الإنسانية معيار التفاضل بين الناس وأساس الرخاء والسلام والسعادة

تزخر الكتب السماويَّة بالدعوات إلى التسامح، ويكاد ذلك يكون أبرز سماتها ونقاطها الجامعة. والحاجة إلى التعايش تزداد في المجتمعات المتعدّدة؛ كمجتمعاتنا العربيَّة، وتزداد بالمقابل، وبشكل تناسبيّ، محاولات ضرب هذا التعايش وإسقاطه.

ما يبعث على الأسى أنَّ البشريَّة، بعد أن وجدت نفسها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم التعايش الكامل بين أتباع الديانات المختلفة، تعود في رحلة عكسيَّة عبر الزمن إلى مرحلة البحث عن حدّ أدنى من تفاهم – يكاد يصبح مستحيلاً – بين الفرق الإسلاميَّة نفسها، في ظلّ ارتفاع أسهم أهل التعصب والغلوّ، وتنامي تأثيرهم على العامَّة؛ بفضل خطاب شعبويّ يدغدغ الغرائز

ليس الفكر المتطرّف والرّؤى المنغلقة حكرا على ثقافة دون أخرى، وليس سمة للمنتمين إلى دين دون سواه. وإنّما شهد البشر عبر التّاريخ مجموعات وحركات من مشارب وانتماءات متعدّدة اختارت نهج الانغلاق.

والحقّ أنّ أغلب الدّراسات تجنح إلى معالجة الرّؤى المتطرّفة معالجة إجرائيّة من خلال مقاومتها والتصدّي لها عمليّا. لكن نادرا ما يكون التّساؤل عن خلفيّات الفكر المتطرّف وأسبابه وكيفيّة تشكّله.

هذا المقال يحاول أن يبيّن بعض آليات الانغلاق لدى المتطرّفين المسلمين من جهة، وتقابل رؤاهم مع جوهر الإسلام من جهة أخرى.

أنا (نحن) الأفضل:

أوّل عامل يساهم في استعداد الشّخص أو الجماعة للتّطرّف هو تنشئته على أساس أنّ دينه أو ثقافته هي الأفضل. وهذا ما نجد له صدى إلى اليوم في بعض المناهج التّعليميّة في البلدان المسلمة حيث يعلَّم الطّفل منذ نعومة أظافره أنّه مسلم وأنّ الآخرين جميعهم كفّار، ومن ثمّ يخبَر أنّه هو ومن على عقيدته سيدخل الجنّة قطعا، وأنّ كلّ من يخالفه المعتقد سيكون ضرورة من أهل النّار.

هذا التّمثّل يجعل المتطرّف متّسما بصفة الغرور، وهي صفة متقابلة مع جوهر الإسلام. إنّ الغرور من خصائص الشّيطان: " يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشّيطان إلاّ غرورا" (النّساء4، 120). والغرور مرفوض في علاقة المرء بسواه: "ولا تمش في الأرض مرحا إنّك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا" (الإسراء17، 37)، فضلا عن أن يكون غرورا إزاء الله تعالى.

 صحيح أنّ على المرء أن يبذل جهده لنيل رضا الله، ولكنّه في هذا الجهد المتواصل يظلّ في موضع الرّاجي لله تعالى، الطّامع في آفاق رحمته الواسعة، لا في موضع المتأكّد الواثق من أنّه على صواب.

الحكم على الغير:

لئن كان الغرور حكما إيجابيّا من المرء لذاته بتوهّم أنّها على طريق الصّواب ضرورة، فإنّ الحكم على الآخر هو موقف سلبيّ من الغير. ومن هنا يمكن أن نقول إن الحكم على الآخر هو الوجه الآخر للغرور. ونجد بعض المسلمين يعتبرون أنّ كلّ من خرج عن تمثّلهم للدّين كافر، بل إنّ منهم من يستسهل تكفير سواه لفظا وفكرا وتعبيرا وتمثّلا. وينسى هؤلاء أمرا هامّا، وهو أنّ الحكم على الآخر ليس سوى انتصاب رمزيّ من المتديّن المتطرّف في موضع الله تعالى الّذي لا حاكم سواه. إنّ هذا الحكم هو وجه من وجوه الشّرك النّفسيّ الّذي لا يعي به المتطرّف، ذلك أنّ الله وحده عليم بمن ضلّ ومن اهتدى. ألا يقول تعالى في كتابه الحكيم: " إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (الأنعام6، 117)، وألا يقول عزّ وجلّ: "إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (القلم68، 7).

نفي الاختلاف:

منطقيّ أن تتلو مرحلة الغرور والحكم على الآخر مرحلة السّعي إلى تغيير الآخر. فهذا الضّالّ الذي لا يشبهني لا يمكن أن يستمرّ على ضلاله. وعليّ أنا، بصفتي الأفضل، أن أبذل قصارى جهدي في إقناعه بصواب وجهة نظري لا بلين الحوار أو بحلو الكلام بما هو أصل التّبادل الفكريّ بين النّاس، وإنّما بالغلظة والعنف اللّذين قد يبلغان أحيانا حدود القتل في حال عدم "نجاح" مهمّة الإقناع.

الطريف أنّ من يسير على هذا النّهج لا يمكن أن يخطر بباله أنّه بفعله هذا يعارض إرادة الله تعالى في الكون. وكيف يمكن أن يتصوّر ذلك وهو يتوهّم أنّه ينشر دين الله تعالى ويعاقب من لا يأتمر بأوامره أو من لا يؤمن به؟

إنّ الله تعالى على كلّ شيء قدير، وهو عزّ وجلّ الّذي قرّر أن يكون الكون مختلفا متنوّعا فيه المسلم والمسيحيّ واليهوديّ والبوذي والتّاويّ والهندوسيّ واللاّدينيّ والمتسائل إلخ. ألم يقل الله تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلّهم جميعا أفأنت تكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين؟" (يونس10، 99)، وألم يقل تعالى: "ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين" (هود11، 118).

وجدير بالتّذكير أنّ أحد الأحاديث القدسيّة يعرض صورة المتطرّف كما نراها اليوم. وهو حديث يستدعي النّظر والتّدبّر والتّفكير. يقول الحديث إنّه كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذّنب فيقول: أقصر. فوجده يوما على الذّنب فقال له: أقصر فقال: خلّني وربّي، أبعثت عليّ رقيبا؟ فقال: "والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنّة". فقبض أرواحهما فاجتمعا عند ربّ العالمين. فقال لهذا المجتهد: "كنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا؟"، وقال للمذنب: "اذهب فادخل الجنّة برحمتي". وقال للآخر: "اذهبوا به إلى النّار".

إنّ هذا الحديث يجسّم كلّ ما أسلفناه. ذلك أنّ أحد الرّجلين يتّصف بالغرور وبالحكم على الآخر وبنشدان تغييره. ولكنّ ذاك كلّه لم ينتج رضا من الله تعالى بل غضبا، وذاك كلّه لم ينتج ريح الجنّة بل عذاب النّار. وإنّنا نذهب إلى أنّ هذا الحديث صورة رمزيّة تؤكّد أنّ الطّريق إلى رضا الله تعالى لا يمكن أن تكون من خلال الحكم على الآخرين أو بيان تقصيرهم في أدنى الأحوال وتكفيرهم في أقصاها. إنّ هذا الحديث يجسّم مشهديّا حال من يخطئ من حيث يتصوّر أنّه يصلح، والوعيُ بهذه المفارقة هامّ جدّا إذ يجعلنا ننتقل من عبادة الأنا إلى عبادة الله تعالى. بهذا الوعي، نتحوّل من: " أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه؟" (الجاثية45، 23) إلى "وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله ربّ العالمين" (التّكوير81، 29). 

إنّ الآخر المختلف عصيّ علينا، ولا يعني هذا ألا نحاوره أو أن لا نتبادل معه الرّؤى والمواقف، فهذا التّبادل هو جوهر الحياة وأساسها. ولكنْ، أَنْ نتذكّر أنّ الآخر المختلف عصيّ علينا هو أن نتذكّر أنّ في الآخر موضعا لا يمكننا، نحن البشر، النّفاذ إليه، وإنّما هو موضع متروك لله تعالى وحده يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، فيقوم كلّ منّا بدوره في هذه الحياة الدّنيا متواضعا راجيا رحمة الله وداعيا بالهداية للنّاس جميعهم بما فيهم نفسه. 

إنّ التّغيير الوحيد الّذي يمكننا الشّروع فيه في صبر وسلام هو تغيير أنفسنا. يقول غاندي: "كن التّغيير الّذي تريد أن تراه في العالم". وتغيير النّفس يستدعي انفتاحا هو في تقابل تامّ مع عناصر الانغلاق. فإذا كان المنغلق يرى نفسه الأفضل أي إنّ الأفضليّة حاصلة بالنّسبة إليه، فإنّ المنفتح السّاعي إلى تغيير نفسه يرى ذاته حدثانا متحوّلا نحو الأفضل، فالأفضليّة عنده ليست حاصلة ولكنّها هدف منشود. وإذا كان المنغلق يحكم على الغير من منظور معتقداته ورؤاه الشّخصيّة، فإنّ المنفتح يقبل ضعفه وأخطاءه ويتأمّلها ساعيا إلى تجاوزها. وإذا كان المنغلق ينفي الاختلاف الحاصل فعلا أي إنّه ينفي البديهيّ فإنّ المنفتح يقبل هذا الاختلاف بصفته جوهر الحياة ونسغها.

إنّ تغيير النّفس ليس أمرا هيّنا، وهو سبيل عميق إلى تغيير الكون بعيدا عن الغرور والتّطرّف والانغلاق. ألا يؤكّد الله تعالى: " إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم" (الرّعد13، 11)؟


اشترك في النشرات الالكترونية ليصلك جديد المنتدى

مؤشر السعادة

سيتم فتح هذا الرابط في صفحة خارجية