التسامح سبيل السلام والرقي الإنساني

  • نهج الإمارات.. تعزيز فلسفة التسامح ووقاية الشباب من التعصّب والتطرّف
  • التسامح يشكّل أرضية للحوار بين الديانات وحاجزاً قوياً ضدّ العنصرية
  • الارتقاء بالأفكار والسلوكيات يحقّق التعايش المشترك والتعاون الحضاري
  • المجتمعات المتسامحة تنعم بالسلام وتعدّ أكثر متانة ضد التدخلات الخارجية
  • زايد غرس قيم التسامح في الدولة ورسّخ الروابط الإنسانية بين مكونات المجتمع
  • الحاجة إلى التسامح ضرورة ملحّة كي لا تكون الكراهية بديلاً عن التعايش
  • التضامن بين الشعوب قوة ومنعة تصون الحقوق والحريات وتكافح التطرف

 

عاشت البشرية قديماً في اختلاف واحتراب مستمر، وكانت الحياة غابة يسودها الظلم، وعنوانها البقاء للأقوى. أمّا الآن فقد أصبحت الدول عبارة عن قريةٍ كونيةٍ، ومدنٍ متداخلةِ المصالح ومترابطة العلاقات؛ بسبب ثورة الاتصالات، ولكن مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كثرت منابر الشرّ التي تدعو إلى التطرف والعنصرية والطائفية والعرقية.

لكنَّ هاجس التسامح يبقى الأكثر إلحاحاً ومطلباً للبشرية جمعاء، فارتفعت الأصوات التي تنادي بالتسامح والسلام؛ لأجل نشر المحبة والسعادة بين البشرية. وقد أصبح التسامح مطلباً ملحاً في المجتمعات المسلمة اليوم؛ بسبب خطابات الكراهية والعنصرية التي ترسلها قوى الشر، وتستهدف المجتمعات العربية والإسلامية الأكثر أمناً واستقراراً، مستغلين النزاعات والحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.

تعد دولة الإمارات العربية المتحدة ومنذ قيام اتحادها في الثاني من ديسمبر ١٩٧١ نموذجاً للمجتمع المسلم الذي يتسم بالتسامح والسلام، وعلى الرغم من أنّ المجتمع الإماراتي يتجاوز المقيمون فيه الــ200 جنسية من كلّ بقاع الأرض إلا أنّه استطاع استيعاب هذا التنوع الثقافي والعرقي والديني، بسبب مبادئ وقيم التسامح والمحبة والأخلاق الحميدة التي غرسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وسعى جاهداً لترسيخ الروابط الإنسانية بين مختلف فئات المجتمع، فالقائد المحب للتسامح والسلام يجعل مجتمعه أكثر وئاماً وسعادة، وكانت هذه مبادئ وقيم مؤسس الدولة رحمه الله، لتصبح واقعاً ملموساً في كلّ بقعة من بقاع دولة الإمارات. فالمجتمعات التي تتسم بالتسامح تنعم بالسلام، وتكون أكثر متانة وترابطاً ضد تدخلات قوى الشر الخارجية، والتي تسعى إلى تفكيك المجتمعات المسلمة، فمبدأ التسامح يتطلب من الناس أن يعيشوا في سلام مع من يحملون معتقدات وقيماً مغايرة لمعتقداتهم وقيمهم، ويفرض عليهم قبول الاختلاف، ما يؤدي بالمجتمع إلى التقدم والنهضة، والقضاء على عدد كبير من المشكلات التي تنشأ بين أبنائه، وبالطبع من أبرز ثمار التخلّص من هذه المشكلات الأمن والسلام.

التسامح من بين أهم الأخلاقيات التي تروض الاختلاف، وتجعله رحمة بين الناس، بدل أن يكون مصدراً لزرع الكراهية والأحقاد وتوليد النزاعات. فبقدر ما يُجلّي التسامح نوازع الخير في نفس طرف ما بقدر ما يكبت نوازع الشر في الطرف الآخر، فالحاجة إلى التسامح ضرورة ملحّة لكيلا تكون الكراهية بديلاً في المجتمع وخياراً بين الشعوب. لا شكّ أنّ مبدأ التسامح عظيم، لأننا كلنا أهل خطأ، ونحتاج كثيراً إلى من يصفح عنّا بدل أن يحقد علينا فتنشأ بيننا كراهية وبغضاء تتوارثها الأجيال، فمن قابلنا بصفح وتسامح نواجهه بما قابلنا به، بل حتّى الكراهية لا يجب أن تواجه بالكراهية، بل يجب صدها بالحلم والعفو والتسامح، للحدّ من تطورها وتفشيها داخل المجتمع، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على شفافية النزعة الإنسانية المنبثقة من شخصية المتسامح، وحكمة ورزانة عقله، لذلك لا ينبغي أن يؤخذ موقفه كضعف أو قلّة حيلة، أو ينظر إلى الشخص المتسامح وكأنّه في موقف إذلال، بل بالعكس، موقفه إنساني ينظر له بنظرة تقدير وإجلال. فالتسامح أنفة، والأنفة تتغلّب على التهوّر، الذي قد ينبثق من سوء فهم يسير إذا لم يُقابل بحكمة وتسامح، سوء فهم يكبر ويتضخم ويشحن النفوس بالكراهية والبغضاء إلى أن يصل إلى قطيعة وعداوة بين طرفين، الأصلح بينهما والأفيد لهما التعاون والتفاهم، لهذا ينبغي أن ندرك ماهية التسامح ونتعامل به كأفراد تكوّن المجتمع الواحد، ليسود فيه الخير والعدل والمساواة، وكمجتمعات أيضاً، ليعمّ السلام والأمن بين دول العالم على اختلاف أجناسها ولغاتها ومعتقداتها وعاداتها، فبالرغم من كل هذا التنوع والاختلاف الذي يظهر جلياً في الجنس البشري نلاحظ أنّ كلّ المجتمعات تتفق على ضرورة ترسيخ مفهوم التسامح ونشره بين الناس، وذلك بتعليمهم الحقوق والحريات التي يتشاركون فيها، لكي يحترموها ويعزموا على حماية حقوق وحريات الأفراد الآخرين. ولنا في دولة الإمارات خير مثال، فقد أصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله مرسوماً سنة 2015 بشأن مكافحة التمييز والكراهية.

التطرف آفة اجتماعية وفكرية وأخلاقية تشير إلى الخروج عن القيم والأفكار والسلوكيات الإيجابية في مجتمع معين، وبالمقابل تبني قيماً ومعايير سلبية، وقد يتحوّل تبني هذه القيم والمعايير المختلفة والدخيلة على المجتمع من مجرد أفكار إلى أفعال ظاهرية قد يصل الدفاع عنها إلى اللجوء إلى العنف، بغرض إحداث تغيير في المجتمع وفرض المبادئ التي يؤمن بها الفكر المتطرّف بقوّة على الآخرين، وقد تتفاقم المسألة لدرجة اللجوء للإرهاب.

التطرف ينشأ وتنبت جذوره في المجتمعات التي تنعدم فيها كلّ أنواع التسامح، حيث يستمدّ قوته من نوعية الأفكار السلبية، وما يقترن بذلك من إقصاء الآخر وتهميشه، والمتطرف يكون على استعداد دائم لمواجهة الاختلاف في المعتقد أو الرأي بالعنف، ويسعى دائماً إلى فرض هذا المعتقد بالقوّة على الآخرين. وقد يأخذ التطرف أشكالاً متعدّدة، نذكر منها التطرف الديني والذي يعني الخروج عن المسلك المعتدل في فهم الدين وفي العمل به، والتطرّف الفكري والذي يتمثل في الخروج عن القواعد الفكرية والثقافية المعتدلة التي تسود المجتمع في أي جانب من جوانب الحياة.

لذلك أصبحت عملية التعاطي مع هذه المعضلة الاجتماعية العالمية ضرورة ملحّة، حيث لا يجب الاقتصار فقط على الجهود الأمنية المبذولة من الدول للحدّ من خطورتها وانتشارها، بل أصبح من الضروري نشر وتعزيز قيم التسامح بين كافة شرائح وفئات المجتمع في جميع النواحي. فالتسامح لا يترك وسط المجتمعات مكاناً للغلو والتطرّف، إضافة إلى أنه يجنّب أفرادها مخاطر الانزلاق في مسالك الجهل والانغلاق والتبعية، ويبعدهم عن مهاوي التطرّف، ليس فقط داخل المجتمع الواحد، بل حتّى في علاقة المجتمعات مع بعضها بعضاً على اختلافها وتنوّعها اللغوي والثقافي والديني، فالتضامن بين الشعوب قوة ومنعة تصون الحقوق والحريات من أي خرق محتمل.

ودولة الإمارات العربية المتحدة تضرب لنا مثلاً جلياً للمجتمع المتسامح الرافض لكافة أشكال التطرّف، حيث فطنت لخطورة هذه الآفة منذ سنوات، فعملت على إنشاء مراكز لمحاربة التطرّف، نذكر منها المعهد الدولي للتسامح، ومركز "هداية" لمكافحة التطرّف العنيف، ومركز صواب.

التسامح يحقّق أرضية للحوار والتفاهم بين الديانات والثقافات المختلفة، ويسعى لتحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي وحتّى الاقتصادي، فهو يشكّل حاجزاً قوياً ضدّ كلّ نزعات العنصرية والتمييز والتفرقة، لأنّه يلامس المجتمع بكل أطيافه الدينية. لذا بات واضحاً أنّ التسامح الديني مطلب إنساني جليل، اقتضته الفطرة الإنسانية، واستوجبته النشأة الاجتماعية، حيث دعت إليه الأديان كافة، بصرف النظر عن الإشكالات التي تتصدّر الوضع الراهن، فهي ليست في الأديان نفسها، وإنّما هي نتاج عقم إدراك بعض القائمين عليها، فإنّ ما يجب تسليط الضوء عليه هو أنّ أهمية التسامح الديني تتمثّل في كونه يعزّز القيم الوسطية، ويضع أسساً رشيدة للاختلاف والتنوّع، ويحترم ما يميّز الأفراد، ويقدّر ما يتميّز به كلّ شعب من مكونات ثقافية تمثّل هويته ومصدر اعتزازه. ومنه فالتسامح الديني يستوجب الاحترام المتبادل، ويستلزم التقدير المشترك، ويفرض التخلّي عن الأساليب الإقصائية، ويدعو إلى الارتقاء بالأفكار والسلوكيات وتنقيتها، بما يحقّق التعايش المشترك، والتعاون الحضاري والثقافي المتبادل، وهو بذلك يجعل المجتمع أرضاً خصبة لزرع الأخلاقيات الحميدة والقيم الإنسانية، من خلال نشر ثقافة التسامح بين أفراد المجتمع، التي تكسب الشخص خصوصاً الناشئة مهارات الحياة التي تمكّنهم من العيش معاً في سلام ووئام، وتكسبهم مهارات حياتية تمكنهم أيضاً من نبذ العنف حال الخلافات ورفض التسلّط والانفراد بالرأي وفرضه على الآخر.

وهذا نهج دولة الإمارات، ويتضح ذلك من خلال البرنامج الوطني للتسامح والذي يعمل على مجموعة من المحاور والأهداف من بينها "تعزيز التسامح لدى الشباب ووقايتهم من التعصّب والتطرّف".


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية