أزمة النزاعات الإنسانية واستحقاقات النهوض

      تمكن ذاك الكائن الجبّار من تذليل الكثير من صعوبات عيشه على هذا الكوكب الفريد، وتغلّبَ على مخاطر انقراضه وتهديدات حياته بالتفكير و(الفكرة) التي امتاز فيها أولاً عن بقية الكائنات، وتمكن عبرها من تبديد الكثير من الغموض والمجهول الذي شمله، وشمل العالم أمامه وحوله، وكان يسيراً عليه أن يُراكم خبراته، ومن ثم ينقلها إلى أجياله اللاحقة، لتبدأ تلك الأجيال الجديدة رحلة إبداعها من حيث انتهى إليه آباؤهم وأجدادهم من علوم وخبرات، وذلك بامتلاكه التميّز الثاني، ومقدرته على النطق أولاً، وتحويل الإشارات الصوتية إلى أحرف شفهية في البداية، ومن ثمّ تحويلها إلى أحرف مكتوبة ثانياً..

       إلا أنّ ذاك الكائن المعجزة تأخر كثيراً عن فهم العالم، وفهم نفسه، أو( أنّ الإنسان أخطأ في فهم العالم وفهم نفسه) كما قال الفيلسوف نيتشه.. فقد شيّد الإنسان على مدى أحقاب طويلة الكثير من الأمجاد الفارغة، ومجد الإنسان أمجاداً لا مجد فيها، ولا معنى لها، بعيدة عن مجد الإنسان والأنسنة..

       وركض الإنسان كثيراً وراء تحقيق بطولات غير إنسانية، بطولات تافهة لا بطولة فيها، وأغفل خياله بطولات الأنسنة وتغافلت قيمه عن تمجيد نزوع الأنسنة.. كما شيّد الإنسان الكثير من الهويات الفردية والجمعية المجافية للهوية الإنسانية، وضلَّ عقله عن تشييّد الهوية الإنسانية..

       كلّ ذلك تمّ لأنّ الإنسان استسهل الكثير من الإجابات على الكثير من الأسئلة، أو الأصح أنه تم إقحامه فيها، وضُللَّ فيها..كما استصعب بالوقت ذاته أجوبة الأنسنة، أو الأصح أيضاً أنه تمّ وضع الصعوبات أمامه فيها، من قبل قوى مهيمنة كانت أقوى من الأفراد والجماعات البشرية..

       لم تكن تلك القرارات والإجابات الخاطئة لدى ذاك الإنسان ( المغفل) قرارات إرادته الحرّة، أو تلك الأفكار والقيم اللا إنسانية التي سادت إبداع عقله الحرّ، بل كان ذلك نتيجة لاستعباد عقله، واستلابه لصالح مرجعيات لها مصلحة في استعباد الإنسان، وإبقاءه مجرّد (عدداً)، وعبودية الجماعات البشرية، كي تبقى هي مهيمنة على الثروة والسلطة..

       أمام منعطف خطير تمرّ فيه شعوب المنطقة العربية من ضمور (النزعات الإنسانية) في الفكر السائد أولاً، وتراجع القيم الإنسانية في ذهنيّة وحياة البشر اليومية لدى شعوب هذه المنطقة ثانياً، وما يقابل ذلك في الوجه الآخر من نتائج كارثية: من تنامي ظواهر العنف الفردي والجمعي، والانغلاق والتكور على الذات، وتفشي الكراهية في مختلف جوانب الحياة، بات مطلوباً أكثر من أي يوم مضى من النخب الفكرية والثقافية المناصرة للأنسنة، ولقضايا الإنسان وحقوقه:

       بات مطلوباً صبّ كلّ الجهود للبحث عن جذور ذاك الانعطاف التراجعي، وكشف ذاك الخلل الكبير بين كفتي (الميزان الإنساني) لدى هذه الشعوب: ضمور النزعات الإنسانية من جهة، وتنامي العنف ونزعات الكراهية والتكفير من جهة ثانية، بغية إيجاد الأسباب الحقيقية لهذا الانهيار الخطير الذي يُهدّد: وجود تلك الجماعات، وتماسك هذه الشعوب، يهيء شروط الحروب الأهلية، ويسهم في تمزيق نسيج تلك المجتمعات أولاً، ويُهددّ باندحارها خارج المجتمعات البشرية، وخارج العصر كله ثانياً..

       مطلوب الجرأة العالية في كسر التابوهات المفروضة، والجرأة في تعرية كلّ شيء، ووضع كل شيء على طاولة مشرحة النقد، بعقل الباحث النقدي الموضوعي، والصراحة والوضوح في مجريات الأبحاث، كما كان عليه روّاد الحركات الإنسانية والتنوير العقلي الأوروبيين، من جرأة عالية في شقِّ دروب جديدة لشعوبهم، وللبشرية جمعاء، جرأة عالية وصلت إلى حدود مواجهة الموت حرقاً أو شنقاً، وهم يواجهون الكنيسة البابوية، ورجال دينها، الذين وجهّوا لهم تهم الهرطقة والزندقة، والكفر والإلحاد..

       وبغير تلك الجرأة العالية سوف تكون نتائج أبحاثنا: هلامية ومائعة، التفافية، وفضفاضة، وتصبُّ جميعها في حقول المزيد من التضليل والخداع، وزيادة الطين بلة..

       وتلك الجرأة العالية المطلوبة قلّما وجدناها لدى أغلب تلك النخب الفكرية العربية والإسلامية، كما كان يتم وأدها أو التعتيم عليها، أو اعتقال أصحابها، إن وجدت لدى الفئة القليلة منهم..

       كما يستوجب من تلك (النخب العربية الإنسانية) تحرير عقولها من استلاب المرجعيات الفكرية والثقافية: (السلفية السابقة، والأيديولوجية المعاصرة)، قبل الانخراط في أبحاثهم عن جذور مشكلاتنا الإنسانية، وأسباب تخلفنا الإنساني.. إذ بغير تحرير العقول لن يكون لدينا عقول نقديّة وموضوعية، وسوف تكون نتائج أبحاثنا مُستلبة أيضاً، وخاضعة لتأثير منظومة فكر تلك المرجعيات، وتكون بالمحصلة النهائية مُضللِة أيضاً، وتزيد كرة الثلج ضخامة أيضاً.

       يستوجب أيضاً على النخب الإنسانية حسم موقفها في مسألة مناهج التفكير، وهي تقف على مفترق طريقين، ومنهجين في التفكير: الأول المهيّمن عندنا هو (منهج التفكير التسليمي). والثاني المنُحسر لدينا هو (منهج التفكير العقلي والعلمي).

       إذ يستوجب من النخب: القطع التام مع المنهج الأوّل: منهج التفكير التسليمي من جهة، وانتهاج المنهج الثاني: منهج التفكير العقلي والعلمي في تفكيرها أولاً، واعتماده في أبحاثها وجهودها ثانياً، كي تصل تلك الجهود إلى النتائج المرجوّة منها، وتكشف لنا أسباب انهيار فكرنا الإنساني، وانحدار قيمنا الإنسانية..

       الانطلاق من قاعدة فكرية واقعية، وقراءة دقيقة لمستوى تطوّر مجتمعاتنا المتخلفة، قراءة وتفسير بعيداً عن الأوهام، وعن المواقف المسبقة، يرتكزان على: أنّ مستوى تطورّنا التاريخي مازال يشبه حالة شعوب أوروبا وهي في (قرون الظلمات)، وأنّ مهام القرون الوسطى الأوروبية مازالت راهنة أمامنا، وجاثمة على صدورنا، وهي ليست وراءنا – كما هو الاعتقاد السائد-، بل هي ما زالت أمامنا، ولم تستطع شعوبنا إنجازها..

       الانطلاق من قاعدة: أنّ ما جرى من حداثة، وتحديث في التعليم والجامعات، وفي الاقتصاد والتنمية المادية، واستثمار الموارد، وفي أنماط العيش وغيره، قد مسَّ القشرة الخارجية واقتصر عليها، وأضحى مُضلِلاً وخادعاً، إذ لم تعالج مشاريع التنمية والتحديث التي جرت في بلادنا جوهر المشكلات الإنسانية التي تواجهنا الآن، وهي: قضية الإنسان ومكانته، وقضية حقوقه وحرياته.          

       بدايةً أيضاً.. يجد الباحث في مسألة الطبيعة البشرية نفسه مُلزماً في البحث، والإجابة على عدة أسئلة كبيرة، وعدة مسائل مهمة: الإجابة على سؤال ما هو " الوعي"؟: تلك الخاصية التي يتفرد فيها الكائن البشري عن سواه من بقية كائنات الطبيعة..

       الإجابة على سؤال: ما هو مصدر " الوعي" ومركز التفكير؟.. هل مصدره غيبي مطلق؟ أم أنّ الإنسان يولد صفحة بيضاء؟ وأنّ العقل (مركز الوعي والتفكير)؟ وإن تشكّل (وعيه) هو صناعة تربوية وثقافية بامتياز؟: أكان وعياً باتجاه الخير والأنسنة، أم وعياً باتجاه الشرّ، والنزوع إلى الكراهية؟.

       والإجابة على سؤال: كيف يتشكّل ذاك "الوعي" بشكل عام: "الوعي" بمعنى تكوّن المفاهيم والأفكار والتصورات عن الكون وعن العالم، وعن الذات، وعن الآخر المختلف، وعن الزمن والحياة، وعن الثروة والعمل، وعن المرأة والرجل..ووو..إلخ..

       ثم الانتقال للإجابة على سؤال مهمّ عن (الوعي الإنساني): كيف يتشكل "الوعي الإنساني" بشكل خاص؟ الوعي الذي يُسهم في نقل حالة الإنسان والبشر من حالة الحيونة والبربرية والكراهية، إلى حالة الأنسنة و منظومة أفكارها وقيمها.. وصولاً إلى ضرورة تحديد مكانة الإنسان، وموقعه، وأهميته، وغايات وجوده، في نظر الثقافة السائدة المهيمنة: هل يجب أن يكون كائناً حرّاً، و ذاتاً مستقلة، وكرامة مُصانة؟.. وهل يجب أن يملك كامل الحقّ في الاعتقاد والإبداع، ومطلق الحرية في التفكير وفي السؤال، وضرورة توفير المتسع الكامل له في العمل والنشاط؟.. وهل الإنسان محور العالم، ومركز الاهتمام، وغاية الغايات؟ أم أنّ الإنسان وغاية وجوده في نظر تلك الثقافة: أن يكون مجردّ عدد، أو خادماً لجهة ما، أو منفذاً لمشروع ما، أو جندياً في جبهة ما، أو هو عبداً لعدة جهات ومرجعيات سلطوية؟.. أو يكون مُقيّد العقل، ومُستلب التفكير لصالح مرجعية ما، أو لعدّة مرجعيات دينية، أو سياسية وسلطوية؟..

       إنّ في الانطلاق من تلك القواعد والأسس الفكرية، من جهة، وفي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمكانة الإنسان، وأسئلة آلية تشكل (الوعي) والقيم الإنسانية، من جهة ثانية، يمكن للنخب الفكرية الثقافية أن تقوم بدورها المرتقب منها، وإنجاز دورها البالغ الأهمية ونحن في قلب العاصفة، أو في عنق الزجاجة، ويمكنها أن تسهم في القبض على جذور مشكلاتنا التنموية، النهضوية، والإنسانية، وحينها يكون إيجاد الحلول يسيراً..


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية