سؤال الإنسانية في الأدب العالمي

    إنّ موضوع الإنسانية قيل فيه الشيء الكثير، لا من جانب المبدعين، ولا من جانب الدارسين والباحثين على طول التاريخ الأدبي والفني والفكري، وإنما اشتغل عليها كل من عمل في مجال الفكر أو التفكير؛ الأمر الذي جعل نظرية الإنسانية من النظريات الأدبية والفكرية التي يصعب تحديدها بزمن معين، أو تتبعها في منطقة معينة، أو ربطها برواد يعود إليهم الفضل في تحديدها وبلورتها. فقد اعتنق النظرية الإنسانية أدباء ومفكرون، لا حصر لهم في جميع جغرافيات العالم وفي قرون مختلفة.

      لكنّ المتفق عليه، هو أنّ الإنسانية لا تعرف لوناً ولا جنساً، ولا قوماً، ولا وطناً؛ وهي عالمة، مدركة، فإن حلت في قلب الإنسان رفعته إلى الدرجة العليا المؤسسة على المحبة والعدل والمساواة والمعرفة، وإن فقدها نزلت به إلى الدرك اللاأخلاقي؛ حيث البغض والظلم والحقد والوحشية والجهل. وهي روح المدنية الصحيحة، عمادها العلم والمعرفة والأخلاق والرقي المستمر لكلّ فرد من أفرادها. وهي مطلقة، لا تقف عند حدّ، وتقوم على تبادل الأفكار والعواطف عبر المحاورة السليمة، التي تكون سبباً مباشراً في شعور الإنسان بإنسانيته عند الآخرين، والعكس صحيح.

مما لاشكّ فيه أنّ الإنسانية تبرز ذروتها بعد الخيبات والنكسات خاصة بعد الحروب. ولعلّ هيمنة التيارات الإنسانية بعد الحربين العالميتين خير دليل على هذه الظاهرة؛ إذ مباشرة بعد نهاية الحربين، قامت الأمم عبر مثقفيها ومفكريها وفنانيها وأدبائها، في جميع أنحاء العالم  بالحثّ على نشر الإنسانية؛ عبر المناداة   بالتخلي عن ثقافة الهدم والدمار، والتشبث بثقافة البناء القائمة على التعايش والتحاور، أينما كان، والعمل على نشر هذه الثقافة  بين الناس وإعطاء  الشرعية لِحَقِّ الإنسان في الانفتاح بسلام وأمان وجوديين. وقد تغلغت هذه الأمور جميعها في العلوم الإنسانية والآداب والفنون؛ لأنها لقيت صدى عميقاً في قلوب الأدباء الواعية، فهبوا يسعون إلى معانقة الآخر، ويحثون قومهم على الإخاء والتعاون، والتجرّد من كلّ تقليد يضع ستاراً بينهم وبين أبناء وطنهم من جهة، والعالم كله من جهة أخرى، ذلك بأنّ الإنسانية مطلقة تدعو إلى الإخاء والعدل والمساواة والتعاون، إذ لا تعرف حداً ولا فاصلاً. وهنا تلتقي وظيفة الأدب الحيوية والضرورية في مفهوم النظرية الإنسانية، فهو الوسيلة التي تسخر الإمكانات المؤدية إلى وجود أفضل وعالم أجمل.

      ترتبط الإنسانية في جوهرها بالعالمية، حيث يصبح الإنسان هو مركز الكون؛ بصفته يحمل المشترك بين الجغرافيات المتعددة، والثقافات المختلفة، والحضارات المتباينة. ويكون هذا المشترك سبيلاً للتفاهم والتعايش والتسامح والحوار والائتلاف في الحياة والجمال والقيم؛ عبر إبداع الأسئلة المسهمة في كشف هذا المشترك؛ ليصبح الأدب تجربة كونية فعالة وضرورية لبلوغ الإنسانية درجات أعلى من النضج والرقي. فالانسجام الفكري والشعوري بين أفراد المجتمع أو الطبقة الاجتماعية هو الجدوى الحقيقية للأدب.

 وإذا أردنا أن نعرج قليلاً في مفهوم الإنسانية في الأدب العالمي، نجد، دانتي أليغري في الكوميديا الإلهية الذي قال عنه ت، س، إليوت:» إنّ دانتي وشكسبير اقتسما العالم بينهما، ولا ثالث لهما». حيث أَثَرُ الكوميديا يقدم أعظم مخيلة تَوَصّل إليها الجنس البشري؛ فما قدمه دانتي هو الكون الأدبي الواسع الذي لا يمكن أن نتوسع فيه، أو نقلص منه. إنه تراث البشرية، وآخر حدود الخيال البشري، إذ لا يمكن أن نضيف إلى العالم العلوي عالماً آخر، ولا أن نجعل تحت العالم السفلي عالماً آخر. ولذلك فإنّ قراءة الكوميديا هي قراءة تراث الإنسانية، وخلاصة مخيلتها. وما أبدعه الأديب الفيلسوف العربي جبران خليل جبران الذي قال:  «أحبك ساجداً في مسجدك، وراكعاً في هيكلك ومصلياً في كنيستك أنا وأنت أبناء دين واحد، هو الحبّ.» والأديب  الهندي رابندرانت طاغور من خلال ديوانه «قفة الثمار»، الذي يتضمن حِكَماً وأشعاراً نثرية تَحُثُّ على رسائل قيمية كونية ذات صوت مفرد بصيغة جمع؛ حيث يقول في إحدى نثرياته «أيها الليل، الليل الذي أرخى سدوله، اجعل مني شاعرك. لقد جلس البعض، بُكْماً، في ظلمتك، طوال عصور وعصور، فدعني أذيع اليوم أناشيدهم.» والشاعر الألماني  يوهان فولفغانغ غوته صاحب  نظرية عالمية الأدب أو الأدب العالمي، والذي  أثار هذه القضية، وتَخَيَّل أنّ الآداب المختلفة ستجتمع  كلها في أدب واحد كبير تقوم فيه الشعوب بدور الروافد التي تصب إنتاجها في هذا النهر الكبير أو الأدب العالمي. حيث كان غوته يؤمن بالإنسانية الواحدة، كالبنيان يشد بعضه بعضاً، تتعاون أفراداً وجماعات على طريق الحكمة، وتسعى إلى الحق والخير والجمال، تنأى بنفسها عن الهمجية، وتستمسك بالقيم السامية، بالتسامح والمحبة والسلام. فالفن الحقيقي حسب الشاعر الكوني غوته هو الشيء الذي يستطيع أن يوحد بين البشر، ويجمعهم على التفاهم والمحبة والاحترام والإنصاف، ويعد ديوانه «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي»، الذي أشاد فيه بطبيعة الإنسان وقواها، حيث يحمل طابع التفاؤل والإقبال على الحياة، ويدعو إلى المؤاخاة بين الأمم والشعوب. 

      وفي الثقافة العربية الإسلامية، فإننا نستخلص، بأنّ الإنسانية تلتقي بالعالمية، ويتمثل ذلك في مناقشتها للإنسانية المستنبطة من الروح تارة، ومن الروح والجسد تارة أخرى، ومن القلب النوراني ومن السرّ الرباني وما شاكل ذلك في الوجدان والفكر والمادة والحياة، ويمكن أن نورد –على سبيل التمثيل لا الحصر- جواب الهجويري في محاولة تقديم تعريف لهذا المفهوم على المستوى العربي الإسلامي، حيث ردها إلى خمسة مذاهب في القول: «من حكماء العرب من حد الإنسانية بالروح عن الجسد بمعزل، ومنهم من حدها بالروح في اتصال بالجسد واتحاد، ومنهم من حدها بالقلب، ومنهم من حد «الإنسانية «بأنّها سر إلهي أودع في جسد، ومنهم من حدها بالحياة.» وقد بلغت أنظار حكماء العرب في شأن الإنسان مبلغ النزعة الإنسانية. وبحق قال الحكيم العربي: «وينبغي لمحب الكمال أيضاً أن يعود نفسه محبة الناس أجمع والتودد إليهم والتحنن عليهم والزلفة منهم والرحمة لهم- فإنّ الناس قبيل واحد متناسبون تجمعهم الإنسانية وتحلهم قوة إلهية في جميعهم وفي كلّ واحد منهم، وهي النفس العاقلة. وبهذه النفس صار الإنسان إنساناً، وهي شرفُ جُزئي الإنسان اللذين هما النفس والجسد».

      بهذا كله، تبقى إنسانية الأدب العالمي نابعة من القوة الحق النبيلة، التي ليست هي الذات المتصارعة دوماً، وإنّما ما يسكن الذات الساعية إلى معانقة رسائل القيم السامية، مثل الحب والعدالة والسلام والحق والخير وباقي الفضائل، المنبثقة من الاندفاعات الآتية من جميع المصادر، من المعيش المؤمن بالانفتاح على المعيش المختلف، ومن الثقافة الأحادية والمتعددة، ثقافة الأنا وثقافة الآخر، التي تصبّ كلها في نشر القيم السامية؛ بكلّ درجاتها الدينية والدنيوية، ليبقى أدب الإنسانية مدخلاً رئيساً لتحقيق ذلك. وقد عرف الأديب الإنساني دوره بصفته إنساناً يحبّ ذاته ويحافظ عليها من كلّ مكروه، وأدرك أنّ تحقيق هذه الذات لا يمكن أن يحدث إلا من خلال الموضوع الذي يتجسد في الآخرين؛ فهو ظلّ يشعر بإنسانيته عندما يجد صداها عند الآخرين. ولعلّ هذا، ما جعل الأدب على المستوى العالمي أحياناً، في جوهره، واحداً في جميع اللغات مهما اختلفت المظاهر السطحية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية