الفن والإنسانية محاولة لإعادة صياغة العالم بشكل مغاير وعادل

       هل للفنون دور أو أهمية في حياة الإنسان المعاصر، وبخاصة في بلادنا؟ هل تسهم في إبراز وصقل إنسانية البشر؟ لماذا نلحّ ونؤكد على أهميتها مصدراً أساسياً في التكوين العقلي والوجداني لكلّ طبقات المجتمع وأفراده؟

       الفنون وعلاقتها بالأنسنة، مسألة لها أبعاد عميقة ومتشعبة، فالفن في جوهره أحد أشكال تعبير الروح المطلق عن ذاته، حيث تتمثل فيه قيم الإنسان ومشاعره وأفكاره؛ بطرق تعبير ورؤى متعددة، نستبين من خلاله حقيقتنا الإنسانية التي تضعنا الفنون أمامها بشكل كثيف، علاقة تتميز بالمواجهة العميقة والبلورية في سياق جمالي غير وعظي، ببنيات تشكيلية ولغوية متجددة على الدوام، فنعرف ونعي عن أنفسنا ما قد نستشعره لكن لا نستطيع التعبير عنه بهذا الوضوح أو التجسيد أو الرمز الشفيف الذي تقدمه الفنون، فاللوحة التشكيلية، والمقطوعة الموسيقية، والتابلوه الراقص، والكتلة النحتية، والقصيدة والمسرحية، والقصة والرواية، والفيلم السينمائي، كلها ألوان إبداعية تجسد طموحات الإنسان ونجاحاته، كما تشير إلى نقاط ضعفه وإخفاقاته، تضعه تحت دائرة التحليل والاستبطان والبوح، فنعرف ذواتنا ونستطيع أن ننقدها. وفي اتجاهات ومدارس أخرى تشكل الفنون عوالم جمالية موازية لصلابة الواقع الذي تهدمه ثم تعيد بناءه من جديد، فتجعلنا نخرج نسبياً خارج الأطر الخانقة التي تكبّل الروح البشرية. تطلق الفنون أعمق تخيلاتنا وتصوراتنا وأغربها عن العالم سواء في جانبه المادي أو المعنوي، تصوغ إنساناً قادراً على الانفكاك من وعاء الجسد بكل غرائزه، والتسامي في فضاء الروح بكل فيوضاتها وإمكاناتها، حيث يتعانق الجميل والقيم، حين تنصهر المتعة مع الفكر.

        وفي ظل الأوضاع الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وإعادة تقسيم المنطقة وما يحاك لها، كَفر الكثيرون بالفن كما تشككوا بقيم وأفكار أخرى، ووجدوهها دون طائل ولا أثر لها في ظل هذه الأوضاع الطاحنة. لكن البعض الآخر قد يجد بالفن متنفساً يهرب فيه من قبح الواقع ودمويته، أو نهجاً يبوح من خلاله عما يحدث له من أهوال؛ عسى هناك من يشعر به، فدائماً كان للقضية الواحدة عدد من الطرق التي يتفرق البشر في رؤيتها وطرق تلقيها.

       تتسع الفنون وما تخلقه من عوالم بعمر الإنسان الزمني المحدود، كما تتيح له التواجد بمساحات واسعة ومتنوعة من جغرافيا الأماكن، تجعل الفنون وخاصة الأعمال الأدبية علاقة الإنسان بالزمكان شديدة الثراء والغنى حين تتيح تجارب إنسانية متعددة، فتجعله يعيش ويختبر عوالم تاريخية وجغرافية لن تهبها له حياته وتجاربه المحدودة مهما اتسعت في الزمان أو المكان.

       كما تقدم الفنون معرضاً واسعاً للتعدد ولتنوع التجارب والأفكار وأنواع الصراعات البشرية، معرضاً من الألوان والصور والإيقاعات، فالفنون والآداب محاولة لإعادة صياغة العالم بشكل مغاير عما هو معهود ومتكرر، حيث ترينا الموجودات لا كما اعتدنا أن نراها في عاديتها وسطوحها الملساء الباردة، بل تقودنا لطزاجة الرؤية وغرائبيتها وكشف علاقات جديدة بها، كأنّها تزيح التكلسات التي علقت بالأشياء والمعاني من كثرة اعتيادنا عليها على نحو ثابت، فتمنحنا الدهشة والتساؤل اللذين يكسرا الرتابة وتضربها في مقتل. فالإبداع الحقيقى يتجسد في الاستجابة المغايرة للأحداث أو لما نتوقع، فنتطلع إلى الفن بوصفه الوسيلة إلى إطلاق الخيال وتزكية الضمير، الأداة التي تساعد الإنسان على الانعتاق من أسر اليومي والعادي والضروري، وتسمو بذاته ليرتفع خطوات عن الأرض عالقاً بشص بين السماء وسماء أخرى، فيبقى أمل ما بداخل وجود طاحن عدمي. الفن الذي ينمي إنسانية الكيان البشري وينأى به عن منطقة الحيوانية والغرائزية، يباعده عن الفردية والذاتية المفرطة، الإبداع الذي يدفع الذات البشرية إلى اعتراك حقيقي بالحياة، بمنظوماتها المعرفية العقلية والروحانية.

       في هذا المقام علينا أن نتساءل لو أنّ المجتمعات العربية حاضنة جيدة للفنون والأدب، وأنّ هذه الثقافة لا تقتصر على النخب وفئة قليلة من المتلقين المهتمين بها، هل كنا سنجد استشراء للأفكار الأصولية المتشددة والرجعية بين الطوائف المختلفة؟ ولو كان للفنون والفكر والحريات تواجداً حقيقياً في ثقافة القاعدة العريضة من الشعوب، هل كنا سنشاهد كل هذا القدر من الدموية والعنف ورفض الآخر المختلف أيديولوجياً؟ هل كان سيتفشى هذا القدر من القبح والعشوائية في كثير من السلوكيات والمظهر العام سواء للإنسان أو للمكان؟

       هناك معوقات ينبغي أن نعترف بها ونتصدى لها بالمواجهة الدؤوبة، وتحول دون شيوع الفن وانتشاره، وبقاؤه نخبوياً محدوداً لفئة من المثقفين والمتلقين، معوقات خارجية، ومعوقات تخص الفنون وسياقاتها، وطقسها الاحتفائي. الخارجية تتمثل في الأمية، التضييق على الحريات، أوضاع اقتصادية متردية تُحتكر فيها الثروات في يد فئة قليلة، تسحق الأكثرية في طاحونة العوز للحاجات الضرورية، موروث ثقافي اجتماعي يستهين بالفنون، ولا يجد فيها فائدة؛ سوى أنها ترف وخروج عن المألوف. أمّا المعوقات التي تخص الفنون ومبدعيها فتتمثل في التعالي الذي يبديه بعض المبدعين على هموم الجماهير العريضة، وانغماس بعضهم في عوالم التجريب وتطرفهم فيه، فيضيعون الاشتباك مع الواقع كما يفقدون الصلة، التي هي الحلقة الأهم بين مُنتج الفن ومتلقيه.  

       فالفن في نشأته لم يكن ترفاً أو لذاته، بل كان ذا وظيفة، ولذا يعد الفن بداية حاجة وضرورة تشمل الجميع، لا نخبوية بها.

       أعود مرة ثانية لتأكيد أنّ الفن منذ بدايته، وحتى لحظتنا الحاضرة يدفع بالروح الإنسانية إلى فهم مكوناتها، والتعالي على ضعفها وتهذيب شرورها، إلى تجاوز الممكن والتطلع إلى ما يمكن أن يكون. ينمي الأدب العوالم الداخلية للإنسان، يجعله يدرك اتساعه بالحب كقيمة محورية ومن خلاله ينفتح على الآخرين، يتفهمهم ويتعاطف معهم، ويتقبل اختلافهم.

       وبإمكان المجتمع عن طريق منظومته التعليمية، وإعلامه، ومؤسساته الثقافية، أن يجعل عالم الفنون قريباً من الجميع، يدخله نسيج الحياة اليومية، يمكّن الفلسفة والفكر والتجربة والعلمِ من تأسيس ثقافة تلقي العالم على نحو حر وعميق، فالفنون تشمل هذه العلوم لكنها لا تنخرط في جمودها.

       تظل الفنون هي البوابة المثلى لترقية الكائن البشري ونزع الاضطراب والصراع من داخله، هي الساحة البراح التي تتصالح فيها تعدد الأفكار والأصوات وتعايشها، كما في نسيجها تقدم المعرفة غير الموجهة في رسائل تتسلل إلى الوجدان البشري دون أن تجد مقاومة عنيفة. فالفن يخلًق العوالم ويدين من يدمرها من البشر.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية