المعرفة واجب الرواية الأخلاقي الوحيد

"إن سبب وجود رواية ما، هو اكتشافها ما باستطاعة الرواية فقط اكتشافه. إن الرواية التي لا تكتشف جزءا من الوجود بقي مجهولاً، ليست أخلاقية. المعرفة هي واجب الرواية الأخلاقي الوحيد".  هكذا يعرّف الكاتب التشيكي المعروف، ميلان كونديرا، الرواية في علاقتها بالأخلاق، واضعاً المعرفة في سلّم أولوياتها، في حين يرى آخرون، الأمر من منظار مختلف. والحال أن موضوعة الأخلاق بما تتضمنه من قيم إيجابية، على رأسها قيم التسامح والتعايش ورفض العنف وقبول الآخر، وعلاقتها بالآداب بشكل عام، وبالرواية بشكل خاص، باتت من المواضيع المهمة الراهنة التي ينكبّ عليها الفلاسفة والنقاد على السواء. 

ففي حين كانت الآداب في ما مضى تضع حدّاً فاصلاً وجلياً ما بين عالم الجماليات وعالم الأخلاقيات، أصبحت اليوم توجِد روابطَ وثيقة ذات معان متعددة ما بين الاثنين، وهو ما يظهر في مؤلّفات عدد من الفلاسفة من أمثال مرتا نوسبوم في كتابها "شعرية العدالة، المخيلة الأدبية، والحياة العامة"، ساندرا لوجييه في "الأخلاق، الأدب والحياة الإنسانية"، أو جاك بوفيريس في عمله "معرفة الكاتب". فهؤلاء رأوا في الرواية معبرا لشكل من المعرفة الأخلاقية التي تحضر كموضوع ملحّ حيث أنّ الكل مدعو إلى التفكير في القيم (المعايير الثقافية والاجتماعية والأخلاقية التي يتم الارتكاز عليها في عملية تقييم السلوكيات، الأحكام أو الخطاب) والأخلاق التي تروّج لها النصوص الروائية.

     والحال أن هذا هو ما تركّز عليه الدراسات والتحليلات الأدبية إجمالاً وهي، على الرغم من جدّيتها وعمقها، تبقى أسيرة مقاربات محدودة يمكن تلخيصها كما يلي: فإما أن تعمد إلى تبجيل وظيفة النقد وكسر الممنوع وخرق المحرّم التي تضطلع به الرواية، وإما أن تبرز دورها التبشيري التعليمي، صانعة منها مخزوناً للمواقف الأخلاقية. هذا مما درجت عليه الرواية العربية مثلا، في بداية نشأتها، وذلك بسبب ارتباطها بأهداف التربية الأخلاقية والإصلاح الاجتماعي. وعلى الرغم من تراجع هذا النوع مع الوقت، فإن كتابة الرواية الأخلاقية ما زال مستمراً، عربياً.

     في مطلق الأحوال، تعمد مثل هذه المقاربات إلى طرح تساؤلاتها حول فائدة الأدب، أو حول ماهية دوره وطبيعة وظيفته بالنسبة للعالم، على حساب دراسة القيم وتحليلها كما هي مقترحة داخل العمل الأدبي نفسه، وبغض النظر عن كيفية تلقيها. من هذا المنطلق، لا بد من طرح سؤال أساسي عمّا إذا كان الأدب هو نفسه حقلاً منتجاً للقيم، وهو ما يستدعي بالتالي تناول علاقة الرواية بالأخلاق، مع تفادي طرح السؤال المتكرر إياه:       ما هي رسالة الأدب أو ما هي فائدته؟ لاستبداله بسؤال أهم وأعمق: ما الذي يفعله الأدب على مستوى أخلاقي؟

إذا سلّمنا جدلاً بأن الأعمال الأدبية عامة، والرواية على وجه الخصوص، قادرة على إنتاج قيمها الأخلاقية الخاصة، يصبح من الشرعي استنطاقها حول قدرتها على نشر قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر ورفض العنف، إلى ما هنالك من مسلّمات أخلاقية أخرى لا تقوم من دونها المجتمعات البشرية المتقدّمة على أسس صلبة وسوية. وبما أن الإجابة المحتملة ليست بتلك البساطة، قد يكون من المجدي تلخيص وطرح بعض النقاط بهدف فتح حقل للتفكير والنقاش:

     - تقترح الرواية نمط تفكير مغاير، وهي بذلك تقوم بتحديد الأفكار والمفاهيم والمعضلات الأخلاقية بشكل جديد كلياً. هكذا مثلاً أعاد دوستويفسكي من خلال رواياته، تحديد مفهوم الشرّ، وألبير كامو مفهوم العدالة، وصمويل بيكيت المفاهيم المتعلقة بالجسد، إلخ. وهو ما جعل أعمالهم الخالدة تخاطب الضمير الإنساني عامة، داعية إياه إلى رفض الأفكار الثابتة والأحكام المغلوطة.

     - إن الرواية، بإنتاجها عالماً موازياً، تكون قادرة على تعطيل الأحكام المسبقة التي ينتجها مجتمع ما ويعمل على أساسها في تعاطيه مع مجمل القضايا المطروحة عليه.

     - تعيد الرواية رسم الصلات والعلائق القائمة ما بين مختلف العناصر والظواهر، أو أنها تختلقها، وهي تُظهر بذلك عدم مواءمة الأحكام والمعايير المعتمدة مع الجوهر الأخلاقي للقضية المطروحة، أو عدم صلاحيتها، وتقترح بالتالي دافعاً مقنعاً لتغيير تلك الطرق وتطويرها.

- تدعونا الرواية، بشكل غير مباشر، من خلال اقتراحها سبلاً مغايرة لإقامة الصلة بالعالم إيجابياً، إلى إسقاط أخرى، وذلك عبر تقديمها "توجّهاً" ضمن ما أطلق عليه ميلان كونديرا "حقل الاحتمالات الإنسانية"، أي "كل ما يمكن للإنسان أن يصبح عليه، وكل ما هو في إمكانه".

     هكذا، تدعونا النصوص النقدية الحديثة إلى إجراء قطيعة مع الطرق القديمة في مقاربة الأدب باعتباره وصفة لكسر المحرمات، أو وسيلة تعليمية تربوية لتلقين القيم الإيجابية، مقترحةً طريقة أخرى تلقي الضوء على كيفية بناء القيم وتقديمها داخل العمل الأدبي نفسه، وهو ما أطلق عليه بعض النقاد تسمية "التأثيرات - القيم". بتعبير آخر، المطلوب هو تجاوز المقاربة النصّية المحدودة التي تكتفي بلحظات التعبير عن القيم الأخلاقية بشكل مباشر داخل النصّ، على لسان الشخصيات أو الراوي أو المؤلّف، واستبدالها بأدوات أدبية صرفة مثل خيار الأسلوب، والشخصيات، والتأثيرات السردية، والخصائص البنيانية، والمستويات السردية والوصفية، إلخ. ومفاده أن الرواية تُظهر لنا قيمها الأخلاقية من خلال اعتمادها خيارات أدبية معينة.

فلنحتكم إذاً إلى النصّ الروائي وحده، وهو سيفصح لنا طوعياً عن قيمه الأخلاقية.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية