التّسامح المستدام والعيش الرَّغيد في كنف السلام

       قد تُحَقّق بَعض المُجتمعات مُستوى رفيعاً مِن التّسامح والتّعايش المُشترك بين مُكوناتِها الثّقافيّة والدينيّة والعِرقيّة، ويُعتبر هذا الإنجاز مَكسباً حضاريّاً مُهماً، يسهم في تطوّر المُجتمع ورُقيّه، إلا أنّ التّحدّي النّاشئ عن هذا الإنجاز الحَضاري الكبير هو كيفيّة الحِفاظ عليه، وجَعله ثقافة حاضِرة ومُستمرة في وعي أفراد المُجتمع وسلوكهم اليومي ونقلِه إلى الأجيال المقبلة، وكيفيَّة تطوير آليات فِكريّة وثقافيّة تضمن تَطوير السّلوك المُتسامِح في المُجتمع وتسهم في إثراء تَطبيقاتِه العمليَّة على الدّوام. وفي هذا الإطار يأتي النِّقاش حولَ استدامة التّسامح في المُجتمعات الإنسانيَّة.

       إن التَّسامح المُستدام، لا يعني إقامة التَّسامح في المُجتمع الحاضر فَحسب، بل يَستوجب مَدّه إلى المُستقبل؛ ليبقى مفهوماً إنسانياً حاكماً على التَّصرُّفات البَشريَّة في الحال والاستقبال. فالاستِدامة مِن المَفاهيم المِحورية لاستبقاء كلِّ ما يستفيد منه المُجتمع البشري في أي عصر من العصور. وهي بهذا المفهوم تعني الحفاظ على مصالح المُجتمع ورعايتها بصورة دائمة؛ حتى تسعد بها الأجيال القادمة.

       يُعتبر التفاعل الاجتماعي مصدراً أساسياً للتسامح المستدام؛ كون المجتمعات بيئات وأوساط ينشأ فيها البشر، وتتأثر بها طبائعهم ونفوسهم، لذا ينبغي إبعاد المجتمع عن الأحادية الفكرية أو تنميط الناس على نمط واحد؛ حال التعامل مع مجتمعٍ يمتاز بالتنوع والتعدد.

       ومِن الأسس الاجتماعية المُعززة للتسامح المستدام بين البشر، التواصل بينهم، فإن عدم التواصل بين شرائح المجتمع المُختلفة يولد الهواجس والمخاوف المؤدية إلى التنافر في الجيل الراهن أو القادم. لذا كان من الأهمية بمكان تثقيف المجتمع، خاصة الجيل الناشئ بكافة شرائحه، ورفع وعيه العام بمكوناته البشرية والثقافية والاجتماعية، وتوظيف المناسبات العامة، كالمناسبات الوطنية أو العالمية أو الثقافية أو الدينية، لتمكين التواصل المباشر بين كافة أفراد المجتمع. وفي هذا السياق يؤكد ميثاق الأمم المتحدة للتسامح بين الشعوب على مبدأ التعارف والتواصل والانفتاح المتبادل، ضماناً للأمن العام، ودعماً للتعايش والاحترام المتبادل.

       ومِن أولويات التأسيس لمجتمع متسامح على المدى البعيد، عدم تحميل الحاضر والمستقبل تبعات الماضي، فالمتأمل لأكثر الصراعات الدائرة بين الطوائف يجدها قائمة على أساس الاختلافات التاريخية، ذلك أنّ الالتفات الدائم للاختلافات التاريخية والعيش في سياقاتها يُكرس التوتر الفئوي في المجتمع الواحد، كما يؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية عبر الأجيال، ويضع المعوقات التي تحول دون تقدم المجتمعات نحو الرُّقي والرخاء والتسامح المستدام. 

       إن العامل الثقافي بمفهومه الأنثروبولوجي العام، والمُشتمل على الأفكار والآداب والقوانين والعادات والأعراف والفنون، يلعب دوراً محورياً في التأثير على مستوى التسامح في المجتمع. فالإنسان ابن بيئته، والبيئات المشتملة على التعدد الثقافي بالمفهوم المذكور آنفاً، تربي في نفوس أبنائها قبول الآخر والتعايش معه، بينما المجتمعات ذات الطابع الثقافي الواحد، تجد صعوبة في التأقلم مع التعددية الثقافية، وذلك إما لتخوفهم من القادم الغريب، أو للحفاظ على هوياتهم الثقافية الخاصة. لذا يتفق الباحثون على أن التواصل الثقافي في المجتمعات من أهم العوامل الداعمة للتسامح بأنواعه. فالمجتمعات المتفتحة المتعارفة قد تصل إلى درجة التضامن والتكامل فيما بينها؛ لخدمة المصالح الكبرى للفرد أو للمجتمع. وإذا كان التمايز بين الهويات الخاصة للبشر سِمة ضرورية فإن الإفراط فيه، والتوجّس الدائم من الآخر قد يفضي إلى حالة من عدم التماسك والألفة أو غلبة ثقافة الأقوى على باقي شرائح المجتمع.

       وقد يتأثر المستوى العام للتسامح في المجتمع بتمييز السِّمات الثابتة للثقافة عن السمات المتغيرة فيه. فقد يأبى البعض الانفتاح على الآخر؛ لعدم تمييزه بين ما هو متغير في ثقافته الخاصة وما هو ثابت وأصيل. ولا شك أن الغالب في الطبائع والسمات الثقافية هو العنصر المتغير، فالثقافة كالكائن الحي يتغير مع مرور الوقت ويتأثر بكل ما حوله. وبناءً على ما سبق فلا ينبغي التنطع في التشبث بما هو متغير في الثقافة الخاصة؛ إن تعارضت مع المصلحة الكبرى للمجتمع بشكل عام.

ويعد العامل المعرفي أيضاً من العوامل الداعمة للتسامح في المجتمع، فكلما ارتفع المستوى المعرفي والتعليمي، في المجتمع كلّما ارتفع مؤشر التسامح، فالمعرفة تعتبر من أهم الركائز في البناء الثقافي للمجتمع، فهي تستلزم الرفع من مستوى التفاعل والتواصل بين أفراد المجتمع، وتؤهلهم للتعامل والعيش المشترك مع المحافظة على الثوابت الأصيلة في الثقافة الخاصة.

       إن التأطير القانوني لأي مفهوم من المفاهيم، يصون المجتمع من كثير من التصرفات غير الحضارية؛ لذا تداعت المجتمعات المتحضرة إلى التأصيل القانوني للتسامح وتسييجه بالإطار التشريعي، ووضع اللوائح الرادعة لكل ما من شأنه خرق هذا المبدأ الإنساني أو المساس بشرعيته؛ لهذا قرر الباحثون في موضوع التسامح أنَّ على المشرّع أن يضع أطراً واضحةَ المعالم للمعاني التي تتنافى مع مفهوم التسامح، وتصنيف أشكاله وتحديد أوصافه، صيانة لمبدأ التسامح من الخروقات المباشرة وغير المباشرة. ومن أبرز الأسس القانونية الداعمة للتسامح المستدام المساواة بين الناس كلهم أمام القانون، فالقانون جاء لضمان حقوق جميع شرائح المجتمع مهما كانت انتماءاتهم، خاصة في ظل الدولة المعاصرة، المبنية على أسس المواطنة لا على أساس النوع أو العرق أو الانتماء العقدي. وقد استخلص كثير من المفكرين من خلال دراسة التاريخ البشري أن الغطاء القانوني كان من أقوى الدعائم للتسامح في المجتمع.

       ومن الأسس القانونية الجوهرية التي تعكس بقوة عمق الوعي بفكرة التسامح التشريع لمبدأ حرية التديّن وعدم الإكراه في الدين، وقد جاء إعلان مبادئ التسامح للأمم المتحدة لدعم هذا المفهوم وتفعيله عالمياً بين الشعوب.

       إن تشريع حرية التديُّن يُظهر بوضوح تسامح القانون مع الأديان كلّها، وعدم وقوع أي دين من الأديان تحت وطأة الأديان الأخرى في المجتمع. ولا يفوت هنا التنبيه بجهود دولة الإمارات العربية المتحدة؛ لترسيخ التسامح في المجتمع؛ بتشريعها قانون مكافحة ازدراء الأديان، الذي يقف بحزم أمام جميع أنوع الانتهاكات التي قد يتعرض لها أي دين من الأديان على أرضها.

       واستناداً إلى ما سبق ذكره، فمن أبرز مخرجات التأسيس لثقافة التسامح المُستدام؛ هو إعداد مواطن عالمي، يتمتَّع بقيَم التَّسامح والتَّعايش، ليتأهّل للعيش في أي مكان على الأرض. كما أن التسامح المستدام يمكّن الأجيال القادمة من التَّمتع بمنافع التسامح المستدام والعيش الرغيد في كنفِ السلام.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية