التعايش في سياق الاختلاف.. ترسيخ قيم التسامح وجعلها عملاً مستداماً

       في سياق العيش الواحد، العيش المشترك، نحتاج؛ كنخب ومؤسسات ومنابر ووسائط إعلام، ومجتمع مدني، إلى إعمال معايير النزاهة الفكرية، وتقبل الآخر المختلف، واحترام قناعاته، وخصوصية شعائره ومعتقداته؛ باعتبار أنّ الاختلاف هو حقيقة إنسانية، وأنّ التنوّع هو آية من آيات الله في الإنسان والكون، وأنّ المبدأ الحاكم هو "لا إكراه في الدين"، ولا في غيره من شؤون حياة الناس، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين".

       لا يتعزّز العيش المشترك، ولا تزول مشاعر الشكّ والتوجّس والخوف، إلا بتوفّر قاعدة المساواة في الفرص والحقوق والواجبات والاحترام المتبادل، بمعنى إعمال مبدأ المواطنة، القائم على علاقة أفقية بين المواطنين أنفسهم، من خلال القيم الإنسانية المتمثّلة بالعيش المشترك، وحسن الجوار، وإدارة الاختلاف بالحوار، والتسامح، وبالكلمة السواء والقانون، وبالوعي بالهوية الوطنية الجامعة.

       إنّ فكرة التسامح السائدة اليوم، في خطابات الساسة والنخب، هي في جوهرها، من مقاصد الأديان، ومن مبادئ إعلانات حقوق الإنسان، ومن أهداف الأمم المتحدة، وهي واجب أخلاقي وقانوني في آن. وقاعدة لازمة للعيش المشترك. ومن الأسف فإنه مازال هناك فهم مُلتبِس لفكرة التسامح، ولايزال هذا المصطلح غامضاً في أذهان كثيرين، ممن يتحدَّثون عن التسامح، في خطابهم وفيما يكتبون. حيث يتمّ الخلط، بين مفهوم التسامح من جهة، وبين مفهوم العفو والصفح والمغفرة، من جهة أخرى، فالعفو والصَّفح والمغفرة هي فضائل أخلاقية، بمعنى، أن هناك شخصاً قد أوذي من قبل شخص آخر، وأنّ الشخص الأول قد غفر للثاني ما بدر منه من خطأ أو أذى، في حين أنّ كلمة التسامح بمعنى (Tolerance)، هي كلمة فلسفية حديثة، لها أبعادها الأخلاقية والسياسية، والقانونية، والاجتماعية، وتعني احترام الآخر المغاير المختلف، بثقافته وعقيدته وعرقه ولونه..الخ، باعتبار أنّ التنوّع والاختلاف والتعدّد، هو سنّة من سنن الخلق، وقد خلقنا سبحانه وتعالى، شعوباً وقبائل، لنتعارف ونتعاون لعمران الأرض، ويتأسس معنى التسامح في المجتمع على قاعدة المواطنة العادلة والمتكافئة.

       إنّ التسامح بمعناه الفلسفي الحديث هو تعبير واضح في مقاصد الأديان، وتمّت بلورته في حياتنا المعاصرة، بعد مُعاناة وحروب. إنّ الفتنة الدينية التي سادت في أوروبا قد قضت على نصف سُكان أوروبا، بين البروتستانت وبين الكاثوليك، منها حرب استمرت مائة (100) عام، وحرب أخرى سمّيت بحرب الثلاثين  (30)عاماً، نجم عن ذلك أنّ نصف سُكان ألمانيا قتلوا نتيجة هذه الحروب، ثمّ كان الدور الكبير للفلاسفة والمفكرين في أوروبا، في الدعوة إلى قبول الآخر المختلف شكلاً ولوناً وثقافةً وعِرقاً وديناً ومُعتقداً وسلوكاً، وبلورة هذا المصطلح، الذي بدأ كمفهوم ديني ضيق في الحضارة الأوروبية، ومع الوقت، وبفعل ضغوط الرأي العام، تطوّر هذا المفهوم في المواثيق الدولية، ليصبح قيمة ثقافية.

       لقد سمعتُ أحد رؤساء الكنائس في أبوظبي يقول في خطاب له في مؤتمر للحوار بين الثقافات والأديان أنّه يشكر دولة الإمارات العربية المتحدة لأنّها سمحت للطوائف المسيحية بإقامة كنائس لها في الإمارات، فقلتُ له: إنّ السَّماحة هنا غير واردة، لأنّ من حقِّك أن تتعبَّد، فهذا تعلَّمناه من ديننا، ومن دستور الدولة الذي يضمن للأجنبي أو المُغاير أن يُمارس ديانته.

       لقد راكمت دولة الإمارات العربية المتحدة تجارب رائدة في ترسيخ قيم التسامح، حيث يوجد بها أكثر من (42) كنيسة، والذين يظنون أنّ التسامح قد بدأ عندما وصلت الجنسيات في الإمارات إلى عدد (200)  جنسية، هم في حقيقة الأمر مخطئون، فقبل 150 عاماً، كان يوجد معبد لحرق الموتى للهندوس بجوار قصر الحاكم بالشارقة، ثمّ انتقل إلى دبي، وهذا يدلّ على احترام  الآخر، وتقدير التنوّع، باعتباره عامل إثراء في المجتمع، وحقاً إنسانياً.

       خلال مُشاركتي في مؤتمر بماليزيا قبل سنوات، تحدّثت مديرة الجامعة الإسلامية الدولية التي كانت ترأس الاجتماع، وذكرت بأنّها لا ترغب في استخدام كلمة التسامح، باعتبار أنّها تعني "المغفرة أو الصفح"، وفي هذا المعنى تبدو أنّ هناك فوقية، وتعالياً، ومن الأسف أنّ هذا الخلط ما زال منتشراً بيننا، وهناك برنامج تلفزيوني شهير اسمه "المسامح كريم" مُرتبط بمعاني العفو والصَّفح، وهي كلها قيم خُلقية، لكن التسامح بأبعاده الفلسفيَّة والقانونيَّة والتشريعيَّة والإنسانيَّة يختلف في دلالته عن معاني القيم السابقة.

وقد أدركت الإمارات مبكراً معنى وأبعاد فكرة التسامح، وعاشها شعبها منذ مئات السنين، مجتمعاً منفتحاً ومتسامحاً، وقبل عشر سنوات؛ انتصبت تسع منحوتات فنية على مدخل ديوان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي، وتشير إلى كلمة(Tolerance)  ومكونة من تسعة حروف، عبَّرت عن المعاني الحقيقية للتسامح، وقد صممها فنان فرنسي من أصول جزائرية، وذلك قبل أن نسمع عن المنظمات الإرهابية كداعش والقاعدة وغيرها. نعم، إنَها رؤية مُستقبليَّة مُبكرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وفهم صحيح لفكرة التسامح.

       من ناحية أخرى، أودّ أن ألفت الانتباه إلى أنّ هناك تحولات ضخمة جرت وتجري في العالم اليوم، تتطلب من الجميع السعي الجاد نحو تعزيز ثقافة وقيم التسامح، والتعايش والعيش المشترك، من بينها: إنّ الدّيمغرافيا أو الجغرافيّة البشريّة قد تغيّرت، وما عادت المسيحية هي ديانة الرجل الأبيض الأوروبي، فثلثي (⅔) المسيحيين يعيشون حالياً في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وثلث (⅓) المسلمين لا يعيشون في المجتمعات المُسلمة، إنما يعيشون في مجتمعات نصرانية وهندوسية وعلمانية، في آسيا وإفريقيا والصين، وفي أوروبا أيضاً وغيرها، وفي وطننا العربي تعيش أقليات دينية وعرقية ولغوية، ويتمّ الحديث عما يواجهونه من اضطهاد وتهجير. فهذه الأقليات ليست جاليات مهاجرة بل هي أصول هذه الأوطان التي تعيش فيها، فهم مواطنون في إطار العدل والمساواة أو ما اتفق عليه باسم مبدأ "المواطنة المتكافئة" في الحقوق والواجبات، وليست "المُحاصَصَة" الطائفية أو العرقية، بمعنى (Quota).

       وفي هذا السياق نطرح على أنفسنا السؤال التالي: لماذا لم يلتحق هندي واحد بالمنظمات الإرهابية كداعش أو جبهة النصرة أو غيرها؟ مع العلم أنّ هناك ما يقارب من   (250)مليون مسلم هندي، ولم يلتحق فرد واحد منهم بهذه المنظمات، في حين أن مسلمين من فرنسا، وأمريكا، وأستراليا، والسويد وبلجيكا، رغم المنظومة الديمقراطية التي يعيشون فيها، قد التحقوا بهذه المنظمات الإرهابية، شباب تتراوح أعمارهم من 20 إلى 25 سنة من هذه الجنسيات.

       إنّ التسامح الحقيقي هو أن تعيش عيشاً مشتركاً بسلام مع الآخر المواطن داخل الوطن وتتقبّله، وعلى المستوى الدولي، توجد تحديات تواجه السلام والتسامح والعيش المشترك والوئام العالمي، وهي تحديات تزداد خطورتها، في ظلّ صُعود أحزاب شعبوية متعصبة وعنصرية، وتشكل خطراً على فكرة التسامح العالمي، ما يفتح الأبواب أمام الكراهية الجماعية والهجرات السكانية.

       إنّ البحث عن كيفية تأسيس السلام الحقيقي بين هذه المجتمعات، هو التحدي الكبير الذي يواجهنا جميعاً اليوم، وبخاصة، مؤسسات الثقافة والتعليم والتربية، كيف نجعل من هذا التسامح تسامحاً مُستداماً في داخل المجتمع؟ والسؤال المطروح هو ما هي الثقافة التي علينا أن نغرسها في المجتمع، وفي الجيل الجديد داخل المدرسة، وليس كما صيغت في الثمانينات من القرن الماضي، في المناهج الدينية والتربية الدينية فمنعت الموسيقى، ومنعت التحدث عن أي مذهب من المذاهب الأخرى غير السنة في الإسلام؟ لذا ينبغي إصلاح التعليم بالتركيز على الفهم والوعي والانفتاح على الثقافات الأخرى، فالمجمع الفقهي في جدة مثلاً أقرّ ثمانية (8) مذاهب في الإسلام، فلماذا لا نعلم أبناءنا ونعرّفهم بهذه المذاهب في إطار ترسيخ قيم التسامح داخل المجتمع؟

       إذا غاب التسامح في أي مجتمع، يحضر العنف والكراهية والتعصب، ويختل التعايش.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية