العولمة والأنسنة.. تعايش حضارات متمايزة لا تنفي واحدة منها الأخرى

       لعلّ مصطلح "العولمة" من أكثر الكلمات دوراناً على الألسن منذ عقود. العولمة تضرب بسهم في مجالات عديدة ومتشابكة، فلها أبعاد اقتصاديّة لا شكّ، ولكن لها أيضاً أبعاد اجتماعية وسياسية، وقد أشبعها بعض الفلاسفة بحثاً ونظراً. فكثيراً ما يصبّ الحديث عن العولمة في القضايا الكبرى شأن فتح الحدود للبضائع وتراجع دور الدّولة وسيطرة لوبيات الشّركات الاقتصاديّة النّافذة على نظم العالم إلخ. على أنّ البعض ينسى أنّ كلّ تغيير في البنى الشّاملة هو بالضّرورة مؤثّر في البنى الخصوصيّة أي في طبيعة الفرد وسلوكه ورؤيته للعالم، أو ما يمكن التّعبير عنه بخصائص الإنسان.

       وإنّنا نذهب إلى أنّ بعض وجوه العولمة تتقابل مع الأنسنة بصفتها جماع شروط ما يجعل الإنسان إنساناً وفق المقاربات الأخلاقيّة والرّوحانيّة للفرد.

العولمة والتّنوّع: التّنميط الشّامل

       قد تبدو العولمة من عناصر الانفتاح؛ بصفتها تسعى نحو إلغاء حدود التّبادل الاقتصاديّ. والحقّ أنّ إلغاء حدود التّبادل هذا يتجاوز المجال الاقتصاديّ إلى سائر المجالات الأخرى، ولا سيّما الثقافية منها. فقد أثبت علماء الاجتماع أنّ تغيير الوسيط هو تغيير للمعنى، ولا يمكن أن ننكر تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتبادل المعلومات السّريع في العلاقات بين النّاس مثلاً.

       على أنّ العولمة الثّقافيّة التي ظاهرها انفتاح، باطنها تنميط، وهو تنميط يجد أساسه في القولة الخلدونيّة الشّهيرة: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب". فالثّقافات ليست على قدم المساواة في قدرتها التّأثيريّة التي لها صلة وثيقة بالقوّة الاقتصاديّة والمادّية. ولذلك نجد بعض ضروب الثّقافات تفرض نفسها على العالم، وهذا مثلاً شأن ثقافة ال"تيك أوي" أو الوجبات السّريعة التي جعلت كثيراً من الخصوصيّات الغذائيّة للشّعوب تضمر بل تندثر، وهذا شأن ثقافة المسلسلات الأمريكيّة أو ألعاب الفيديو التي غدت إدماناً لدى شباب البلدان العربيّة.. إنّ العولمة أنشأت ضرباً من ضروب التّنميط لدى البشر، فتقلّصت الخصوصيّات والثّقافات المحلّية لصالح حضارات مسيطرة على أخرى. إنّ العولمة بهذا التّنميط تتقابل مع الأنسنة بما هي تعايش حضارات متمايزة لا تنفي واحدة منها الأخرى، ولا تسيطر واحدة منها على الأخرى. إنّ جوهر الأنسنة إفادة كلّ حضارة من الأخرى، ألم تبن الحضارة الغربية الحديثة استناداً إلى الحضارة العربية الإسلاميّة؟ وألم تفد الحضارة العربيّة الإسلاميّة من الفلسفة اليونانيّة؟ وألم تنهل الفلسفة اليونانية من التّقاليد الرّوحة الهنديّة إلخ...

       إنّ تنميط الإنسان في قالب واحد أو جماع قوالب مهيمنة يفقد الثقافات تمايزها المثري والمفيد. ولعلّه من اللّطيف أن نتذكّر أنّ الاختلاف من أسباب الخلق، ولعلّه من المفيد أن نتذكّر أنّ الإسلام مثلاً، ورغم أنّه يتّجه إلى البشريّة جميعها، ورغم أنّ شعائره وأركانه واحدة من المنظور الدّينيّ، فإنّه من المنظور الثّقافيّ يتجسّم وفق خصوصيّات متنوّعة في مختلف مناطق العالم زمانيّاً وآنيّاً.

العولمة والغيريّة: الآخر موضوع أم ذات؟

       أساس العولمة اقتصاد السّوق الحرّ، وأساس اقتصاد السوق الحرّ هو السّعي إلى تحقيق أقصى درجات الربح. ومن ضروب ذلك نقل المؤسسات من بلدان دَخْل العامل فيها مُجز إلى بلدان دخل العامل فيها ضعيف، وهو ما يسمّى بـ"نقل المؤسسات إلى الخارج". وليس السّعي إلى الرّبح مشكلاً في ذاته، لكن ما يثير الانتباه هو أسلوب تعامل المستثمرين مع العملة. إنّ العامل من منظور العولمة والرّبح لا يُعرّف إلاّ بما هو ذاك المكلّف بنشاط مخصوص عليه أن ينفّذه بأقصى ما يمكن من الحرفيّة وبأقلّ ما يمكن من الأجر. وهذا الضّرب من التّعامل بين البشر يحوّل الآخر إلى مجرّد موضوع يمكن أن يعاوضه أيّ موضوع آخر، وهو تعامل يفقد العلاقة بين الأنا والآخر جوهرها بصفتها من الوجهة الإنسانيّة ليست علاقة ذات بموضوع، وإنّما هي علاقة ذات بذات أخرى وفق ما يثبته فلاسفة الغيريّة جميعهم. ومن جهة ثانية، فإنّ تشييء الآخر لا يحوّله إلى موضوع فحسب، وإنّما يحوّله إلى موضوع في خدمة الأنا. واستغلالُ الآخر من قبل الأنا يتعارض مع البعد الرّوحاني الّذي يقيم العلاقات بين النّاس على تبادل أفقيّ لكلّ فيه دور مختلف لا شكّ، ولكنّ صاحب الدّور يجب أن يكون حريصاً على توازن العلاقات وعدالتها. إنّ العولمة تتقابل مع الأنسنة من حيث أنّ الأولى تقيم العلاقات بين أفراد متناحرين متفرّقين يسعى كلّ منهم إلى توظيف الآخر من أجل مصلحته الضّيّقة، أمّا الأنسنة فترى البشريّة واحداً في مظهر متعدّد، ومن هنا يكون الآخر وجهاً مختلفاً للأنا، يرعاه ويحبّه وينشد مصلحته، أليس أنّه لن يؤمن أحدنا حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه؟ وأليس أنّ مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا مرض منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى؟

العولمة واقتصاد السّوق: وهم الجمع

       من الشائع تناول اقتصاد السّوق الحرّ وفق المنظور المادّيّ أو الاجتماعيّ، ولكن نادراً ما كان اقتصاد السّوق مجال مقاربة روحانيّة أو نفسيّة. ووفق هذه المقاربة الأخيرة، فإنّنا نرى أن اقتصاد السّوق يقوم على الجمع المحموم للمال والممتلكات، وهو ما يتقابل مع التّمثّل الرّوحانيّ للعالم.

       يقول الله تعالى: "وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ-الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ-يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ" (الهمزة104/1-2-3). إنّ التهديد في هذه الآية لا يحيل على كلّ جامع للمال بل على جامع المال الّذي يرى أنّ جمع المال هذا قد يُنجيه من الموت أي من حدّ الوجود الأصليّ. إنّ الجمع أيّ جمع عندما يكون هدفاً في ذاته ليس سوى سعي محموم إلى نفي الافتقار الأصليّ. ومثاله البخيل الّذي لا يكفّ عن جمع المال، والإنسان الذي لا يكفّ عن جمع الوقت حتّى يغدو الزّمان صنو المال في المثل الأمريكي الشهير: "الوقت هو مال". على أنّ البخيل الّذي يجمع المال لا يتمتّع بالمال الّذي يجمعه، والإنسان الّذي يودّ أن يمتلك الحياة لا يتمتّع بالحياة الّتي يحياها. ولو افترضنا شخصاً "أشبعنا" كلّ حاجاته فإنّ حركة الحاجة فيه لن تخمد  لأنّ الحاجة لا يمكن أن تنتهي بتَلْبِيَتها. والإنسان عند امتلاكه لموضوع ما يجسّم افتقاره إلى موضوع آخر، إلى شيء يتجاوز امتلاك أيّ موضوع. فكم معوز تصوّر أنّ تكديس المال وتجميعه يجيب نهم نفسه فإذا به لا يجد بعد جمع الثّروات سوى رزم من المال لا تحقّق السّعادة، وكم رأسمالي كبير أنشأ عدداً لا نهائيّاً من الشّركات، وأصبح مليونيراً فمليارديراً فبليارديراً إلخ، فإذا به يمضي حياته كئيباً، وينهيها منتحراً. إنّ الجمع النّهم محاولة يائسة لملء ما لا يمكن أن يملأه الجمع، إنّه محاولة لسدّ الهوّة الّتي لا تسدّ لأنّ وجود الذّات في هذه الحياة قائم على وجود هذه الهوّة إذ إنّ الافتقار شرط الذات البشريّة، ونفيه هو نفي للذّات البشريّة. والحضارة المادّية الحديثة الّتي تنشد السّيطرة على العالم كلّه باسم العولمة إنّما تجسّم أحسن تجسيم هذا السّعي المحموم نحو الجمع والاستهلاك متمثّلاً في السّعي نحو امتلاك الموضوع مهما يكن نوعه. فليست وظيفة الإشهار الفعليّة التّرغيبَ في استهلاك موضوع ما بقدر ما هي إنشاء لحاجة استهلاكيّة ما كانت لتنشأ في غياب ذلك الإشهار. وتحقيق هذه الحاجة قد يهدّئ الضّغط لمدّة قصيرة ينفتح بعدها الإنسان على حاجة أخرى. ذلك أنْ لا وجود لشيء يمكن أن يطابق شوقنا إليه، فكلّ حاضر يُنشئ بالضّرورة غائباً منشوداً أبداً ضائعاً أبداً محرّكاً الذّات البشريّة في حركة لا تني البتّة.

       إنّ ما سبق لا يعني أنّ العولمة شرّ كلّها، فالخير والشّرّ نسبيّان، ولكنّه يعني أنّ الإغراق في منظومة السّيطرة على الآخر واستغلاله يفقدنا المشترك الإنسانيّ فينا، وهذا المشترك يمثّل جوهرنا الباطن، ولا يعوّضه لا مال ولا جاه ولا ثروات. إنّ الحياة تفتح أمامنا سبيل الامتلاك وسبيل الكينونة، وطغيان أحدهما على الآخر يفقدنا توازننا الفرديّ ويفقد العالم توازنه الجماعيّ، أليس أنّ خير الأمور الوسط؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية