تعايش الكلمات عام التسامح يليق بالإمارات وأهلها

التسامح قيمة عظيمة كبرى، أدركت البشرية أهميتها منذ فجر التاريخ؛ لأنها الوجه الآخر للأنسنة، التي لا يمكن تعريفها إلا من خلال المفهوم، الإنسان، أي الكائن الاجتماعي، الذي يحتاج الآخر ليس لتأكيد آدميته فقط، وإنما أيضاً لتأكيد طبيعته الاجتماعية، التي تميزه عن بقية الكائنات. ما يعني أن الإنسان بحاجة ماسة لأخيه الإنسان بالفطرة، وأنه مضطر للتنازل له عن طريق تبادل الاعتراف بالآدمية بادئ ذي بدء. ولكن بقدر ما يتمدن الإنسان تزداد حاجته للآخر، وتزداد حاجته للتنازل أكثر فأكثر؛ لأن قياس المَدَنية عملية مستحيلة من دون الآخر.

     ولكن مع المَدَنية والحداثة يبدأ الأنا بالتمايز، ويبدأ مع التمايز النزاع من أجل الاستحواذ والغلبة، ومع النزاع يبدأ النزوع إلى الإقصاء، ثم الشطب والإلغاء. لذلك اشتغلت الفلسفات الإنسانية على ترشيد السلوك الإنساني؛ منذ فجر التاريخ، ولأنها لم تجدِ النفع المطلوب جاءت الأديان للقيام بهذا الدور، فاتفقت معظم الشرائع السماوية على حقيقة أن الآخر هو نظير لك بالخلق؛ بأقل الاعتبارات. ما يقتضي التسامح معه؛ بل التماس العذر له. ومع ذلك تواصل جنوح الإنسان إلى  العنف والتوحش بالتوازي مع تواصل الحداثة والمدنية. وهذا ما جعل كلمة تسامح بالعربية تحيل المعنى والدلالة إلى السماحة والجود، بعكس التسامح بمعنى (Tolerance)، التي تحيل إلى حمولات حديثة، لها أبعادها الأخلاقية والسياسية، والقانونية، والاجتماعية، وتعني بدقة، احترام الآخر المغاير، الآخر المختلف؛ بعقيدته وعرقه ولونه وثقافته عموماً؛ باعتبار أنّ التنوع والاختلاف والتعدّد، هو سنّة من سنن الخلق.

ولذلك لا يدرك قيمة التسامح؛ سوى الحكماء والعقلاء، فيجتهدون ما استطاعوا للانتقال بهذه القيمة إلى السلوك الجمعي. ولكن في العصور الحديثة يستحيل تحقيق ذلك؛ من دون قيام الدولة بمؤسساتها القانونية والدستورية والتشريعية. وهو ما أدركه مبكراً، وقام به على أحسن وجه، حكيم العرب، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية، وباني نهضتها التنموية والحضارية والإنسانية، وعملت به القيادة الرشيدة من بعده؛ حتى أصبحت دولة الإمارات اليوم، نموذجاً فذاً للتسامح والتعايش الإنساني السعيد، فضلاً عن كونها قبلة الباحثين عن الكرامة والأمن والأمان؛ قبل الثروة والرفاهية.

   ولهذا، من الطبيعي أن يكون قرار القيادة الرشيدة، باعتبار العام الذي يلي «عام زايد الخير» بأنه «عام التسامح»؛ لترسيخ وتعزيز ثقافة الأنسنة، والارتقاء بمفاهيمها إلى معايير جديدة، تتناغم، مع طموحات وتطلعات الدولة المشروعة بحجز «المرتبة الأولى»، أسوة بالمعايير الدولية الأخرى التي انتزعتها. وهو طموح يليق بالإمارات وقيادتها وشعبها.

     منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، إذ يبارك ويثمن عالياً قرار القيادة الرشيدة، ويهنئ الحكومة والمجتمع الإماراتي، إنما هو يهنئ نفسه؛ كونه بأهدافه وبرامجه واستراتيجياته؛ بتوجيهات راعي المنتدى، سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، وقيادة معالي الشيخ عبدالله بن بيه رئيس «مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي»، يتناغم ويتفاعل ويتكامل مع هُوية وثقافة دولة الإمارات العربية المتحدة؛ بكل المعاني الحضارية، الأخلاقية والدينية والإنسانية عموماً، حسبما أرادها الوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه).

     يليق بالإمارات وأهلها «عام التسامح»، وتليق بقيادة الدولة أعراس الأنسنة التي تحتضنها على مدار العام. وإلى المزيد من الأنسنة وأعراسها الباذخة، التي نهديها للبشرية من أرض زايد الخير.. يا فرسان زايد.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية