سبينوزا والسؤال عن إمكانية التعايش بالأخلاق

       منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، ويضع التعايش الإنساني هدفًا مركزيًا، ومؤكد أنّ تحقيق الهدف الساميّ السابق لا يتأتى إلا بالتركيز على قيمة الإنسان وكفاءَته، ورفع قدرات التفكيرَ العقلانيّ والتجريبيّ، أيّ الانزياح نحو الأنسنة، والاهتمام ببناء الإنسان. إذن الإنسان الهدف، والتعايش مع التناقضات البشرية والطبيعية نقطة الوصول، استنادًا إلى الاستخلاف في الأرض وتعمير العالم ونبذ الكراهية ومقاومة نوازع الشر في النفس الإنسانية والذات الكونية.

       من ثمّ جاءت الأنسنة حدّ ما ذهب فريدريك شيلر «1759- 1805» لإدراك أنّ المشكلة الفلسفية تخص كائنات بشرية، وتبذل غاية جهدها لتفهم عالم التجربة الإنسانية، وزادها في ذلك أدوات الفكر البشري وملكاته، طبقاً لما أورده في كتابه "دراسات في المذهب الإنساني". ما يعني أننا نتفق فيما ذهب إليه بعض الباحثين في أنّ أطروحة الأنسنة تصوّر الإنسان وفق قوانين سنن الكون، وهو تفسير يسعى إلى وضع الإنسان ذاته تحت سيطرة اللوغوس/ العقل، في البدء كانت اللوغوس، في محاولة للبحث عن تفعيل التجربة الإنسانية في ضوء ما يقتضيه توحيد الكليّات عن دائرة التدرج الطبيعي لروح الوجود.

       وواحد من أهمّ الذين ذهبوا لفهم الطبيعة البشرية وإمكانية حلّ التناقضات والسعي نحو التعايش، كان الفيلسوف الهولندي من أصل برتغالي باروخ سبينوزا «1634-1677»، وهو المؤسس للنزعة المادية ذات العمق الوضعي في الثقافة الغربية، بيّد أنه لم يطلق العنان لحرية الإنسان كما سنبين، وإنّما جعلها جزءًا من إرادة الطبيعة، يجري على الأولى ما تقضيه ضرورات الثانية، وليس للإنسان أيّ قدسية تميزه عن الطبيعة، الأمر الذي ينتهي إلى انتفاء الخصوصية البشرية، وهو ما ينسف منطلقات سبينوزا في تصورها الأولي.

       وحسبما يذهب الفيلسوف برتراند راسل «1872- 1970»، فإن سبينوزا أنبل وأحب الفلاسفة الكبار، وإن تخطاه بعضهم في الجانب العقلي، فهو أعلاهم قدرًا في الجانب الأخلاقي. له مؤلفات عدّة أشهرها «رسالة في السياسة اللاهوتية» و«رسالة في السياسة»، يتناول فيهما النظرية السياسية المحضة يوجه سهام النقد إلى الرؤى الإنجيلية في السياسة، سعيًا وراء التأكيد على إمكانية الحديث عن توافق الكتب المقدسة واللاهوت الليبرالي.

       فيما يتناول مؤلفه «الأخلاق» ثلاث قضايا وهي: الميتافيزيقا، وسيكولوجية الانفعالات والإرادة، والأخلاق المؤسسة على علم النفس وما وراء الطبيعة، محاولًا إيجاد سبل للتعايش الإنساني عبر البحث عن أسس أخلاقية، وإن اتسمت بشيء من المثالية والرومانسية في جوانب منها، لكنّ الغاية نبيلة.

       ثمة مفارقة بين البحث عن مصدر الأخلاق والسعي نحو وضع نظرية أخلاقية، وسبينوزا لا يضع نظرية جديدة بقدر ما يسعى للكشف عن مصدر الأخلاق، من أين يأتي الشر؟ وما مصدر الخير؟ وكيف يقاوم الإنسان انفعالاته تجاه الحدين؟ الأسئلة التي تمتد نحو مصدر القوة، ومفهوم الحق، وإلى أي مدى يمكن اعتبار تصرف ما مقبولاً وأخلاقياً من عدمه. ويؤسس باروخ تصوراته المستنبطة، لا المشيدة لنظرية جديدة، على تصور محايثة الطبيعة الإنسانية للطبيعة العامة، والدمج بينهما، ليبدو تصور وحدة الوجود أساساً نظرياً وفكرياً لرؤية سبينوزا عن الأخلاق، ما يعني أن الطبيعة في جوهرها «محايدة» بلا صفة أخلاقية، والإنسان جزء من هذه الطبيعة التي ليست بأخلاقية أو عديمة الأخلاق في ذاتها، فإدراك هذه المفاهيم يبقى تصوراً ذهنياً موضعه عقل الإنسان ووعيه الذاتي.

       واستهدف سبينوزا تحرير الإنسان من استبداد الخوف، فـ«الإنسان الحر لا يفكر فيما هو أدنى من الموت، وحكمته هي تأمل لا في الموت وإنّما في الحياة»، وظل المفكر الهولندي مخلصًا لقاعدته طوال حياته إخلاصاً تاماً، ففي اليوم الأخير من حياته كان هادئاً غاية الهدوء، ولم يكن متحمساً، كما كان سقراط في «فيدون»، وأدار الحوار مع محدثه كما كان يفعل في أي يوم، عن أمور كثيرة مثيرة للاهتمام، وعلى خلاف بعض الفلاسفة الآخرين لم يعتقد في نظرياته، بل كان يمارسها أيضاً، ولا تذكر الكتب التاريخية أو الفلسفية مناسبة واحدة خانه فيه هدوءه، رغم الإثارة الكبيرة له، فاندفع إلى ذلك النوع من الحماس أو الغضب الذي تدينه أخلاقه، وفي الجدال كان لطيفاً معقولاً، وكان يبذل قصاره في الإقناع، حد ما يذكر راسل.

       لم يكن فهم سبينوزا للأخلاق منقطع الصلة بما كتب وناقش في جانب تحليل الإنسان وسيكولوجيته، بل كانت نتاجاً لهذا التحليل، الذي أرجع فيه انفعالات الإنسان إلى ثلاثة عوامل: الرغبة واللذة والألم، وتلتقي العوامل كافة في نقطة التقاء حبّ البقاء "كل شيء بقدر ما هو في ذاته، يحاول أن يبقى في كيانه"، ومن هنا ينشأ الحب والكره والنضال، بدافع البقاء، الذي يُعدل من طابعه حين ندرك أن ما هو حقيقي وإيجابي فينا هو ما يوحدنا مع الكل، لا ما يحافظ على مظهر الفرقة.

       وكي تتحقق حرية الإنسان، كذا إمكانية تحقيق التعايش في الحياة واستهداف السعادة، التي لا تتأتى عند صاحب كتاب «الأخلاق» إلا بالخضوع الكامل لقانون الطبيعة وضرورتها أو بقوله "لا يمكن أن نسمي الإرادة علّة حرة، بل هي علة ضرورية فحسب"، ولأنه ليس ثمة شر يُعرف وينشأ مظهره فقط إلا من خلال اعتبار أجزاء العالم كما لو كانت موجودة بذاتها، يلخصه قوله «لما كانت كل الأشياء حيثما كان الإنسان هو العلة الفاعلة خيراً بالضرورة فليس ثمة شر يمكن أن يصيب الإنسان إلا من خلال العلل الخارجية»، هنا يتحاشى سبينوزا الخوض ففي التأكيد على حرية الإنسان، المشكلة الفلسفية الأكبر، على النقيض عمل على حل بتجاهلها.

       الإنسان غير مستقل على نحو تام وكلي، نظراً لغياب الوعي بقانون العلة وثنائية العلة والمعلول فالنفس البشرية «جسد ونفس» غير منفصلة، ويُنظر إليهما بوصفهما شيئاً واحداً، وبمد الرؤية على استقامتها نصل إلى أن كل شيء إنساني مرتهن بالطبيعة ولها. ويستند نسف رؤية وتصور سبينوزا عن الأخلاق الإنسانية في قوامه إلى تصور الفيلسوف الهولندي عن حرية الإنسان ذاته، فهي وهم، إذ يعجز الإنسان عن تحرير نفسه، فهو مقيد على نحو أزلي بالأهواء والانفعالات والميول، وتبقى الحرية ما هي إلا شعور داخلي منفصل عن الواقع، لكنه غير منفصل عن الطبيعة وإرادتها.

       رؤية سبينوزا عن الأخلاق ليست كافية لتحقيق التعايش، إذ ينتفي وجود الأخير دون إرادة حرة واعية، وليست تابعة لإرادة الطبيعة ومنطقها، فالتعايش اختيار إنساني عموده الفقري الحرية ومبتغاه تقليل نزعات الشر وآثارها على البشرية جمعاء، وهو ما يتطلب أبعد من وجود الأخلاق وحدها، هل يمكن القول: يتطلب عوامل عدّة من بينها التأسيس لنظرية أخلاقية جديدة لا استنباطها؟ أعتقد بإمكاننا ذلك. ويتراءى لنا أن اتساع مدى التعايش، وزحزحة حدوده إلى أقصى المساحات الممكنة، مرتبط بوعي الإنسان وإيمانه بضرورة التفاعل، وتذويب الرواسب، وهو ما لن يتم إلا بنضال حقيقي والمساهمة في ركب التطور الحضاري والإنساني.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية