التسامح وأسسه المنهجية في الإسلام

  • التسامح في الإسلام له أسس منهجية عليها ينبني ومن خلالها يتجذّر
  • تقديم كرامة الإنسان على كرامة الإيمان في الإسلام يشكل أسس التسامح
  • أهم ملامح حقوق الإنسان المؤسسة للتسامح في صحيفة المدينة الاعتراف بالتعددية وحماية حق الجميع في ممارسة دينهم
  • إعلان مراكش يكشف عن المبادئ الكلية للخطاب الإنساني في الإسلام
  • الحلول التوفيقية بالحوار تعزز ثقافة التسامح وقبول الآخر في النفوس
  • الإمارات تقدم المقاربات القوية والمبادرات الحيوية لتعزيز وترسيخ التسامح
  • الكرامة الإنسانية أولَ مشترك إنساني فالبشر جميعا كرّمهم الله بنفخة من روحه
  • اعتراف الإسلام بالتعددية الدينية هو احترام وحماية شرعية وقانونية
  • الحوار مفتاح لحل مشاكل العالم وبه يتحقَّق التعارف والتعريف

 

    التسامح في الإسلام يشكل نسقاً ثقافياً متكاملاً، له قيمه ومظاهره ومجالاته، كما له أسس منهجية عليها ينبني ومن خلالها يتجذّر في الفكر والمعرفة الإنسانية، التي تكتسب راهنيتها؛ بل فاعليتها المشروعة في الوعي المعاصر. والدلائل على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة وعموم الموروث الإسلامي، وبخاصة "صحيفة المدينة المنورة". ذلك لأن الكرامة الإنسانية سابقة في التصور والوجود على الكرامة الإيمانية في الإسلام. وهذا التصور هو أقوى أسس التسامح وأكثرها رسوخاً؛ بكل المعايير الأخلاقية والدينية والفلسفية، أو الحقوقية والقانونية.

 

       بادئ ذي بدء، دعوني أتقدم مجدّدا بالتهنئة والمباركة إلى القيادة الرشيدة؛ بمناسبة اختيار موضوع التسامح عنوانا لهذا العام، وهو اختيار حكيم، يأتي انسجاما مع رؤية دولتنا، القائمة على قيم السماحة والتسامح التي جسدها مؤسس هذه البلاد، (المغفور له بإذن الله) الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

       لقد كان عامُ زايد الخير، مناسبةً متجددة للتنويه بقيم السماحة، قيم الجود والبذل والعمل الإنساني، قبل أن يُصبح العام الجاري، مناسبة أخرى للتنويه بقيم التسامح، وقبول الآخر والتعايش السعيد والأخوة الإنسانية.

والتسامحُ والسماحة صِنوان في الشخصية الإماراتية، سجيتان غير متكلفتين، وطبعان غير مبتدَعيْن. 

وأوّل ما أفتتح به القول في التسامح أن أذكّر بجذوره اللغوية وسياقاته الحضارية المختلفة:

 

التسامح في اللغة والنصوص الإسلامية

       إن التسامح في اللغة العربية هو مصطلح أصيل؛ وإنْ كان استعماله المعاصر، يمثل ترجمة موفّقة لمصطلح أوروبي مستحدث، فالتسامح في العربية هو الجود والكرم والسخاء، ومن معانيه أيضا المساهلة والسعة.

       وقد وُصفت الشريعة بأنها حنيفية سمحة، كما قال عليه الصلاة والسلام "بعثت بالحنيفية السمحة"، أي السهلة الميسّرة، حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، مما يدل على رفع الإصر والحرج فيها، والبعد عن التشدُّد.

       وقد يُعَبّر عن التسامح في القرآن الكريم بأربعة مصطلحات: العفو والصفح والغفران والإحسان. فالتسامح معنى فوق العدل، الذي هو إعطاء كل ذي حق حقه، أما التسامح؛ بمعنى بذل الخير من دون مقابل، فهو من قبيل الإحسان الذي يمثل قمة البر وذروة سنام الفضائل.

       إن التسامح هو التسامي عن السفاسف، إنه عفة اللسان عن الأعراض، وسكون اليد عن الأذى. إنه التجاوز عن الزلات والتجافي عن الهفوات. وهو "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".  والتسامح أيضاً، هو أن تعطي من منعك وتصل من قطعك.

  

التسامح في السياق الغربي:

       أما لدى الغربيين فيقابل كلمة التسامح في اللغتين الإنجليزية والفرنسية (Tolérance) ، التي تعني احترام حرية الآخر، وطريقة تفكيره وتصرفاته وآرائه السياسية والدينية.              

       وقد ظهر هذا المصطلح في أوربا مع نهايات القرون الوسيطة وبداية الأزمنة الحديثة، في مرحلة تميزت بالصراع بين البروتستانت والكنيسة الكاثوليكية؛ حيث ظهرت أصوات كثيرة تطالب بالتسامح المتبادل، والاعتراف بحق المخالفين في حرية التعبير عن قناعاتهم المغايرة، وممارستهم لشعائرهم الدينية.

       ويعتبر كارل بوبر أنه ما من أحد يضاهي فولتير في روعة التعبير عن التسامح؛ حين ربط بين التسامح وبين الوعي بالضعف الملازم لكينونة الإنسان، الذي يعرفه كل واحد من نفسه، فيجعله قادرا على تفهم خطأ الآخر وضعفه.

       ورغم هذا التصور الإيجابي، لم يكن دعاة التسامح أنفسُهم يعتبرون الحق في التسامح حقا مطلقا، وإنما ربطوه - على غرار ما فعل جون لوك وفولتير- بمقصِد السلم؛ من خلال مفهوم النظام العام للمجتمع، فإن حدود التسامح تقف حيث يصبح الفعل أو الفكر يُقْلِق راحة المجتمع، ويهدد سِلمَه الأهلي.

       وهكذا نشأ مفهوم التسامح بوصفه مفهوما وظيفيا، يقصد تحييد التأثير السلبي للاختلاف في المعتقد، والاختلاف الجِبِليِّ أيضا في الآراء والرؤى. ولذلك يرى بعض الفلاسفة أن مفهوم التسامح في بعده الإجرائي، لا يمكن أن يقصر على  عناصره الأخلاقيِّة؛ بل لن يؤتي أُكله مكتملا إلا حينما ينظر إليه بوصفه مفهوما سياسيا قانونيا.

       ولعل هذا هو ما تَــغَــيَّـاهُ إعلان المبادئ حول التسامح الصادر عن اليونسكو في 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995م حيث ربط بين التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية والسلم، وارتقى بالتسامح إلى صورة قانونية تتطلب الحماية من قبل الدول والمجمتع الدولي بأسره.

       ولا يفوتني هنا وفي سياق المفهوم القانوني للتسامح، أن أشيد بالرؤية الرشيدة لقيادتنا في ترسيخ ثقافة السلم والتعايش، وبنائها على أسس متينة من الحقوق والواجبات المتبادلة، وهي رؤية تتسم بالواقعية في مراعاة خصوصية السياق المحلي، وفي وضوح الهدف، وذلك من خلال سَنِّ القانون الاتحادي رقم 2 لسنة 2015 لمكافحة التمييز وخطاب الكراهية وازدراء الأديان، الذي يعمل على تحصين المجتمع وحمايته من خطابات الكراهية والتحريض على العنف، وأنشات لهذا الغرض أيضا وزارة التسامح.

 

الأسس المنهجية للتسامح في الإسلام:

       إن التسامح في الإسلام يشكل ثقافة متكاملة، لها قيمها ومظاهرها ومجالاتها، كما له أسس منهجية عليها ينبني ومن خلالها يتجذّر، وسنستعرض بعضها: الرؤية الإسلامية للآخر، وموقف الإسلام من الاختلاف والتعددية، ومكانة الحوار في الإسلام. 

 

 

أولا: الرؤية الإسلامية للآخر:

       إن الإسلام يعتبر البشر جميعا إخوةً، فيسد الباب أمام الحروب الكثيرة التي عرفها التاريخ الإنساني؛ بسبب الاختلاف العرقي. فالآخر في رؤية الإسلام ليس عدوا ولا خصما، بل هو على حد عبارة الإمام عليّ رضي الله عنه، "أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخَلْقِ"، أو كما تقول العرب، "الأخُ بزيادة راء الرحمة والرأفة والرفق". إنه الأخ الذي يشترك معك في المعتقد أو يجتمع معك في الإنسانية.

       ويتجلى هذا بسُمُوٍّ في تقديم الإسلام الكرامة الإنسانية؛ بوصفها أولَ مشترك إنساني؛ لأن البشر جميعا على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم ومعتقداتهم؛ كرّمهم الله عز وجل؛ بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام. يقول الله تعالى، "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا". ولهذا فإن الكرامة الإنسانية سابقة في التصوّر والوجود على الكرامة الإيمانية.

وهذا التصور الإيجابي للعلاقة بين الذات والآخر أساس متين للتسامح.

 

ثانيا: الإسلام والاختلاف والتعددية

       إنّ التعدد هو سنة كونية، وكذلك هو فطرة بشرية، فالناس من فطرتهم أن تخلتف رؤاهم وتصوراتهم ومعتقداتهم ومصالحهم.  ولم يكن الإسلام في يوم من الأيام إلا معترفا بهذا المبدأ ومعلنا بضرورة احترامه.

       واعتراف الإسلام بالتعددية الدينية ليس مجرد اعتراف؛ بل هو احترام وحماية: ولَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ.

       فقد جعل الله عز وجلّ البِيَعَ والكنائس محمية، لا يمكن أن تمتد إليها يد الاعتداء، والتاريخ يثبت أنه لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه، هدموا كنيسة ولا بَيْعةً ولا بيت نار، وتلك هي الديانات التي كانت موجودة في المجال الحضاري للإسلام يومئذ.

       وقد علم الإسلام المؤمنين أن الإيمان المطلق بالدين، لا يعني عدم قبول الاختلاف، فالمسلم يؤمن بدينه ويتقبل الاختلاف والتنوع، ولا يمكن أن يكون هذا الاختلاف مبررا للتدابر والتقاطع.

ولقد مثلت صحيفة المدينة المنورة إطارا ناظما؛ لترسيخ ثقافة التسامح من خلال التأسيس للتعددية الاختيارية، وبناء عقد اجتماعي على أساسها، يقدم مصالح التضامن والتعاون في شكل حقوق وواجبات. فكانت هذه الصحيفة بحق؛ وثيقةً مؤسسة للمفهوم القانوني للمواطنة المحققة والضامنة للتسامح.

ومن أهم ملامح حقوق الإنسان المؤسسة للتسامح في الصحيفة الاعتراف للجميع بحقهم في ممارسة دينهم، فسدّ الإسلام بذلك الباب أمام الحروب الدينية، التي كاد التاريخ البشري أن يكون مجرد سجل لها.

 

ثالثاً: تعزيز ثقافة الحوار

       إن الحوار واجب ديني، وضرورة إنسانية، وليس أمرا موسميا؛ ولذا أمر به الباري عز وجل فقال، "وجادلهم بالتي هي أحسن"، وبالحوار يتحقَّق التعارف والتعريف، وهو مفتاح لحل مشاكل العالم؛ حيث يقدم كما يقول أفلاطون البدائل عن العنف؛ لأنه بالحوار يُبحث عن المشترك، وعن الحل الوسط الذي يضمن مصالح الطرفين، وعن تأجيل الحسم العنيف، وعن الملائمات والمواءمات، التي هي من طبيعة الوجود، ولهذا أقرها الإسلام، وأتاح الحلول التوفيقية التي تراعي السياقات، وفق موازين المصالح والمفاسد المعتبرة.

       إن اعتماد وسيلة الحوار لحل المشكلات القائمة، يوصل إلى إدراك أن الكثير منها وهمي، لا تنبني عليه مصالح حقيقية، وبهذه الحلول التوفيقية التي يثمرها الحوار، تَفقد كثير من القطائع والمفاصلات والأسئلة الحدّية مغزاها، وتتعزز ثقافة التسامح وقبول الآخر في النفوس.

 

جهود منتدى تعزيز السلم في نشر التسامح:

       إن دولة الإمارات العربية المتحدة، بلدُ زايد ومعدنُ المجد، تقدم المقاربات الحية والمبادرات القوية؛ على مختلف الصُّعُد، وفي المحافل الدولية والإقليمية؛ بجسارة وكفاءة. ولعل آخر هذه المبادرات (ولن تكون الأخيرة بإذن الله) استقبال البابا فرانسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وهي زيارة تندرج في الإطار الحضاري للرؤية الإماراتية، المرتكزة على مبادئ تعزيز السلم في العالم، وغرس ثقافة التسامح، وترسيخ معاني الأخوة الإنسانية في العالم.

       إننا في "مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي" نعمل داخل هذا الإطار، ووفق هذه الرؤية، فصار من أهدافنا ضبط الفتوى؛ لما لها من دور أساسي في ترشيد التدين، وبث الوعي الديني الصحيح، وترسيخ التسامح في النفوس، وذلك من خلال إنشاء جيل من المفتين الراسخين في دينهم وثوابته، الواعين بعصرهم ومتغيراته.

       ونحن بصدد تنظيم دورات تدريبية للمفتين والأئمة في الدولة وخارجها على ثقافة التسامح، ووسائل تجسيدها في فتاويهم وخطابهم التوجيهي.

إنها عين الرؤية، التي تندرج جهودنا ضمنها، في منتدى تعزيز السلم، حيث لم نزل نعمل؛ منذ حظينا بكريم الرعاية وجميل العناية من قيادتنا الرشيدة، على تقديم الرواية الصحيحة للإسلام والرؤية السليمة للسلم، من خلال معالجة ثقافية شاملة، وتجديد فكري كامل، مرتكز على محورية قيم السلم والتسامح.

       وكما مرّ معنا آنفا ليس السلم والتسامح إلا وجهين لمفهوم واحد، فلا سلام إنْ لم تتجذر قيم التسامح في النفوس، كما لا تسامح عندما يستعاض عن السلام بالاحتراب والاقتتال. فكل واحد منهما لازم عن الآخر.

ننطلق في المنتدى من الإيمان؛ بأن التأويل المقارب، الذي يجيده العلماء الراسخون، هو السبيل الصحيح، والإطار الأمثل، الذي يعيد للدين طاقته الإيجابية؛ ليغدُوَ بلسما لجراح الإنسانية، ودواء لمآسيها، وسكينة تنزل على القلوب، وحُبّا يَسْكُن في النُّفوس.

       ولم نزل منذ محطاتنا التأسيسية الأولى، نعمل على صناعة جبهة موحّدة، وتحالف بين محبّي الخير في إطار الدوائر المختلفة: دائرة البيت الإسلامي الخاص، ودائرة الديانات الإبراهيمية، ودائرة الأفق الإنساني الأرحب؛ بشكل عام.

  وفي هذا الصدد، جاء "إعلان مراكش التاريخي" في يناير 2016؛ ليضع الأسس المعرفية لهذا المسعى؛ من خلال الكشف عن المبادئ الكلية للخطاب الإنساني في الإسلام.

       وتأسيسا على هذا الإعلان، قامت قيادات دينية أمريكية تمثل العائلة الإبراهيمية الكبرى في الولايات المتحدة، بوضع ملامحِ مبادرةٍ تتصف بالديمومة للتعاون الإيجابي بين أتباع الديانات الكبرى، من أجل التّخفيف من النبرة العدمية، وإبعاد شبح الكراهية والعنصرية، وتعزيز روح التسامح والتعارف.

       وتتويجا لهذا المسار واستكمالا لحلقاته، عقد منتدى تعزيز السلم في العاصمة الأمريكية واشنطن في مطلع فبراير 2018، مؤتمرا دوليا بعنوان "حلف الفضول من أجل الصالح العام"، وقد مثّل هذا اللقاء التاريخي محطة بارزة في مسيرة العمل الديني المشترك؛ من حيث شكله وأبعاده؛ لأنها المرة الأولى التي يلتئم فيها شمل العائلة الإبراهيمية؛ بكل فروعها، على أسس جديدة، من أجل حوارٍ دينيّ، يتجاوز منطق الجدل الديني والتبشير بالحقيقة الخاصة لكلّ دين، إلى منطق التعارف والتعاون انطلاقا من القيم والفضائل المشتركة.

       وتأسيسا على الآمال التي نشأت لدى الكثيرين في مؤتمر واشنطن، خصصنا الملتقى السنوي الخامس للمنتدى، الذي عقد في أبوظبي ديسمبر 2018 من أجل الدعوة لحلف فضول جديد بين الأديان، يقوم على مبدإ التعارف وآلية الحوار، وهو حلف يضمُّ أديان العائلة الإبراهيمية؛ باعتبارها تتشارك في الرواية الأصيلة للقيم والفضيلة وأصول الأخلاق، التي تؤسس للسلام والتعايش بين مختلف الشعوب، ومن ثم فهي تؤمن بقيم المحبة والرحمة والإحسان على الإنسان، وهي قيم ترتقي بالتسامح إلى مرتبة الإخاء، وبالمساواة في المواطنة إلى مرتبة التكافل والتكامل؛ لتكون تضامنا بين المواطنين. وإننا نعتزم بإذن الله تخصيص الملتقى السادس حول دور الأديان في تعزيز قيم وثقافة التسامح في العالم.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية