وثيقة الإخاء الإنساني بين هلال الحب والسماحة وصليب التسامح

  • الإمارات حاضن رحب لقيم التسامح وصون الحريات واحترام الإنسان
  • طالبت وثيقة الإخاء بعدم استغلال الأديان في تأجيج الكراهية والعُنْف
  • اختلاف الدِّين واللَّوْن والجِنس والعِرْق واللُّغة فطرة إلهية في الخلق
  • ترسخ الأديان دعائم حياة أساسها التسامح والتعاون والعيش المشترك
  • تبين الوثيقة مسعى الأديان في بناء حياة يسودها السلام بين البشر
  • احتفاء الإمارات بعام التسامح يجعلها قبلة الإنسانية على اختلاف الهُويات
  • الوثيقة منارة حضارية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني

 

   في مقابل الأخطار التي تهدد البشرية؛ جراء الحروب والدمار الذي تمارسه حركات التطرف، يأتي إعلان "وثيقة الأخوة الإنسانية" بمثابة رد واعٍ ومسؤول، على ما يتهدد الإنسانية من عنف وتوحش؛ لترسخ الإمارات عبرها، حضورها؛ باعتبارها قبلة للتسامح العالمي، وأرضية رحبة للتعايش الإنساني السعيد.

 

       قبل مقاربة هذه الوثيقة التاريخية؛ ممثلة بفضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، والبابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، لنا أن نشير بداية إلى أن هذا الإعلان ما جاء صدوره عفويا أو مصادفة من دولة الإمارات العربية، وإنما جاء قصداً مقصوداً، نظراً لما يتجلى في كنفها من عيش مشترك، اجتمع فيه بنو البشر من أصقاع مختلفة وديانات متعددة؛ حتى غدت الإمارات رمزاً لافتاً ومميزاً للتعايش الإنساني المشترك، القائم على المحبة والسلام والتسامح والانفتاح على الآخر؛ ليكون من  المكونات الرئيسة في نهج التعددية الثقافية للإمارات منذ قيام اتحادها، وهي بذلك تُعدّ حاضناً رحباً لقيم التسامح والسلم والأمان، وصون الحريات واحترام الإنسان. وقد احتضنت أرضها أكثر من 200 جنسية، ما برح الجميع إلى اليوم ينعمون بالحياة الحرة الكريمة والاحترام، بعيداً عن الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف، ورسخت ذلك وحفظته وفق معايير قانونية راقية. كل ذلك جعل الإمارات المكان المختار؛ لتنطلق منه هذه الوثيقة للإخاء الإنساني، وتعلن للعالم مرادها وأهدافها؛ بصيانة الأُخوَّةِ الإنسانيَّةِ وبالاعتناءِ بالخَلِيقةِ وبالكَوْنِ كُلِّه، وبتقديمِ العَوْنِ لكُلِّ إنسانٍ، لا سيَّما الضُّعفاءِ منهم والأشخاصِ الأكثرِ حاجَةً وعَوَزًا. وهو ما يتطلب تأسيس ثقافةِ الاحترامِ المُتبادَلِ، في جَوٍّ من إدراكِ النِّعمةِ الإلهيَّةِ الكُبرَى، التي جَعلَتْ بين الخلقِ جميعًا إخوة تجمع بينهم وتوحدهم؛ ضمن صعيد واحد، يقوم على المساواة.

       لقد عبثت بالحياة وبمقدرات الشعوب على تعددها، سياسات التفرقة والتعصب، وطروحاتها ونظرياتها الوضعية، حيث بثت روح العداوة والبغضاء بين بني البشر، ضاربة عرض الحائط؛ بعيشها الكريم وبمشتركاتها الإنسانية. وهو ما طالبت الوثيقة بضرورة تخطيه نحو آفاق جديدة تسود فيها ثقافة الحوار نهجاً، وروح التعاون المشترك والمعرفة المتبادلة سبيلاً؛ لمعرفة حقيقة الملامح الإنسانية المشتركة. كما طالبت؛ بشكل صريح، قادة أنظمة الدول وصُنَّاعَ سياساتِها؛ بالمضي قُدماً في نَشْرِ حياة التَّسامُحِ والتعايُشِ القائم على الوئام والحب، والعمل الدائب على إيقاف القتل والاقتتال المنتشر في أماكن عديدة من كرتنا الأرضية؛ جراء انتشار الحروب والصراعات في العديد من جهاتها. وأهابت بالأدباء والمُفكِّرينَ والفَلاسِفةِ ورِجالِ الدِّينِ والفَنَّانِينَ والإعلاميِّين بالسعي الحثيث، لاكتشَاف قيم العدل والسلام والخير والجمال الراقية، في مسعاها الدائب إلى تلك الأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ وعيشها النبيل المشترك، الذي تبلغ من خلاله الحياة سمو صورتها ورقي معناها، كما تبلغ أهميتها في حفظ نبض الجميع ورعاية أحلامهم وأمنياتهم الطموحة.

 

قراءة واقعية

       إن "وثيقة الأخوة الإنسانية" جاءت نتيجة قراءة تحليلية؛ لمجريات الواقع الراهن، ولمراحله التاريخية في أزمنتها المختلفة، كما جاءت خلاصة تأمل عميق؛ لما بلغته الآفاق العلمية والمعرفية عبر هذه المراحل، وصولاً إلى حقبتها المعاصرة؛ سواء على الصعيدين المحلي والعربي، أو الدولي والعالمي.

       وفي الوقت الذي أشادت فيه بما بلغه من خلالها التقدم العلمي والتكنولوجي، وما حققه من إنجازات على صعيد علومه المختلفة، راعَها ما أصاب العلم الديني من غياب وتغييب، كان من مؤداه إغلاق باب الاجتهاد؛ أمام أي تجديد يمكن له أن يمضي في تأويل الخطاب الإلهي المقدس، وتفسير مراميه الأخرى على ضوء المعطيات المعرفية الحديثة ونتائجها الجديدة، وهو ما ساهم في تراجع أثر التربية الدينية في الحياة العامة على صعيد الأفراد والجماعات، كما ساهم في نشوء سلوكيات غير أخلاقية في سياسات الدول، وفي تعاملاتها القائمة ضمن مستويات مختلفة. وفي سياق ذلك لم تتردد الوثيقة في التحذير والنكير:

       إننا، وإنْ كُنَّا نُقدِّرُ الجوانبَ الإيجابيَّةَ التي حقَّقَتْها حَضارَتُنا الحَدِيثةُ في مَجالِ العِلْمِ والتِّقنيةِ والطبِّ والصِّناعةِ والرَّفاهِيةِ، وبخاصَّةٍ في الدُّوَلِ المُتقدِّمةِ ، فإنَّا - مع ذلك - نُسجِّلُ أنَّ هذه القَفزات التاريخيَّةَ الكُبرى والمَحمُودةَ تَراجَعَتْ معها الأخلاقُ الضَّابِطةُ للتصرُّفاتِ الدوليَّةِ، وتَراجَعَتِ القِيَمُ الرُّوحِيَّةُ والشُّعُورُ بالمَسؤُوليَّةِ؛ ممَّا أسهَمَ في نَشْرِ شُعُورٍ عامٍّ بالإحباطِ والعُزْلَةِ واليَأْسِ، ودَفَعَ الكَثِيرينَ إلى الانخِراطِ إمَّا في دَوَّامةِ التَّطرُّفِ الإلحاديِّ واللادينيِّ، وإمَّا في دوامة التَّطرُّفِ الدِّينيِّ والتشدُّدِ والتَّعصُّبِ الأعمى، كما دَفَعَ البعضَ إلى تَبَنِّي أشكالٍ من الإدمانِ والتَّدمِيرِ الذاتيِّ والجَماعيِّ.

       من خلال هذا الفحوى، وعبر أكبر مؤسستين للديانة الإسلامية والمسيحية ـ الأزهر الشريف والفاتيكان ـ يُقر إعلان الأخوة بوثيقته التاريخية بولادة التطرف الديني، الذي تتبرأ منه الشرائع الإلهية، وتنبذ وتحرم ما نجم عنه من تعاظم؛ لشعور التعصب القومي والعرقي والمذهبي في العالم، الذي دفع إلى تكاثر بذور الانشقاق والانحراف والفرقة، التي وصلت حدّ اقتراف جرائم القتل والسلب والنهب؛ للثروات في نزعة فردية وجماعية، بلغت نطاق الدول التي سارعت إلى تكديس الأسلحة القاتلة للحياة، وجلب ذخائرها المتنوعة التي أفاضت بالدمار الشامل على شعوب العالم، وكرست ركاماً هائلاً من الأنقاض والقتلى وأعداداً مرتفعة من الأرامل والثكالى والأيتام والمعوقين، ناهيك عن انتشار الفقر والجوع والأوبئة والأمراض والجهل، كان محصلة ذلك كله إصابة الأسرة التي تعتبر أساس المجتمعات الإنسانية وركيزتها الأولى في مقتل؛ صَدّعَ بنيانها وجعل دورها في مهب الغياب.

 

الإنسان.. الوسيلة والغاية

       هذا الواقع، دفع وثيقة الإخاء الإنساني إلى أن تترك لها متسعاً، تطالب من خلاله بضرورة إحياء تعاليم التربية الدينية؛ لتعيد أثرها التربوي السامي، الفعّال في إصلاح الخراب الحاصل في جوانب الحياة، على نحوٍ شمولي؛ جراء الانحراف والخلل الذي أصاب الإنسان، حامل رسالة السماء والمحمولة إليه في آن، فهو الوسيلة والغاية، ومن أبناء جنسه اختار الله الأنبياء والرسل، ومن أبناء جنسه مَنْ آمن ومَنْ كفر. وإذا كان هذا الإنسان معتلاً فلن تكون الحياة في مأمن من اعتلاله، الذي سيملأ كل دنياها جوراً وفساداً. وبما أن الأديانَ لم تَكُنْ أبَدًا بَرِيدًا للحُرُوبِ أو باعثةً لمَشاعِرِ الكَراهِيةِ والعداءِ والتعصُّبِ، أو مُثِيرةً للعُنْفِ وإراقةِ الدِّماءِ، كما تؤكد وثيقة الإخاء الإنساني، فإنها طالبت بصيغة الجمع وبشكل صريح، عدم استخدام هذه الأديان في تأجيجِ الكراهيةِ والعُنْفِ والتطرُّفِ والتعصُّبِ الأعمى، والكَفِّ عن استخدامِ اسمِ الله لتبريرِ أعمالِ القتلِ والتشريدِ والإرهابِ والبَطْشِ. مؤكدة بأنَّ الله لم يَخْلُقِ الناسَ ليُقَتَّلوا أو ليَتَقاتَلُوا أو يُعذَّبُوا أو يُضيَّقَ عليهم في حَياتِهم ومَعاشِهم، وأنَّه - عَزَّ وجَلَّ - في غِنًى عمَّن يُدَافِعُ عنه أو يُرْهِبُ الآخَرِين باسمِه.

 

قيم الأديان الراسخة

   الوثيقة من خلال ذلك تمضي؛ لتبين مسعى الأديان السماوية في بناء حياة مُثلى، يسود فيها السلام العالمي بين سائر البشر، والقيم الراسخة لهذه الأديان تعلن ذلك وتؤكده، ففي الوقت الذي تبدأ به تحية الإسلام بـ "السلام عليكم"، تقول الديانة المسيحية لمؤمنيها: إذا ضربك أخاك على خدك الأيمن، أدر له خدك الأيسر. وبذلك يكون الاختلافَ في الدِّينِ واللَّوْنِ والجِنسِ والعِرْقِ واللُّغةِ، هو التعددية التي أراد الله خَلَقَ البشَرَ عليها، وجعَلَها أصلًا ثابتًا، تَتَفرَّعُ عنه حُقُوقُ حُريَّةِ الاعتقادِ، لذلك قال في محكم تنزيله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا}، وقال تعالى : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}، ومن دلالات هذا الاختلافِ يتم التأكد والتأكيد؛ بصورة جلية؛ على أنه لا إكراه في الدين، كما يتم التأكيد على إرساء دعائم حياة تقوم على العيش المشترك، الذي ينهض على التعاون والتفاعل؛ عبر الحوار الذي يتسم بثقافة التسامح، التي يلتقي من خلالها المؤمنون وغير المؤمنين؛ ضمن فضاء رحب من القيم الروحية، والاجتماعية والإنسانية المشتركة، التي تزهو بالأخلاق والفضائل السامية العليا.

 

       بهذا التوجه تفتح وثيقة الإخاء الإنساني الأفق، أمام تجديد الخطاب الديني، المرتكز على الأركان الأساسية المشتركة؛ بين سائر الديانات السماوية في جوهرها، الداعي إلى عبادة الله سبحانه؛ دون الإساءة إلى خلقه، وفي مقدمتهم الإنسان، الذي جعله خليفته في الأرض، وكرمه على العالمين. وبذلك تنزع كل الديانات السماوية؛ بشرائعها الإلهية السمحة، الغطاء عن أي فرد أو جماعة أو دولة، تنتهج الإرهاب المدجج بالقوة الغاشمة، في تعاملها مع الآخرين باسم أي دين منها. مبينة على نحوٍ لا يحتمل اللبس والمواربة؛ بأن تعاليمها وأركانها، لا تبيح القتل والدمار والاحتلال، ولا تقبل الاستيلاء على حقوق الغير، وتشريده وسلب خيراته وثرواته ؛ تحت أية ذريعة أو مسمى. محاولاً التستر بها بلبوس برّاق من شريعته السمحة، التي لا تقرّ أي شيء غير الحق والعدل، اللذين يزدهي بهما الإيمان الحقيقي؛ في دنيا، تبلغ فيها الحياة صورتها الحضارية والبهية المُثلى.

 

جذور التسامح

  إذا كان العالم يحتفل باليوم الدولي للتسامح، الذي يصادف 16 نوفمبر من كل عام، فإن دولة الإمارات جندت طاقاتها الدبلومسية والثقافية والمجتمعية؛ للاحتفاء بعام التسامح 2019، ما جعلها قبلة الإنسانية، على اختلاف الهُويات العقدية أو الثقافية، تتفاعل بتناغم وانسجام في صناعة المستقبل، وحماية الأجيال؛ دون تمييز قومي أو مذهبي أو عرقي، تستفيد من خبرات وكفاءات الجميع؛ لبناء نموذج عصري للدولة الحديثة، تجاري اندفاعات العولمة وسيرورة الرقمنة، التي أخذت تقضم روح الإنسان، وتفرغ كينونته من بعدها الروحي والوجداني أو الأخلاقي.

   لقد كانت دولة الإمارات منذ عقود وطن وئام وسلام، تأسس على التسامح والتعايش السعيد، فاتسعت بلاغة حضورها وسعة قَدْرَها لهلال الحب والسماحة وكنيسة التسامح؛ ليعلنا معاً؛ من ربوعها السامية والسمحة، وثيقة الإخاء الإنساني، التي تُعَدّ منارة حضارية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية