أيقونة الفنون الإنسانية.. من الشِّعْرِ مَحَبَّةٌ وسلامُ

       خلقَ اللهُ البشرَ في حالة من التساوي في الحقوق والواجبات، ومنحهم أسبابَ الحياةِ على حدٍ سواء؛ ليعيشوا تحت مظلة الأخوَّة الإنسانية التي لا تعرفُ لوناً ولا جنساً، ولا قوميةً، بل ترتكز على المحبة والعدل والمساواة والمعرفة، وتنأى بالإنسان عن البغض والظلم والحقد والوحشية والجهل.

       وينضوي تحت جناح الإنسانية العالمُ بأسره، فهي معنىً شاملٌ للخصائص الحميدة في بني البشر، وهي أشملُ وِحْدَةٍ تضمُّ الناس، وتحقق لهم الشعور بالأمان والاستقرار على هذا الكوكب، الذي جعله الله مسرحاً لحياتهم، ولهذا فقد جاء الخطابُ القرآني مُوَجَهاً إلى الناس جميعاً في دعوة صريحة إلى التعارف والتآلف والمساواة في الحياة الدنيا، ونصَّ على أن المعيار في التفاضل هو الاقتراب من تحقيق مراد الله تعالى من الخلق: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهو خطابٌ يؤسِّس لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، علاقة لا تتناسى ولا تتجاهل ولا تُخفي أن الإنسان أخو الإنسان، يشتركان في نظامِ خلقهما وفي إنسانيَّتهما، وإيماناً بأنّ رفعة شأن الإنسان مرتبطة بدرجة تقواه، وأنّ تقدير هذه الرفعة والتمايز لا يكون إلا لله وحده.

       ولهذا فإنّ الأُخوَّةَ الإنسانية تُحَتِّم على الإنسان أن ينظر إلى الآخر مهما كان دينه ومذهبه وعقيدته على أنَّه شريك له في هذا الوجود؛ فيتعامل معه على أساس من العدل.

       ولا شكّ أنّ الآداب والفنون من العوامل المهمة التي تأخذ بيد الإنسان إلى هذا المعنى السامي من الأخوة الإنسانية التي يُرجى أن تُحققَ السلام والعدل والمساوة بين الناس، فللفنِّ والأدبِ بصمةٌ في نفس الفنان والمتأدب، من التهذيب، ورِقَّةِ الطَّبع، والنزوع إلى التأمل، والقدرة على التواصل، وتَبَنِّي القِيَم الإنسانية وكل ما من شأنه أن يُدرج ضمن إطار إنساني مطلق؛ تشترك فيه كلّ الأجناس والنحل والمذاهب دون تمييز؛ وإذا كانت الفنون والآداب بعامة وسيلةً إلى هذه الغاية الإنسانية النبيلة، فإن للشعر دوراً واضحاً في ذلك، بوصفه من أقدم الفنون الإنسانية، ولأنّه يجمعُ بين الكلمة والموسيقى والصورة، ولذلك فإننا نجد أبياتاً شعرية في أدبنا العربي غَدَتْ أيقوناتٍ للتسامحِ وتَقَبُّلِ الآخر المختلف؛ مهما كان الاختلاف جوهرياً، ثمّ إنّ الشعر له قدرة خاصة على حمل فكرة التسامح بشكل مباشر، والتعبير عنها بوضوحٍ تام، كما في اللُّمع التي سنطالعها في هذه المقالة، فتُنَبِّه في الإنسانِ إنسانيته في أزهى صورها.

       والغاية المنشودة من الشعر تحقيقُ خصائص الإنسانية، فكلّ الملاحم الشعرية من لدن هوميروس تسعى إلى تشكيل حالة إنسانية أفضل، فالشعر تجربة نفسية وجمالية تُسهم في رُقي الإنسان، ونضج وعيه.  وأوّل ما تأباه روح الشاعر، أو ما يُفترضُ أن تأباه، هو القتل ودواعيه؛ التي تأتي الحروب في أولها، وقد أوجز زهير بن أبي سُلمى القولَ في هذه الآفة المقيتة التي تتنافى والأخوَّةِ الإنسانية؛ في نظرةٍ مغايرةٍ لما هو شائع في عصره من تمجيد الحروب والتغني بالغزو؛ فهو يُشنِّع على هواة الحروب وموقديها:

وما الحربُ إلا ما علمتُم وذقتُمُ     وما هو عنها بالحديث المرجَّـمِ

متـى تبعثوها تبعثوها ذميمةً       وتَضرى إذا ضّريتُمُوها فَتَضْرَمِ

       ويقف المتنبي من الحرب وانتشار العداوات بين الناس والاقتتال موقفاً إنسانياً فلسفياً عميقاً، فيُحَمِّل الإنسانَ مسؤوليةَ سفك الدماء واستنبات العداوات، ثمّ يقرّر أنّ مطامع الناس وغاياتهم في الحياة لا تستحق أن يَقتلَ الإنسانُ من أجلها أو يُقتل:

كُلَّمـا أنْبَتَ الزّمـانُ قنـاةً          رَكَّبَ المرءُ في القناةِ سِنانا

ومُرادُ النُّفوسِ أصغرُ مِنْ أنْ     نَتَعَادَى فيـه وأنْ نَتَفَانَـــى

       وإذا كانت كثيرٌ من الحروب تقوم على أساس الأيديولوجيا واختلاف الطوائف والأديان، والمعتقدات؛ فإنّ ابن عربي قد تجاوز هذه الأسباب، فقد روَّض نفسه لتقبل كلّ الآراء والمعتقدات المختلفة، دون ازدراء لعقائد الآخرين، فهو مؤمنٌ بالحبِّ الذي يتجاوز هذه الاختلافات:

أدينُ بدينِ الحُبِّ أنَّى تَوَجَّهَتْ     رَكَائِبُهُ فالحب ديني وإيماني

       وهي دعوة قديمة دعا إليها البحتري في وحدة إنسانية لا تعرف التعصب:

ولا تَقُلْ: أُمَمٌ شَتَّى ولا فِرَق       فالأرضُ من تُربةٍ والناسُ من رَجُلِ

وفي المعنى ذاته يقول خير الدين الزركلي:

عجبتُ لأمر الناس أبناءِ واحدٍ   يفرقهـم دينٌ وجنسٌ وعنصرُ

ويقرّر معروف الرصافي أنّ سعادة الإنسان هي الغاية من الرسالات السماوية، ولكن الإنسان لسوء فهمه للأديان، أو لأغراض دنيوية يستنبتُ النزاعات باسم الدين، وهذا ما يستدعي الإنكار:

عَلامَ التعادي لاختلافِ دِيانةٍ        وأنَّ التعادي في الديانةِ عُدْوانُ

فأيُّ اعتقادٍ مانعٍ من أخوَّةٍ           بها قال إنجيلٌ كما قال قرآنُ

كتابان لم يُنـْزِلْهما اللهُ ربُّنا             على رُسْلِهِ إلا ليَسْعَدَ إنسانُ

       وقد أكد جبران خليل جبران على مركزيَّةِ الإنسان في الكون وذلك من منظور فلسفي رومنطيقي بغض النظر عن معتقده فيقول: "أُحِبُكَ ساجدًا في مسجدك، وراكعاً في هيكلك، ومصلياً في كنيستك، أنا وأنت أبناء دين واحد، هو الحب".

       ويجعل شوقي الاختلاف محط اهتمامه ويوجده في مركزية الخطاب حين يدعو إلى التعايش، فهو يدعو إلى القبول بالآخر، والقبول بالآخر هو جوهر الأخلاق التي تدعو إلى الاختلاف، في خطاب صارم يدعو من خلاله إلى تأسيس فكر جديد؛ يقوم على التآخي والجمعِ بين الملل، والتسامحِ على أنقاضِ فكرٍ يدعو إلى التناحر، فيتحول الخطاب الشعري إلى مقامٍ حِجاجي يؤسس من خلاله لفكرة التعايش التي تنبجس من خلالها مقولة الاختلاف بين الأديان واحترام الآخر، ومن ثم التعايش السلمي بين أفراد المجتمع؛ بقطع النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية، وبهذا يؤسس لمفهوم الانسان في كليته ويمنع انشطاره وتجزئته بانتمائه الديني والعقائدي:

لا تجعلوا الدينَ بابَ الشرِّ بينكُمُ     ولا محلَّ مُباهاةٍ وإدلالِ

ما الدينُ إلا تراثُ النَّاسِ قبلَكُمُ      كلُّ امرئٍ لأبيه تابعٌ تالي

       ولهذا فهو يحاول جعل الاختلاف بين الأمم في نصابه، بالدعوة إلى التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين وقيامهم في صف واحد لبناء بلد يَتَمَتَّعُ بالحرية الدينية والأُخوَّةِ الإنسانية:

نُعلي تعاليمَ المسيح لأجلهم              ويُوقِّرون لأجلنا الإسلاما

الدين للدَّيانِ جلَّ جلالُهُ           لو شاء ربُكَ وحَّدَ الأقواما

       فالاختلاف الحاصل عند الناس فيما يتعلق بالعقائد التي يتبنونها، والثقافات التي يتخذونها لا توجب الشحناء والتباغض؛ فالاختلاف إرادة إلهية، وسنة كونية لا يجوز إنكارها، وهذا منطوق ومفهوم كتاب الله تعالى:﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.

       أما الشاعر أحمد محرم فينظر إلى وحدانية الله لا إلى تعدد الأديان والمعتقدات، وإلى وحدة الأب (آدم) لا إلى تعدد الأبناء وتنوعهم:

تُفَرِقُنا الأديانُ واللهُ واحدٌ          وكلُّ بني الدُّنيا إلى آدمَ انتمى

       فالبشرية لا يمكن أن تتقدّم إلا بإعلاء السلام العادل والمحبة والتآلف بين الشعوب، وإقامة الحوار البناء، والإيثار وحب الخير لكلّ إنسان في كلِّ مكان من هذا الكون الفسيح، وهذا الحس الإنساني عبَّر عنه أبو العلاء المعري في وقتٍ مُبكِّر، إذ كان يتطَلَّعُ إلى إحلالِ الإنسان في المكان المناسبِ له، وإكسابِه القيمَ والأخلاقَ الحميدة، وإحلالِ قيمةِ الإيثارِ وحُبِّ الخيرِ للنَّاس جميعاً، محلَّ الأنانية والأثرة وحبِّ الاستحواذ:

ولو أنِّي حُبيتُ الخُلـدَ فرداً          لما أحببتُ بالخلدِ انفـرادا

فلا هَطَلَتْ عليّ ولا بأرضي        سحائبُ ليس تنتظمُ البلادا


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية