في المشترك الإنســانيّ.. من الفرد إلى الجماعة المثاليّون يُنكرون الواقعَ والواقعيّون يَصْنعون المُثل

  • الاستقرار في عالم الأفكار يطفئ جذوة العقل ويقتل توهّج الخلق والإبداع
  • بقاء النصّ مع الاجتهاد في تأويله أولى من إلغاء النص وانتظار بديله
  • المفكّر الحرّ يخرج على المتن السّائد لأنه يريد أن يحميَ النصّ من الذوبان
  • الفكر الحرّ كفيل بحمل الجماهير على ربط الأمن بالاستقرار والاستقرار بالحرّيّة والحرية بالمسؤوليّة
  • التاريخ لا يكذب إنما المؤرّخون يكذبون

جُبل الإنسان – بحكم غريزة حبّ البقاء التي وضعها الخالق فيه – على التعلق بذاته بتحصينها في المأكل والمشرب والكِنّ وسلامة النفس، وبموجَب كلّ هذه الضرورات هو يَعلم أنّ التعلق بالذات لا يستقيم بالانزواء في الفرديّة المطلقة، فكان أن احتاجَ الأفراد إلى الالتئام بروابط الأسرة، ثمّ بروابط المجتمع الصّغير، وتظلّ دائرة الارتباط تتّسع إلى أن تتجسّم في المجتمع النوعيّ، الذي تميّزه أنماط الحياة وطقوسُ التعايش، وكذلك اللغة التي يتواصل بها الأفراد، ثمّ تتّسع الدائرة؛ لتحتضن المجتمعَ البشريّ فيكتسب الإنسان – من حيث هو إنسانٌ – قيمته الكلّيّة بصرف النظر عن كلّ أوجه الانتماءات.

 

من هنا يتجلّى البُعد الثقافيّ باعتباره رأسَ المال الرّمزيّ للحضارة فيتحوّل المحصول المادّيّ – أيّاً كان – إلى محصول معنويّ مجرّد ينفصل عن عوالم المادّة، وهذا التدرّج في النظر والتّمحيص هو الذي أوصل ابن خلدون إلى بناء نظريّته في ما أسماهُ بالعمران البشريّ، فكان جديراً بأن يُعتبرَ الواضعَ المؤسّس لعلم الاجتماع.

أمّا السّمة الدّالّة على بلوغ هذه المنزلة، فهي كبْت نوازع الأثَرَة؛ تلك التي أصبحنا نسمّيها بالأنانيّة، ثمّ إطلاق جوانح الإيثار، حيث يحبّ الإنسان لأخيه الإنسان ما يحبّ لنفسه، فتتركّز ثقافة التعايش الإنسانيّ وتحلّ "الأنا الجَمْعيّة" مَحَلّ "الأنا الفرديّة". غيرَ أنّ لهذا الارتقاء الحضاريّ أشراطهُ وعلى رأس أولويّاتها حرّيّة الفكر.

لقد دخل العربُ الزمن الجديد وفي سَلّتهم ثمارٌ قطفوها من الشجرة التي تمّ زرعها؛ منذ العقد الثالث من القرن الذي تولّى وانقضى، حين قال قائلهم: "إنّ منزلة التعليم من وجود الإنسان؛ كمنزلة الماء والهواء". دخل العربُ وكلهم لهف أن يقول قائلهم: "حرّيّة الفكر كالماء والهواء". ولكنّ العربَ – كلّ العرب – قد دخلوا العصرَ الجديد وفي نفوسهم حسرة؛ أنْ تناسى الناس داخل أوطاننا جوهر الميثاق الثقافيّ الشامل، ذاك الذي كان عمادًا للحوار الإنسانيّ والحضاريّ بين الأمم، والذي على قواعده تأسّس الصّرحُ المعرفيّ بين كافة المواريث الفكريّة. إنه الميثاق المطلق، الكفيل بضمان الإنصاف الثقافيّ بين الشعوب والأمم والحضارات، وإنه الدستورُ الذي عليه تتأسّس كلّ نهضة علميّة وكلّ نهضة سياسيّة، وأوّلُ بنوده إنّما هو الموضوعيّة التي لا فيصلَ فيها، ولا حكمَ عليها إلاّ بحرّيّة الفكر.

على عتبات العصر الجديد يراجع المثقف العربيّ بعض شواهد التاريخ فيتمنى لو أنّ نصوصها ـ وهي عربيّة ـ تسترجع سلطتها الضائعة لتصبح ميثاقاً مُلزماً في تعامل الناس مع أهل الفكر، وفي تعامل أهل الفكر مع أهل الفكر، وفي تعامل السّياسيّين أنفسهم مع المثقفين داخل أوطاننا، ثمّ تصبح عَهْداً قاطعاً يُلزم كلّ مَن ينخرط في حوار الثقافات مِن أهلنا وذوينا ومن أهلهم وذويهم. هي شهاداتٌ على الرّوح العالية في باب الإنصاف الثقافيّ، وهي مواثيقُ متسامية ترقى إلى مدارات الكوْنيّ عَبْرَ المُشتركات الإنسانيّة، ولو رُمْنا جَمْعَ مثيلاتها في التراث لما عَدِمْناها في كلّ حقل من حقول النشاط الفكريّ، وفي كلّ مجالات الإنتاج الإبداعيّ، ولكنّ الرّوّادَ العربَ قد جاؤونا بخلاصتها الصافية من حيث الصّوْغ والتجريدُ والشمولُ. والجميلُ الرّائع أنّك تجدُها مَحَطّ إجماع يُردّدها المُتباينون في الرّؤى، والمُتباعدون في الزمن والمُختلفون في الأمصار، بل تراها عند الخصميْن العتيديْن، وكأنّها جوهرٌ للوفاق ضمن دائرة الاختلاف لأنّهما ـ بسُموّ العقل وعُلوّ الهمّة ـ يُقرّان بأنّها هي الضمانة لوجودهما؛ كمفكريْن متمتعين بالحرّيّة الخلاقة.

تفتح "رسائل" أبي يوسف يعقوب الكنديّ فتقرأ: "علينا باقتناء الحقّ وإن أتى من الأجناس القاصيَة عنّا والأمم المباينة لنا، فإنّه لا شيءَ أوْلى بطالب الحقّ من الحقّ، وليس ينبغي بَخسُ الحقّ ولا تصغيرُ قائله، ولا الآتي به، فلا أحدَ بُخس بالحقّ، بل كلٌّ يُشرّفه الحقّ". وتفتح كتاب "المنقذ من الضلال" لأبي حامد الغزاليّ، فتقرأ صورة أخرى من صور الإقناع والاستدلال، فالزمن قد تغيّر منذ الكنديّ ولكنّ المرجعيّة الفكريّة باقية ببقاء صفاء العقل. والذي جدّ بين الكنديّ والغزاليّ هو أنّ أبَا حامد قد شاهدَ قلبَ الرّحَى وهي تطحَنُ حبوب الفكر على بساط السياسة، فكانت موْعظته ثمرة امتزاج بين حِرقة المثقف ولهيب السلطة. ولكنه عاش من التجارب ما بَصّرَهُ بفتنة المُفكّرين، حيث يُؤلب الحاكم عليهم بعضاً من أشباه المثقفين، يَسُومُونهم الخسْفَ ويُوَازنونهم بالبخس، وبفتنة المُفكرين حين لا يفرّقون بين المشتركات الإنسانيّة إذا أخذناها لذاتها، والثقافةِ الكونيّة إذا جئنا بها لتشويه ذواتنا.

يقول: "عادة ضعفاءِ العقول أنّهم يَعْرفون الحقّ بالرّجال لا الرّجالَ بالحقّ، والعاقل يقتدي بقوْل علي بن أبي طالب: لا تَعْرفْ الحقّ بالرجال بل اعْرِفْ الحقّ تَعْرِفْ أهلَه. والعاقلُ يَعرف الحقّ ثمّ ينظرُ في نفس القوْل، فإن كان حقّاً قبِله سواءٌ كان قائله مُبْطلاً أو مُحقّاً، بل ربما يَحْرص على انتزاع الحقّ من أقاويل أهل الضلال عالمًا بأنّ مَعدِن الذهب الرّغامُ". ثمّ يقف الغزاليّ على الظواهر الاجتماعيّة المستشرية فيُضيف: "وهذا وَهْمٌ باطلٌ وهو غالبٌ على أكثر الخلق، فأبَدًا يعرفون الحقّ بالرّجال ولا يعرفون الرّجال بالحقّ وهو غاية الضلالة".

فهل هناك أفضل من هذه الخاتمة؛ كي تكون ميثاقَ شرفٍ جديدٍ بين الفرد والجماعة، في ما تشترك فيه الثقافات؛ ونحن على مدارج العصر الجديد، فإنّها ذات مشربيْن: مَشربٍ مطلق يَنهل من القاعدة السّلوكيّة الأولى: الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها أنّى وَجَدَها. ومشرب فكريّ يُسَلّم تسليماً بحرّيّة الاجتهاد؛ لأنّه يقول بمبدأِ العقل الخــالص، وهـذا ما سيُجدّدُ عَهْدَهُ أبو الوليد ابن رشد، الذي اكتوَى بنار الفتنة حين تظلم السياسة نفسَها بنفسها: "يجب علينا إن ألفيْنا لمَن تقدّمَنا من الأمم السالفة؛ نظراً في الموجودات واعتباراً لها؛ بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظرَ في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فمَا كان منها موافقاً للحقّ قبِلناهُ منهم، وسُرِرْنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غيرَ موافق للحقّ، نبّهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم".

هو فعلاً كلامٌ جديرٌ بأن يُوسَم بفصل المقال، وهو فعلا كلامٌ جديرٌ بأن يَرْسم خطوط التعامل بين المثقفين داخل الوطن الواحد، ثمّ بين المثقفين فيما يجري على مستوى المشترك الإنسانيّ، ولكنّ الضمانة الأساسيّة أن يكون كذلك دستوراً نافذاً بين السلطة السّياسيّة والمؤسّسة الفكريّة مطلقاً. لذلك قيل إنّ التاريخ لا يكذب والمؤرّخون هم الذين قد يكذبون، وقيل أيضاً: المثاليّون يُنكرون الواقعَ والواقعيّون يَصْنعون المُثل.

إنّ الأمن والاستقرار شيئان مختلفان، والسّياسيّ مهمومٌ بهما معاً، ولفرط اقترانهما على لسان الدّعاة والمناصرين والمنافحين والمزايدين، أصبحا كأنّهما شيءٌ واحد؛ بينما الأمرُ واضحٌ جليّ: فكم من بلاد – ماضياً أو حاضراً – يسودها الاستقرار في نظامها السّياسيّ، ويختلّ فيها الأمن مع ذلك، وكم من بلاد افتقدت استقرارها السّياسيّ؛ بين التداول أو التعاقب أو التداخل، ولكنّها لم تفتقد أمنها الذاتيّ في الحياة والمعاش، وفي الأخلاق العامّة وسلوكيّات أفرادها، وفي مؤسّساتها ومرجعيّاتها. فإذا حَمْلق التاريخ بعينيْه أو حدّق بناظريْه سارعَ السّياسيّ مدفوعاً بغريزة حبّ البقاء إلى التمسّك بالاستقرار، ولو أدّى الأمرُ إلى التضحية بالأمن. أمّا الفكرُ فإنّ مرجعهُ إلى فلسفة أخرى؛ مقابلة لتلك مقابلة رأسيّة. إنّ الفكرَ الخالصَ يتمسّك بالأمن أوّلاً وآخراً، كيف لا والاستقرار في عالم الأفكار - من حيث هو ركونٌ للثّبات - مطفئ لجذوة العقل، قاتلٌ لتوهّج الخلق، مقلصٌ لفضاء الجدل، قاضٍ على أدوات الإنتاج الذهنيّ وهي على البساط.

إنّ الأمن النفسيّ حليفٌ استراتيجيّ للفكر، أمّا الاستقرار في الأفكار - بإضمارٍ أو دون إضمارٍ - فخصمٌ تاريخيّ على العقل النقديّ. ولو عَرَف السّياسيّ أنّ أشرف المقايضات هي أن يسهر هو على أمن المفكريـن؛ قبل أن يسهــر على استقــراره، عندئذ سيعمل الفكر - دونما وصاية ودونما تواطؤ ودونما انخذال- على أن يستتبّ الاستقرار السّياسيّ؛ لأنه متمتعٌ فيه بمبرّرات وجوده، وواجدٌ معه ما به تكتمل له إنسانيّته العليا. لو عرف السّياسيّون ذلك لأيقنوا بأنّ حرّيّة الفكر هي الحليف الاستراتيجيّ لأنظمتهم السّياسيّة، وهي التي بوسعها أن تؤسّس – على المدى البعيد – الانصهارَ التامّ بين مظلة الأمن وقاعدة الاستقرار.

لكَم سمعنا من السّاسة ومن بعض المحسوبين على الفكر والثقافة مَن يقولون: إنّها مغامرة غير مأمونة. ولكنّ السّياسيّين القارئين للتاريخ والمستشرفين للمصير سيدركون أنّ المشتركات الإنسانية قد تبدّلت وأنّها أمسَت تقرّ بالحقيقة الخالدة: أنّ البقاءَ ليس للأقوى وإنّما البقاءُ للأصلح. ولو عَلمَ الحُكّام بأنّ تغيير الواقع كما ينشدون إنجازه لن يؤسّسه ولن يشرّعه ولن يسوّغه لدى الناس إلا الفكرّ الحرّ لكانوا أوّل المتمسّكين به، وأوّل الحامين لفضائه. فهل مِن شاكّ يشكّ في أنّ الواقيَ للمجتمع من الاهتزاز إنّما هو الإجماع الفكريّ حول سيادة الدولة ونواميسها؟

المفكّر الحرّ كائنٌ يبحث دوماً في الخروج على المتن السّائد لأنّه يريد أن يحميَ النصّ من الذوبان، والفكر الحرّ هو وحده الكفيل بحمل الجماهير على ربط الأمن بالاستقرار، والاستقرار بالحرّيّة، والحرّيّة بالمسؤوليّة؛ لأنه – وهو حرّ قائم بنفسه – يستطيع أن يعرف كيف يقول للناس في اللحظة التاريخيّة الاستثنائيّة: إنّ بقاء النصّ مع الاجتهاد في تأويله أولى من إلغاء النص وانتظار بديله.

إنّ الفكر الحرّ هو الوجه الغائب للحقيقة الحاضرة، فالسّياسة تعِدُ بالمستحيل وتنجز الممكن، والفكرُ يطلب المستحيل ليظفر بالممكن. فالذي هو استئثارٌ عند السّياسيّ، يتحوّل إلى إيثار عند المفكّر، ولا غضاضة على السياسة إن ظلّ الفكر حرّاً، ولا غضاضة على الفكر إن ظلت السياسة وفيّة للفكر. في قلعة السّياسة رغبات وفي قلعة الفكر رغبات، في الأولى – بين الأشياء والأحداث والظواهر والأقوال – مَعَانٍ يُسأل عنها، ومَعَانٍ لا يُسأل عنها. وفي الثانية كلّ المعاني يُسأل عنّها حتى تلك المحتجبة بنفسها، أو المنسيّة من دون سابق إضمار، أو المُغيّبة بفعل فاعل.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية