيم الحياة، وإيقاع الوجود الإنساني على هذه الأرض؛ لأن فطرة الوجود هي فطرة الحياة، وفطرة الحياة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ ليعمروا هذه الأرض بطين المحبة والفضيلة، مستظلين بشجرة التسامح التي تُفرد ظلها وارفا على الإنسانية جمعاء.

       في قراءتنا لمفردة "الحياة "؛ عبر مفردة "العلاقة"، نجد أن كينونتها وصيرورتها تنهض على رؤية ثلاثية الأبعاد، وذلك عبر التداخل الجدلي بين الزمان والمكان والكائن، وعلى هذا الأساس تنهض علاقة الكائن بخالقه، وعلاقته بالكون من حوله، وعلاقته مع أخيه الإنسان، وحين نختبر هذا التعالق في مختبر الكشف التأملي، تصبح الأديان هي الدليل الإلهي للإنسان؛ كي يعرف كينونته في الوجود، ويدرك صيرورته في الانسجام بين زمنه الشخصي وزمنه الكوني، وزمنه الاجتماعي، أي يعرف نفسه في الآخر ويعرف الآخر في نفسه، وبالتالي كما يقول فولتير في رسالة التسامح "لقد وجد الدين ليجعلنا سعداء في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة، ما المطلوب كي نكون سعداء في الآخرة؟ أن نكون صالحين. وما العمل كي نكون سعداء في هذه الدنيا؛ في حدود ما يسمح به بؤس طبيعتنا؟ أن نكون متسامحين".

       التسامح هو مختبر الوجود في الفطرة الإنسانية ومختبر الفطرة في الوجود الإنساني، فهو الحقيقة التي لا تختلف عليها جميع الفلسفات الأرضية والقوانين الوضعية وجميع الأديان السماوية؛ لأنه يربط بين استجابة الذات لذاتها، وبين استجابة الذات للآخر، كما يربط بين إيقاع الوجود وإيقاع الحياة، أي يضع نغمة الذات الفردية في انسجام مع نغمة العالم، التي تستجيب بفطرتها للإنسان، حين تكون إنسانيته هي معيار الحياة.

       بهذه الرؤية كان التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة، هو المختبر الذي تُختبر فيه جميع العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والإنسانية، سواء على مستوى المجتمع المحلي، أو على مستوى المجتمع الإنساني، وذلك عبر مرآة الذات التي ترى وجودها في مرآة الآخر، أي الذات عينها؛ كآخر، حسب بول ريكور؛ لأن دولة الإمارات تنهض من أصالة القيم والمثل العليا في تاريخها ووجودها، التي أصَّلها الدين الحنيف، كما أصَّلتها مكارم الأخلاق العربية؛ لتجعل من قيمة التسامح، قيمة معيارية للتعايش والتواصل والتفاعل الحضاري والثقافي بين مختلف شعوب العالم.

ثقافة التسامح

       بهذا المعنى كان إعلان سنة 2019 عاما للتسامح، وبهذا المعنى أيضاً، تأتي الأهمية البالغة؛ لزيارة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان لدولة الإمارات؛ لأنها دولة تحقق الانسجام بين القول والفعل، بين الفكرة والتطبيق، بين السلوك الفردي والسلوك الاجتماعي، بين القيادة والشعب، بين الدولة والعالم، هذا الانسجام الذي يعزز معياريتها في اختبار القيم الإنسانية، وفي مقدمتها قيمة التسامح التي أصبحت ثقافة يومية ونهجا سلوكيا يعيشه الفرد في جميع علاقاته، كما يعيشه المجتمع في جميع مؤسساته؛ لتصبح ثقافة التسامح، ثقافة فردية واجتماعية ومؤسساتية.

       إن استقراء هذه الزيارة في الزمان والمكان، يضعنا أمام الأسئلة التي افتتح بها قداسة بابا الفاتيكان، وهي أسئلة تختبر في مختبر العائلة البشرية، بحثا عن مستقبل أفضل لهذه العائلة، مستقبل يجعل الإنسان هو المنطلق والهدف والغاية:

ـ كيف نحافظ على بعضنا البعض في العائلة البشرية الواحدة؟

ـ كيف نغذي أخوة غير نظرية، تترجم في أخوة حقيقية؟

ـ كيف نجعل دمج الآخر يسود على التهميش باسم انتمائنا الشخصي؟

ـ كيف يمكن للديانات – باختصار- أن تكون قنوات أخوة بدلا من أن تكون حواجز إقصاء؟

       القراءة الفاحصة للأسئلة، تختزل الأجوبة، وتكشف ضمنا أن زيارة البابا تأتي ضمن إطار مفهومي فكري ونظري، وجد في أرض الإمارات ترجمة عملية له، ترجمة تضع المبادئ الأساسية لمستقبل البشرية الساعية إلى الخلاص، واضعة في مرآة رؤيتها رمز السلام والخلاص، بحمامة نوح وغصن زيتونها؛ كي ندخل معا كعائلة واحدة في فلك يستطيع أن يعبر بحار العالم العاصفة: إنه فلك الأخوة، كما دخل نوح عليه السلام، ومن آمن معه في فلك الخلاص من الطوفان.

       كما تأتي زيارة البابا، في ذكرى مرور ثمانية قرون بالتمام والكمال، على اللقاء التاريخي الأول من نوعه ؛ للحوار بين الأديان والسلام الإنساني،  بين القديس فرنسيس الأسيزي، نصير الفقراء؛ بدعوته إلى حب الله والناس  والحياة؛ بكل مخلوقاتها وموجوداتها، والسلطان الملك الكامل، الأخ الأكبر لصلاح الدين الأيوبي في العام  1219م، وهو اللقاء الذي اعتبر في حينه أرقى أشكال الرفض للحروب الصليبية.

       لذلك لابد وأن تقرأ هذه الزيارة عبر مفرداتها، التي أكدت عليها، والتي جاءت منسجمة مع مفردات "وثيقة الأخوة الإنسانية" التي وقع عليها قداسة البابا مع فضيلة شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، حيث التقت الرؤى جميعا على تأصيل مفهوم الأخوة الإنسانية، المبني على أسس جوهرية لا يقوم إلا بها، وهي:

ـ مفهوم العائلة البشرية: فقد جاء هذا المفهوم استجابة لمفهوم الأخوة الإنسانية، لأنه تأصيل للعلاقة الراسخة بين البشر، وأسس تلك العلاقة التي تحدد مسؤولية الجميع؛ بغرض المحافظة على تلك العائلة، عبر حوار يومي وتعاون حقيقي.

ـ شجاعة الاختلاف: هي شجاعة تتضمن الاعتراف الكامل بالآخر وبحريته، فهي روح الحوار، الذي يقوم على صدق النوايا والطوايا.

ـ الحرية: تتضمن الوثيقة حرية الاعتقاد والفكر والتعبير والممارسة، ما يعني أنها لا تقتصر على حرية العبادة؛ بل ترى في الآخر أخا بالفعل، وابنا للأسرة البشرية.

ـ فطرة الخلق تكمن في التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة؛ لحكمة شاءها الله.

ـ السلام بجناحيه التربية والعدالة: وذلك لأن التربية هي التي تؤصل مفهوم السلام في الذات، والمجتمع، وبالتالي تؤصل معرفة الآخر عبر معرفة ثقافته وتاريخه، فلا توجد معرفة حقيقية للذات من دون الآخر، وكذلك العدالة كقيمة كونية لا يستقيم الوجود من دونها، وبالتالي لا تستوي العائلة البشرية على جودي أحلامها وسلامها من دون العدالة.

تأصيل الوجود البشري

    إن هذه المفردات التي جاءت زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى دولة الإمارات على أساسها، إنما هي الأسس الراسخة التي أنزلت على أساسها الأديان السماوية، كما أنشئت على أساسها فلسفات الإنسانية في تأصيل وجود  الإنسان على هذا الكوكب، ولعل هذا ما أكد عليه  فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب،  بتبرئته جميع الأديان من فكرة القتل والإرهاب، والتطرف؛ ليكون ذلك تأكيدا على مفردات وثيقة الأخوة الإنسانية، التي كانت باسم الله وباسم الإنسان وباسم الحرية والعدالة والرحمة؛ لتشكل ميثاقا جديدا للإنسانية في هذا العالم، الذي اختلت موازينه، كما اختلت قيمه، وبالتالي اختل وجوده. وذلك لنعيد اكتشاف الإنسان في الإنسان، ونعيد اكتشاف قيم السلام والعدل والخير والجمال والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، والحوار بين الحضارات والثقافات، على خلفية التعارف والتواصل من أجل اكتشاف الروح الإيجابية في كينونة الفعل الإنساني في هذا الوجود، واكتشاف الإيقاع الكوني في الذات، وإيقاع الذات في الكون والعالم، بحيث تكون هذه الوثيقة امتدادا لـ"صحيفة المدينة المنورة"، التي استلهم منها معالي الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" وثيقة "إعلان مراكش التاريخي"، حول حقوق الأقليات في الديار الإسلامية، التي بدورها تشكل امتداداً طبيعياً؛ لموعظة الجبل أو  "موعظة طور موسى"، و"موعظة جليل عيسى"، و"عرفات محمد" في حجة الوداع، عليهم أفضل الصلاة والسلام، كي تبقى "حارسة للمشتركات الإنسانية والمبادئ الأخلاقية.

غايات منسجمة

    فزيارة البابا ليست زيارة شخص إلى بلد، وإنما هي زيارة تاريخ وحضارة وثقافة؛ إلى بلد الأصالة والتسامح والسعادة والسلام؛ إلى دولة رسخت مكانتها ومقامها في ذاكرة الوجود؛ بأنها دولة صانعة للسلام، صانعة للحلم والمستقبل، والحياة، وأنها الأرض التي يلتقي بفيافي تسامحها العالم، كما تلتقي مختلف الجنسيات على أرضها الطيبة، بانسجام وتعايش وتسامح، ما جعل الأنموذج الإماراتي للتسامح أنموذجا معياريا في العالم.

     هكذا ينسجم عام التسامح مع زيارة بابا الفاتيكان، مع "المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية" من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، مع "حلف الفضول الجديد"، الذي مأسس التعاون بين الأديان الكبرى في العالم، حول قيم الفضيلة والرحمة، الذي أطلقه منتدى تعزيز السلم مطلع ديسمبر 2018 في أبوظبي عاصمة التسامح والسلام؛ بالتناغم مع فلسفة دولة الإمارات واستراتيجية قيادتها الرشيدة للتسامح والتعايش بين الشعوب، من أجل ترسيخ ثقافة التسامح والتنوع والتواصل والحوار، في ذاكرة الحاضر والمستقبل، استجابة لذاكرة الحياة، التي رسخها (المغفور له بإذن الله) الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حينما أسس الاتحاد بقوة التسامح، فأصبح التسامح معيارا في دولة الإمارات بقوة الاتحاد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية