التّسامح من قيمةٍ أخلاقية إلى سِمةٍ إنسانية

       قد يبدو التّسامح فكرة أخلاقية، مثالية، دعت إليها الأديان من أجل سلام المجتمعات، ووئامها، بوازع روحي وأخلاقي صرف؛ لكن بالفهم الحديث، هو أبعد من ذلك، وأكثر تجذراً في المجتمعات البشرية، باعتباره مبدأ إنسانياً متكاملاً، يواكب الحياة المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولا ينبني على علاقةٍ متعالية، يسمو فيها المتسامِح على المتسامَح معه، بل بالعكس تكون العلاقة ندّية ومتساوية بين أطراف العلاقة، وهذا هو جوهر التّسامح.

       التسامح يأخذ شكل الحق في الاختلاف، الذي لا يؤدي إلى نبذ المختلف اجتماعياً، هذا إلى جانب كونه حقاً في المعاملة الإنسانية المتسامية على القانون نفسه؛ باعتباره قواعد مجرّدة تحكم حالات مجرّدة، بشكل محايد، لا يتأمّل إحداث توازن بقدر ما يطمح إلى خلق نظام صارم للمجتمعات؛ يحفظ الأمن، لكنه لا يخلق الوئام الإنساني الذي يبقى بيد الإنسان في حد ذاته؛ وهذا ما يسعى الحق في التسامح إلى جعله حقاً على الإنسان تجاه أخيه الإنسان، وليس من باب كرامة النفس، بل من شروط العيش المشترك الذي يفترض تفاعلاً إنسانياً حقيقياً بين عناصره.

       التّسامح يؤسس لقاعدة أخلاقية، تجعل ممكناً بناء مجتمع يتعايش داخله الجميع، بغض النّظر عن خلفياتهم العرقية والدينية والثقافية. يقول الباحث المغربي في الفلسفة عبد العزيز بومسهلي في كتاب له عن مبادئ فلسفة التعايش. بمعنى أن التّسامح شرط لقيام العلاقة الأخلاقية المُؤسّسة لتدبير الاعتراف، وجعله قابلاً للتحقق عينياً، أي إضفاء خاصية القيمة عليه. فالاعتراف دون قيمة يعد ناقصاً، لأنه يحتاج إلى "علاقة أخلاقية" تضفي على تساكن الكينونات المتغايرة وتجاورها وتلاقيها، معنى ايجابياً يحوّل علاقة المؤتلف والمختلف، الأنا والآخر، إلى قوة إيجابية تضمن الوئام في سياق الاختلاف والمغايرة.

       لذا قرَن ابن منظور التّسامح في لسان العرب بالجود، أي أنّه "مبدأ إفادة ما ينبغي لا بعوضٍ، فلو وَهب واحدٌ كتابه، من غير أهله أو من أهله، لغرض دنيوي أو أخروي لا يكون جوداً". حيث يتمثل التسامح في تلك القدرة التي يستعيدها الإنسان ليتصالح مع إنسانيته؛ ومن ثم فقد ظل غاية أخلاقية لمدة طويلة، قطعت الشعوب لتحقيقها أشواطًا طويلة، وخاضت من أجلها صراعاً لجعلها أساساً لأرضية التّعايش البناء؛ قبل أن تصبح مفهوماً أكثر شمولاً.

الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند أشار في معجمه الفلسفي، إلى أنّ التّسامح ميول فكري، أو قاعدة سلوك، تقوم على السّماح للفرد بحرية التعبير عن أرائه، حتى ولو كنا لا نشاطره إياها. وفي نظره، فالتسامح يتجلى في "الاحترام الودي لمعتقدات الآخرين". فيما رأى رينان أنها تقوم "على إرادة العيش المشترك"، وهي إرادة مؤسسة للتسامح في العصر الحديث، ومنها تبلور الحقّ في التسامح، كحاجة بشرية إلى السمو بعلاقاتها.

غياب التسامح ينتهي إلى التعصّب، والعنف في الخطاب والفعل، على كل المستويات؛ ويئد ثقافة الاختلاف، ويقضي على فكرة "المجتمع" الذي يسوده السلام، بين مكوناته الثقافية والدينية والعرقية، والسياسية. سيصبح المجتمع جماعة متصارعة من الناس، تركض طوال اليوم من أجل خير الفرد؛ أو من أجل خير الجماعة، لكن من وجهة نظر الفرد. فهُنا الجماعة يصبح لها مدلولاً سياسياً ضيقاً، يعني سيطرة مجموعة من الأفراد على الجماعة وتسييرها وفق هواهم؛ وليس وفق نظام اجتماعي سياسي اقتصادي، يراعي الاختلافات ويسعى إلى مصلحة كل فرد داخل الجماعة، بالسير على مبادئ كبرى تقوم على ما هو إنساني، حيث يمكن للاختلافات أن تشكّل عنصر قوة وتعدّد وغنى للمجتمع.

هكذا يجد البحث عن صيغة للعيش المشترك لتدبير الاختلافات، والأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في مبدأ التسامح ضالته، كأساس للعيش المشترك بين الأفراد في مجتمع ما. في المجال الاجتماعي على سبيل المثال، تبرز الحاجة إلى التسامح، في كون عدم التسامح يؤدي إلى فرض حياة مفصّلة وفق مقاس القوة المتحكمة، بغض النّظر عن التحولات التي شهدها العالم، لأنماط متنوعة مختلفة متداخلة متفاعلة من طرق العيش والسلوك، والتفكير. وثقافياً فإنّ اللاتسامح يعني التمسك بالقيم والمفاهيم التقليدية، ومحاربة أي رغبة في التجديد، والقضاء على منابع الإبداع القائم على السعي إلى التعبير بحرية خارج السائد. ويؤدي بلا شك إلى غلبة ثقافة الإقصاء والإلغاء للآخر، الذي يدخل ضمن دائرة العنف المدمرة.

ذلك أنّ التسامح باعتباره قيمة من أسمى قيم الإنسانية، تحثّ على القبول بالتعايش "جوار الأضداد"، وتوسيع وتعميق فكرة الديمقراطية ومؤسساتها، وتخليق العمل المؤسساتي، وتعزيز ثقافة المواطنة والانتماء التي تدفع الفرد للعمل لصالح المجتمع. هكذا تطور مفهوم التسامح من الفرد، إلى المجتمع، إلى الدولة، وإلى المجموعة الدولية، ولم يعد المفهوم اصطلاحاً أو لغوياً، يرتبط بالتكرم والسخاء والعفو، بل وصل إلى الاعتراف بالحق في التسامح، واحترامه مثل أي حق إنساني آخر.

       اكتسب مصطلح التسامح بعداً جديداً وجذرياً، عندما اقترن بفلسفة حقوق الإنسان، التي أخرجته من سياقه السابق، وجعلت منه حجر الزاوية في بناء المنظومة الحقوقية. فخرج من الفرد إلى المجتمع فالدولة والمجموعة الدولية، إذ لم يعد سلوكاً ذاتياً وإنما أصبح أساس التنظيم الاجتماعي والسياسي، في المجتمعات الغربية بالخصوص، كما يرى صلاح الجورشي. وهذا يعني أنّ المفهوم الحديث للتسامح، بالإضافة إلى شحنته الدينية الأصلية، وشحنته الفلسفية اللاحقة، اكتسب شحنة قانونية.

       وانتقال التسامح من بعده الأخلاقي إلى بعده المدني والسياسي، على المستوى الواقعي، يعود إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نظر إليه كإحدى المبادئ الأساسية لحياة مدنية، تضمن للإنسان كرامته، وتحقق العيش المشترك. ومع كل التّطور الذي خضع له مصطلح التسامح في مدلولاته، بقي يعاني من مشكلتين أساسيتين أولهما: الحمولة التاريخية التي لا تزال تلازمه عند الاستعمال؛ والمشكلة الثانية تتعلق بعدم وجود إجماع حول دلالاته الجديدة. ويعود مصدر الالتباس الذي بقي ملازماً لمصطلح التسامح إلى ما زال يوحي به "للبعض"، من موقف استعلائي يمارسه المتسامح تجاه الآخر.

       لكن مع ذلك، بالفهم الحقوق إنساني للتسامح، لا يستمد التسامح قيمته من أي أساس آخر كالدين، والعرق، والعشيرة وغير ذلك. ولكنه يستمد أساسه من التعاقد المدني، فأخلاقية التسامح، أخلاقية مدنية بمعنى أنها تتولد عن العلاقة المدنية التي تجمع بين طرفين مختلفين في العقيدة والجنس واللغة، ولكنهما يتبادلان التقدير، ويتمثلانه كتحقق عملي لأخلاق المدينة. وهنا لا يكون التسامح منة من الأنا إلى الآخر، أو عطفاً تجاهه، أو صفحاً عنه.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية