كيف يتسّلل التعصّب إلى عقائد الناس في ظل انتشار المعرفة وتطوّر العلوم

ما التعصّب؟ وكيف يتسلّل التعصب إلى عقائد الناس وقناعاتهم الفكرية؟ هل يمكن أن يجتمع التعصّب مع التفكير العقلاني؟ كيف يجعلنا الإيمان بمعتقد ما ننخرط بلا قيد أو شرط في منظومة من الأفكار والمواقف والأفعال؛ يمكن أن تُفضي بنا إلى التضحية بحياتنا وأرواحنا؟ لماذا تتسع ظواهر التعصّب ومساحات التفكير غير العقلاني في ظل انتشار المعرفة وتطوّر العلوم والصنائع؟

بداية، ماذا يعني "التعصّب" في مجال الدّين، وتأويل نصوصه وتفسيرها، والعمل بها؟ هل ثمة منطق إدراكي يختصّ بخطاب التعصّب في مجال الدّين؛ رؤيةً وفهماً وتطبيقاً؟ كيف يتسلّل الغلط والوهم إلى مدارك الفكر "المتطرف" وتصوّراته وطرائقه الاستدلالية؟

ولماذا يعمد خطاب "التطرف" إلى تحريف الكلم عن مواضعه، وقراءة نصوص الدّين قراءةً متحيزةً، وانتزاعها من سياقاتها، والنزوع بها إلى الاستدلالات الجزئية، ومصادمة قواطع الشريعة الكلّية، والخروج على الإجماع، والتفلّت من القواعد المعتبرة في التفسير والاستدلال.

إنّ الباحث ليحار في تفسير أسباب انتشار هذا الفكر على علاّته وآفاته الظاهرة والباطنة، وإزاء ذلك تطالعنا مقاربات ومناهج شتّى في دراسة الموضوع وتحليله:

فثمة من يُرجع الظاهرة إلى فتنة تأويل نصوص الدّين لأغراض متباينة؛ وهي فتنة قديمة جديدة في تاريخنا الثقافي، ومنهم من يرجعها إلى مركب من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية المتعالقة، ومنهم من يرجعها إلى أسباب جيو- سياسية وثقافية ترتبط بطبيعة "العولمة" المهيمنة العابرة للقارات.

بعض الباحثين لا يتردّد في ردّ الظاهرة إلى ضرب من الجنون، أو الحرمان الاجتماعي، أو الحرمان العاطفي، أو الفقر، والهشاشة، والبطالة، وانسداد الأفق الاقتصادي..

ولئن أسفرت هذه المقاربات عن وجهات نظر وتعليلات متباينة، فالواقع أنّ ميزة المجتمع الإنساني أنه يظلّ مجتمع اعتقاد، بغضّ النظر عن مستوى تطور معارفه وصنائعه وخبراته، وأنّ الإنسان مهما بلغ من المدنية والخبرة والعلم، يبقى ضعيفاً في القوة على معرفة الأشياء كما هي في كينونتها ووجودها الخارجي. ولا سبيل لوعي العالم وإدراكه كما يقول - جيرالد برونر- إلاّ بطريقتين: "المعرفة أو الاعتقاد".

والواقع، أنّ التعصّب هو البديل عن خيار المعرفة، إنه لا يعدو أن يكون نتيجة اعتقاد جازم في فكرة أو مذهب أو طريقة.. إنه حالة عقلية ونفسية تتسم بالتحيّز لفكرة أو طائفة أو مذهب، وانحراف عن ميزان "الفطرة العقلية" لعدد من المعايير السلوكية المعتبرة، إنه ضرب من الفكر الحادّ LA PENSEE EXTREME الذي يجمد صاحبه على معتقده ورأيه، ويتنكّر لحق غيره في النظر والاختلاف.

وهو ما جعل الدكتور جابر عصفور يعرّفه بأنه "الوعي الذي يصل في حدّيته إلى الطرف الذي لا يرى فيه سوى ما جمد عليه، لا يجاوزه إلى غيره، ولا يقبل فيه مناقشة، وذلك على نحو يفضي إلى إلغاء وجود الآخر، بواسطة فعل من أفعال العنف، الذي يستأصل حضور المخالف معنويا ومادياً".

يتداخل مفهوم التعصّب مع عدد من المصطلحات المصاقبة؛ كالدوغمائية، والتطرف، والتمييز، والإرهاب، والتحيز. وثمة علاقة وثيقة بين هذه المفاهيم بجامع الجمود العقائدي، والانغلاق العقلي، وتجاوز حدّ الاعتدال.

وحدّ الاعتدال نسبيّ، يختلف من مجتمع إلى آخر وفقا للنّسق المعياري والقيمي المقبول لدى كلّ مجتمع؛ فما يعدّه مجتمع من المجتمعات سلوكاً متطرفاً يجوز أن يكون مألوفاً لدى مجتمع آخر؛ فالاعتدال والتطرف من الكلّي المشكّك الذي يتعلّق بالأعراف الاجتماعية والثقافية والسياسية المتغيرة التي يحتكم إليها المجتمع.

على أنّ حدّ الاعتدال والتطرف يتفاوت أيضاً من زمن إلى آخر؛ فما كان يُعدّ تطرفاً في الماضي ربما لا يكون كذلك في الوقت الحاضر، ومع ذلك حاول بعض الباحثين اقتراح تعريف لمفهوم التطرف، ولكن لم تسعفه عبارة سديدة على حدّه وضبطه؛ نحو ما يقول طه المستكاوي: "التطرف اتخاد الفرد موقفاً متشدّداً يتسم بالقطيعة في استجاباته للمواقف الاجتماعية التي تهمه، والموجودة في بيئته التي يعيش فيها هنا والآن، وقد يكون التطرّف إيجابياً في القبول التام، أو سلبياً في اتجاه الرفض التام، ويقع حدّ الاعتدال في منتصف المسافة بينهما".

بينما عرفه محمد أحمد بيومي بأنّه "تحوّل من مجرّد فكر إلى سلوك ظاهري أو عمل سياسي، يلجأ عادة إلى استخدام العنف وسيلة إلى تحقيق المبادئ التي يؤمن بها الفكر المتطرّف، أو اللجوء إلى الإرهاب النفسي أو المادي أو الفكري ضدّ كلّ ما يقف عقبة في طريق تحقيق تلك المبادئ والأفكار".

مهما يكن من أمر، فالتطرّف والتعصّب هو نظام مغلق في التفكير يتميّز بعدم الاستعداد لقبول أي معتقدات أو آراء مخالفة، وقد يتحوّل من مجرد فكرة إلى فعل من أفعال العنف لإلغاء الرأي المخالف، واستئصال وجوده معنوياً ومادياً. ولذلك يتسم بنظرة مخصوصة إلى المعتقد تقوم على ما يلي:

1- إن المعتقد صادق صدقاً مطلقاً أو أبدياً.

2- لا مجال لمناقشته ولا للبحث عن أدلة تؤّيده أو تنفيه.

3- إدانة كلّ من يخالفه.

4- الاستعداد لمواجهة المخالف بالشدة والعنف.

5- فرض المعتقد على الغير بالإكراه والتسلّط.

   وكون التعصّب خروجاً على ميزان الاعتدال والمعهود الوسط؛ معنى مقرّر في كثير من كتب الأصول والفروع، وهو الذي يُعبّر عنه الإمام أبو إسحاق الشاطبي في نصّ نفيس من كتابه الموافقات بقوله: "إنّ المفتي البالغ ذروة الدرجة، هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدّة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال".

    ثم يحشد دلائل كثيرة من النقل والعقل على أنّ مبدأ الاعتدال والتوسط مطلوب شرعاً، فقال: "والدّليل على صحّة هذا أنّه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة؛ فإنه قد مرّ من أنّ مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط.

       وأيضاً؛ فإنّ هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله r وأصحابه الأكرمين، وقد ردّ r التبتل، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: «أفتان أنت يا معاذ»، وقال: «إنّ منكم منفرين».

وأيضاً؛ "فإنّ الخروج إلى الأطراف خروجٌ عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق، أما في طرف التشديد فإنه مهلكةٌ، وأما في طرف الانحلال فكذلك"، حسب الموافقات.

       إذن؛ لزوم الاعتدال، ومنع الخروج إلى الأطراف، والحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، هو الصراط المستقيم الذي هو عنوان الإسلام، وأصل الدّين، إنه ميزان الاعتدال الذي يعني -منطلقاً ومنهجاً- الموازنة بين المبدأ والواقع، أو بين الواجب والضرورة، أو بين العزيمة والرخصة، كما يعني - تربوياً- تكوين جيل متجذّرٍ في أصوله، متصَالحٍ مع زمانه، يتعامل مع الغير على أساس احترام الاختلاف، وثقافة العيش المشترك.


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية